; طوائف لبنان.. والمشي فوق الألغام ثغرة الأجنبي لاختراق البلاد مقابل الحماية | مجلة المجتمع

العنوان طوائف لبنان.. والمشي فوق الألغام ثغرة الأجنبي لاختراق البلاد مقابل الحماية

الكاتب نهى قاطرجي

تاريخ النشر السبت 14-يوليو-2007

مشاهدات 60

نشر في العدد 1760

نشر في الصفحة 22

السبت 14-يوليو-2007

لم يكن لبنان بحدوده الحالية ومساحته البالغة ١٠٤٥٢ كيلومترا مربعا بلدًا معروفًا قبل ۳۱ - أغسطس ۱۹۲۰م؛ تاريخ إعلان الجنرال «غورو» الفرنسي دولة لبنان الكبير، حيث ضم إليه ولاية بيروت مع أقضيتها وتوابعها «صيدا وصور ومرجعيون وطرابلس وعكار» والبقاع مع أقضيته الأربعة «بعلبك والبقاع وراشيا وحاصبيا»، فاتسعت مساحته من ٣٥٠٠ كلم مربع إلى ١٠٤٥٢ كلم مربع، وازداد سكانه من ٤١٤ ألف نسمة إلى ٦٢٨ ألفًا.

أما قبل ذلك التاريخ فكان هذا البلد جزءًا من أراضي سورية يطلق عليه اسم «جبل لبنان»، ويضم قسمًا من سلسلة جبال لبنان الغربية امتدت من بلدة بشرى شمالًا حتى بلدة جزين جنوبا. وقد شكل هذا البلد الصغير مع سورية والأردن وفلسطين بأشكالها الحالية ما يعرف في التاريخ الإسلامي ببلاد الشام، تلك الأرض الإسلامية التي مدحها رسول الله ﷺ وذكر محاسنها إلى قيام الساعة.

ولقد كان لبنان وعلى مدى تاريخه الطويل عرضة للهجمات والغزوات حتى يكاد يضرب به الرقم القياسي في عدد الأمم التي احتلته وحكمته، انطلاقا من ملوك آشور وبابل ثم الفرس والفراعنة فالإسكندر الأكبر فالسلوقيون فالبطالسة ثم الرومان..

وبعد المسيح u تعاقب عليه البيزنطيون فالأمويون فالعباسيون فالطولونيون فالسلاجقة فأتابكة سورية فالفاطميون فالصليبيون وبنو زنكي فالأيوبيون ثم قلاوون وسلالته ثم المماليك البحرية ثم بنو عثمان ثم فرنسا. 

ورغم كثرة الدول التي احتلت هذا البلد، كاليونان والبيزنطيين، أو التي جاءت لتحرره من المحتلين كالجيوش الإسلامية، فإن كتب التاريخ الحديث تركز دوما على المرحلة الأخيرة من الخلافة العثمانية التي حكمت جبل لبنان منذ عام ١٥١٦م، وذلك في محاولة لذكر المساوئ ونسيان المحاسن، مع أن العثمانيين لم يحكموا جبل لبنان بشكل مباشر إلا لفترة قصيرة لم تتجاوز العشرين عامًا (١٨٤١ - ١٨٦١م). أما قبل هذه الفترة فكانت مناطق «جبل لبنان» تخضع لحكم أمراء الطوائف الرئيسة فيه وهم الدروز الذين تمثل حكمهم بالأمراء المعنيين (١٥١٦ - ١٦٩٧م) ومن بعدهم الأمراء الشهابيين (١٦٩٧ - ١٨٤١م) ومن ثم انتقل الحكم إلى النصارى إثر المجازر التي وقعت بينهم وبين الدروز في الفترة من ١٨٤٠ - ١٨٦٠م، ونتج عنها تحول جبل لبنان، إلى نظام المتصرفية. 

إن القارئ لتاريخ لبنان الحديث منذ الحكم العثماني إلى اليوم يمكن أن يحصر معاناة هذا البلد بسببين أساسيين:

  1. التدخل الأجنبي:

الذي بدأ منذ وقت بعيد منذ عهد الأمراء المعنيين، حيث كان للأمير فخر الدين المعني الثاني (١٥٧٢ - ١٦٣٥م) علاقات واتصالات مع أمير توسكانا «إمارة إيطالية» تهدف إلى الانفصال عن السلطنة العثمانية وإقامة إمارة مرتبطة بالغرب، ولكن مشروعه الانفصالي التغريبي فشل وتم إعدامه في الآستانة، ثم استمر هذا التدخل الأجنبي في العهد الشهابي مع الأمير بشير الثاني الشهابي الذي تحالف مع محمد على باشا والي مصر من أجل مواجهة السلطة العثمانية المتقهقرة. 

بعد ذلك برز هذا التدخل بشكل واضح إثر صدور البروتوكول الخاص بنظام المتصرفية الصادر عام ١٨٦٠م. والذي تمكنت بموجبه كل من بريطانيا وفرنسا والنمسا وروسيا وبروسيا «ألمانيا» من فرض إرادتها على الدولة العثمانية وسلمت منذ تلك الفترة زمام البلد إلى النصارى، وجعلت باقي المذاهب في موقف التبعية.

وقد استمر هذا التدخل في عهد الاستعمار الفرنسي المعروف بعهد الانتداب (۱۹۱۸-١٩٤٣م)، الذي كان نتيجة توقيع اتفاقية بين بريطانيا وفرنسا عرفت باتفاقية سايكس – بيكو، نتج عنها اقتسام الميراث العثماني في المشرق العربي، فكان لفرنسا النفوذ والوصاية على لبنان وسورية، وكان لبريطانيا النفوذ في فلسطين وشرق الأردن والعراق.

  1. الطائفية:

يلاحظ أن التدخل من قبل الأجنبي في لبنان كان دائما يأتي عن طريق استغلال الطائفية وتنميتها وتوظيفها سياسيا، وكانت كل طائفة تسعى من أجل حماية وجودها إلى الاحتماء بإحدى البلدان الأجنبية مما جعل الساحة اللبنانية مادة قابلة للانفجار في أية لحظة.

 ففي فترة الصراعات طائفية ما بين الدروز والموارنة بين العامي (١٨٤٠ - ١٨٦٠ م) كانت كل طائفة من الطائفتين على ارتباط وثيق بإحدى الدولتين الكبيرتين آنذاك بريطانيا وفرنسا، فالدروز احتموا بالبريطانيين خلال أحداث ١٨٦٠م، مما سمح لبريطانيا باستغلال ذلك من أجل التدخل في الشؤون الداخلية للسلطنة العثمانية من جهة، والمنافسة فرنسا من جهة أخرى.

أما فرنسا فأصبحت صاحبة الحق في حماية الطوائف الكاثوليكية والموارنة، ذلك أنها أعلنت بلسان «روبير كولوندر»، رئيس البعثة السياسية الفرنسية في بيروت، غداة انتهاء الحرب العالمية الأولى، أن مجيئها إلى لبنان هو لحماية أصدقائها الموارنة وضمان مصالحهم، وبالفعل فقد قامت فرنسا بتدريب المسيحيين عامة والموارنة خاصة على كيفية إدارة شؤون البلاد أثناء فترة حكمها المباشر للبنان بين عامي ١٩٢٠ - ١٩٤٣م، ثم سلمتهم السلطة بعد مغادرة جيوشها نهائيا لبنان عام ١٩٤٦م. 

وبعد هذا التاريخ تفرد الموارنة بحكم لبنان حتى انتهاء الحرب الأهلية (١٩٧٥ - ١٩٩٠م)، مع أنه لا يوجد نص في الدستور اللبناني يحدد طائفة رئيس الجمهورية.

لقد كان لسياسة التمييز بين الطوائف أثرها في انفجار الحرب الأهلية في - أبريل ١٩٧٥م. نتيجة الاحتقان الناجم عن الغين الذي تعرضت له الطوائف الإسلامية، والتمايز بين المناطق والطوائف، إضافة إلى محاولة جعل لبنان تابعًا للدول الغربية، يسير في ركاب الحضارة الغربية مع محاولة سلخه عن محيطه العربي والإسلامي.

وجدير بالذكر، أن اتفاق الطائف الموقع عام ۱۹۸۹م بين الأطراف اللبنانية المتحاربة، قد أنهى الحرب الأهلية في لبنان وحدد نظام اقتسام السلطة الطائفي المعقد والذي أنشئ مع استقلال لبنان في عام ١٩٤٣م، ومنح المسلمين والمسيحيين تمثيلا متساويًا في مجلس النواب؛ بدلًا من التمثيل بنسبة ٦ إلى ٥ لصالح المسيحيين كما كان في السابق.

علمًا بأن هذا التمثيل لم يعد يتناسب مع الوضع الديموجرافي الجديد، فلقد کشفت دراسة مسحية وردت في جريدة السفير اللبنانية بتاريخ ٢٨ / ٠١ / ٢٠٠٦م، أن عدد سكان لبنان المسجلين يبلغ ٤,٥ مليون نسمة، يشكل المسيحيون نسبة ٤٠,٥% منهم، أما المقيمون فيبلغ عددهم ٣.٧ مليون نسمة يشكل المسيحيون منهم نسبة ٣٧,٢% وهذا يعني أن المسلمين المقيمين يشكلون ثلثي سكان لبنان تقريبًا.

وهذا جدول بعدد المقيمين الرئيسين في لبنان ونسبتهم، كما ذكرتها جريدة السفير:

شيعة

١,٠٥٠,٠٠٠

٤, ٢٨%

سنة

١,٠٢٠,٠٠٠

٢٧,٦%

موارنة

٨٠٠,٠٠٠

٢١,٦%

أرثوذكس

٢٨٠,٠٠٠

٧,٥%

دروز

٢٣٠,٠٠٠

٦,٢%

كاثوليك

١٦٠,٠٠٠

٤,٣%

أرمن أرثوذكس

٧٥,٠٠٠

٢%

علوية

٢٢,٠٠٠

٦, ٠%

إن هذين الأمرين التدخل الأجنبي والطائفية السياسية، هما العنصران الأساسيان اللذان برزا مجددا على الساحة اللبنانية إثر اغتيال الرئيس رفيق الحريري في ١٤ فبراير ٢٠٠٥م، وما نتج عن هذا الاغتيال من أحداث زادت من حجم الفرز الطائفي المدعوم من الدول الخارجية، فانقسم اللبنانيون إلى فريقين:

  • فريق ١٤ آذار الذي تألف بصورة رئيسة من تيار المستقبل «ذي الأكثرية السنية والذي يتزعمه سعد الحريري»، والحزب التقدمي الاشتراكي «ذي الأكثرية الساحقة الدرزية، والذي يتزعمه وليد جنبلاط»، والقوات اللبنانية المارونية «بزعامة سمير جعجع»، مدعومة خارجيًا من قبل الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا.

  • فريق ٨ آذار، والذي يضم حزب الله وحركة أمل «من الشيعة» وتيار المردة الماروني بزعامة سليمان فرنجية، والتيار الوطني الحر ذا الأكثرية الساحقة المسيحية بزعامة العماد ميشال عون «من المسيحيين» مدعوم خارجيًا من قبل إيران وسورية، وعددًا قليلا من باقي الطوائف الأخرى. 

لقد كان من نتيجة هذا الصراع بين القوى المحلية والدولية أن دخلت البلاد في أزمة كبيرة بدأت مع مطالبة فريق السلطة، بالموافقة على قيام المحكمة ذات الطابع الدولي لمحاكمة قتلة الرئيس رفيق الحريري، وتفاقمت مع استقالة الوزراء الشيعة من الحكومة اللبنانية والاعتصام المفتوح الذي بدأته قوى ٨  آذار - مارس منذ أكثر من ستة أشهر الأمر الذي أعاد إلى الواجهة قضية الطائفية ودورها الأساسي في السياسة اللبنانية الداخلية. 

إن هذا الوضع المتردي كان السبب وراء اختيار موضوع الطوائف اللبنانية من أجل التعريف بتاريخها وتطورها ودورها على الصعيدين الداخلي والخارجي.

الدروز:

الدروز فئة منشقة من الشيعة أنشأها الحاكم بأمر الله الفاطمي (٩٨٥ - ١٠٢١م). سموا بالدروز نسبة إلى أول من دعا إلى المذهب وهو «محمد بن إسماعيل الدرزي».

 يعتبر الدروز أنفسهم بأنهم مسلمون موحدون، مع أن مذهبهم يتضمن كثيرا من المعتقدات المخالفة للإسلام منها أنهم يقدسون العقل ويعتبرونه محور المعرفة، ويؤمنون بتناسخ الأرواح، ويأخذون بمذهب التقية، ويمنعون أتباعهم من التصريح عن معتقداتهم الحقيقية، ولا يقيمون فرائض الإسلام المعروفة كالصلاة والصيام والحج.

 العقيدة الدرزية عقيدة سرية لا يعرفها إلا فئة قليلة جدا من أفراد المجتمع الدرزي تعرف بفئة «العقال»، الذين يمارسون عبادتهم في مكان منعزل عن الناس يعرف بالخلوات، ورجال الدين عندهم ثلاثة أقسام: «الأجاويد والقضاة وشيخ العقل». وكتبهم الدينية غير منشورة، ومن أبرزها كتاب الحكمة الذي قام النصارى بتصويره يوم احتلوا الجبل في عام ۱۹۸۳م.

الشعب الدرزي شعب متضامن مع بعضه البعض، وهو لا ينسى أقرباءه ولا إخوانه من أصحاب العقيدة الواحدة، لذلك لا يشجع أبناءه على الزواج من أبناء الطوائف الأخرى حتى إنه كثيرا ما يتبرأ من الدرزي الذي يتزوج من غير ملته مما يضطره إلى تغيير دينه.

عدد الدروز قليل بالنسبة السائر الطوائف، وهم يتواجدون في لبنان وسورية والأردن و«إسرائيل»، ففي لبنان يوجد ٢٣٠ ألف شخص «وفق إحصاء جريدة السفير المذكور سابقا» بينما يوجد في سورية حوالي ٣٠٠ ألف مقابل ١٥ ألفًا في الأردن، أما في «إسرائيل» فيعيش منهم قرابة ٧٠ ألفًا يحق لهم وحدهم مع البدو الخدمة في صفوف الجيش الإسرائيلي.

وتقع مواطن دروز لبنان في الشوف وعاليه وحاصبيا، وفي سورية في مناطق جبل الدروز وغوطة دمشق والجولان، أما في فلسطين فتقع مواطنهم في الجليل الأعلى.

تحالفات الدروز وعلاقاتهم الخارجية:

تميزت تحالفات الدروز ومعاهداتهم التاريخية بالتقلبات والتغييرات وفق المصلحة الخاصة لهذه الطائفة، فبدأت هذه التحالفات مع السلاطين العثمانيين الذين مكنوهم من الحكم الذاتي في الإمارة ثم الشهابية. ثم تحولت بعد تولي العثمانيين الحكم المباشر للجبل عام ١٨٤١م إلى البريطانيين الذين كانوا على خلاف مع فرنسا، ولعل أبرز زعيم درزي مشهور حاليا بتقلباته السياسية هو «وليد جنبلاط».

كما عرف الدروز بعلاقتهم غير المعادية لـ «إسرائيل» ولا ينسى اللبنانيون كيف استقبل الدروز «إسرائيل» عام ۱۹۸۲م. بالورد والأرز، وذلك بعد أن صدر قرار حزبي من رئيس الحزب الاشتراكي «وليد جنبلاط» بعدم التصدي للاجتياح.

 ويقول «الدكتور فارس أبي صعب» عن هذه الحادثة: «على الرغم من تدفق التبريرات حينها القائلة إن وليد جنبلاط يريد تجنيب القرى الدرزية عمليات تدمير واسعة يمكن أن تقوم «إسرائيل» بها، فإن الأيام والشهور التي تلت الاجتياح أظهرت أن السياسة التي ينتهجها الحزب التقدمي الاشتراكي بزعامة «وليد جنبلاط» هي على الأقل، سياسة غير معادية لإسرائيل. وقد جرت ترجمتها في أثناء حرب الجبل التي بادر إليها واتخذ قرارها بعض الرموز التقدمية الاشتراكية والوطنية الميدانية وليس «وليد جنبلاط» نفسه، بعمليات تنسيق أمني بين بعض مسؤولي الحزب التقدمي الاشتراكي وجيش «الدفاع» «الإسرائيلي».

كما ترجمت أيضًا بالزيارات التي كان يقوم بها بعض مسؤولي الحزب التقدمي الاشتراكي أو بعض الشخصيات الدرزية «لإسرائيل» بتكليف من «وليد جنبلاط» أحيانا.

علاقات الدروز الداخلية:

تميزت الطائفة الدرزية عبر علاقتها التاريخية بالطوائف الأخرى بوقوفها مع العنصر القوي في البلاد، ففيما تجد عامة أبناء الطائفة يميلون نحو أهل السنة في  لبنان، تجد البعض من زعمائهم يسايرون أصحاب النفوذ من الموارنة، كما حدث مع «كمال جنبلاط» الذي كان يعقد لقاءات سرية مع كثير من قادة الموارنة مثل الشيخ بشير الجميل رئيس الكتائب، والرئيس «كميل شمعون» زعيم «حزب الوطنيين الأحرار» والتي كانت تربطه به علاقة وطيدة سمحت بإبقاء الدروز والموارنة في دير القمر وجزين والمختارة في منأى عن المعارك التي طالت سائر المناطق اللبنانية.

ويملك زعماء الدروز قدرة كبيرة على التأثير بالوضع الداخلي في لبنان، مما رفع من شأن الطائفة، فهي مع قلة عددها، إلا أنها أكثر تأثيرا في الوضع السياسي من كثير من الطوائف الأخرى، فالزعيم «وليد جنبلاط» كان دائما رقما صعبا في المعادلة اللبنانية، وخاصة بعد اغتيال الرئيس الحريري، ويعود السبب في قوة الدروز إلى عوامل عدة منها:

  1.  تماسك دروز الداخل مع دروز الخارج في خدمة مصلحة الدروز العليا - وقد أسهم في ذلك انتشارهم في سورية ولبنان وفلسطين المحتلة حيث يشاركون في العمل السياسي في «إسرائيل»، وقد وجد بينهم وزير بلا وزارة في حكومة شارون السابقة «صالح طريف» والنائب المناضل في الكنيست «الإسرائيلي» «عزمي بشارة» الذي قدم استقالته مؤخرا احتجاجا على سياسة «إسرائيل» في الأراضي الفلسطينية المحتلة. إضافة إلى أن الدروز يشكلون جزءا من الجيش الإسرائيلي، وقد اتضح ذلك أثناء الاجتياح الإسرائيلي للبنان، حيث تبين أن بعض أفراد وقيادات ضباط الجيش الإسرائيلي كانوا من الدروز.

وقد أسهم هذا التلاحم بين أبناء الطائفة في تكوين «لوبي» قوي يحسب له حساب في كل دولة يقيمون بها. هذا يعني أن التعرض للدروز في لبنان لا يمر في سورية وفلسطين المحتلة بسهولة ويسر، وهذا الأمر يعطي لزعماء الدروز نوعا من الحرية في التحرك والكلام متيقنين من قدرتهم على تحريك الشارع الدرزي.

  1. تماسك دروز الداخل فيما بينهم، كما تفعل كل الأقليات، والتفافهم حول قادتهم إلى حدود التقديس. وهذه الصفة موجودة منذ القدم عند الدروز، فهم يلتصقون بقيادتهم التي تهتم بقضاياهم «وتتحمل مسؤولية الحفاظ على وجودهم وهويتهم ومصالحهم».

وفي هذا المعنى يطلق في لبنان مقولة مشهورة تفيد «أن الدروز ينتصرون في الحروب ويخسرون في السلم، ففي الحرب يقفون وقفة رجل واحد، لكنهم في السلم يعودون أهل طائفة صغيرة العدد محدودة الموارد».

  1. نزعتهم القتالية فهم أبناء جبال، قساة الطبائع شاركوا في حروب كثيرة مع السلطات القائمة أو ضدها، ومع شركاتهم في الوطن أو ضدهم.

الزعماء الدروز:

حكم الدروز جبل لبنان من القرن ۱۷ حتى ١٩م. وذلك خلال حكم الأسرتين المعنية والشهابية، وشهدت فترات الحكم الدرزي ازدهارا وأمنا جعلت زعماء الدروز المعاصرين يطمحون دوما إلى استعادة أمجادهم السابقة، ومن هؤلاء الزعيم الدرزي «كمال جنبلاط» الذي حاول أن يبني لبنان العدالة والمساواة على نسج «الأمير فخر الدين» قبل مقتله عام ١٩٧٧م.

ويتقاسم النفوذ في الطائفة الدرزية منذ القدم عائلتان هما «آل أرسلان» و«آل جنبلاط»، مع تفوق واضح لآل جنبلاط منذ بداية الانتداب الفرنسي على لبنان عام ١٩٢٠م وحتى اليوم.

حيث استقل الحزب التقدمي الاشتراكي أثناء الحرب الأهلية اللبنانية عن بقية المناطق اللبنانية، وأنشأ ما سمي بالإدارة المدنية، وهي إدارة بديلة عن إدارة الدولة اللبنانية لشؤون الجبل الدرزي، وعملت على مختلف الأصعدة السياسية والعسكرية والاقتصادية والاجتماعية التربوية. 

من أبرز زعمائهم التاريخيين.. الأشقاء شكيب وعادل ونسيب أرسلان، بين عامي ١٨٦٧-١٩٥٤م. وقد اشتهروا بالعمل السياسي والأدبي والجهادي ضد فرنسا. 

و«سلطان باشا الأطرش» الذي اشتهر أثناء الثورة السورية عام ١٩٢٥م. بمواقفه المناهضة لفرنسا، رغم وعودها له بمنحه دولة خاصة للدروز في الجبل. 

أما أبرز زعمائهم المعاصرين فهما «كمال جنبلاط» ثم ولده وليد الذي ورثه في الزعامة كما هي العادة في لبنان.

الزعيم كمال جنبلاط:

عمل «كمال جنبلاط» على الرفع من شأن طائفته، وكان مفكرًا اجتماعيًا لامعًا تبنى قضايا الفقراء وكان يلقب بـ «أبي المساكين» مما أمن له شعبية واسعة ليس فقط بين أبناء طائفته ولكن أيضًا على صعيد الوطن ككل. 

أسس «الحزب التقدمي الاشتراكي» عام ١٩٤٩م، مع الشيخ «عبد الله العلايلي» والكاتب «البير أديب» و«فريد جبران» و«فؤاد رزق» و«جورج حنا»، وكان هذا التنوع الطائفي تعبيرًا عن مواقفه السياسية المطالبة بالعلمنة وفصل الدين عن الدولة. وقد سعى بجد لتحقيق هذه الغاية، ويقول ابنه «وليد جنبلاط» عن أحلام أبيه: «كان يحلم والدي بأن يصبح رئيسا للجمهورية يرضى عنه الجميع».

في بداية الحرب الأهلية اللبنانية عام ١٩٧٥م، أسس مع «الحزب الشيوعي اللبناني» و«منظمة العمل الشيوعي» و«الحزب السوري القومي الاجتماعي» وبعض الأحزاب الناصرية والبعثية ما عرف بـ «الحركة الوطنية»، وقد تعاون مع هذه الحركة العديد من القوى الفلسطينية، وبعد اندلاع الحرب الأهلية أصبح جنبلاط رقما من أرقام المعادلة اللبنانية الصعبة؛ خاصة بعد أن تحالف مع المنظمات الفلسطينية التي كانت تحاول أن تحكم قبضتها على لبنان بزعامة ياسر عرفات رئيس حركة فتح.

 اغتيل «كمال جنبلاط» في ٣/١٦/ ۱۹۷۷م، في عهد الرئيس السوري حافظ الأسد، ويحمل وليد جنبلاط، اليوم مسؤولية قتل والده إلى الحزب الحاكم في دمشق آنذاك مصورًا الصراع بينه وبين السوريين على أنه في أحد جوانبه مسألة ثار لوالده «كمال جنبلاط».

وليد جنبلاط وزعامة الدروز:

هو زعيم الطائفة الدرزية حاليًا بلا منازع. ويتميز عن والده بأن هذا الأخير كان يعمل لطائفته وللشعب اللبناني كله، بينما يعمل هو على رفع شأن طائفته في الداخل والخارج. فعلى الصعيد الداخلي يسعى «وليد جنبلاط» إلى تحسين شروط مشاركة طائفته في السلطة كمطالبته في اتفاق الطائف بإنشاء مجلس للشيوخ يكون برئاسة الدروز، وهو في سبيل تحقيق زعامته الداخلية، يحاول منع ظهور أي شخصية درزية سياسية تنافسه السلطة في طائفته ومنطقته، وقد ردد مرارا مقولته المشهورة: «إن الشوف لا يتسع لقصرين». ولذلك نجده يحاول حصر «التمثيل البرلماني للدروز بجماعته والإمساك بمشيخة العقل وبالأوقاف الدرزية». 

أما على الصعيد الخارجي فلقد طرح نفسه «زعيما درزيا في بلاد الشام كلها عبر إطلاق دعوته الدروز لرفض التجنيد في صفوف جيش الكيان الصهيوني «۸% من الشباب الدرزي في فلسطين المحتلة يخدمون في الجيش الصهيوني»، وتبنيه المؤتمر التواصل القومي بعمان الذي عقد للدعوة لرفض الانخراط في الجيش «الإسرائيلي»، والذي استقبل فيه جنبلاط لدى انعقاد المؤتمر استقبال الأبطال».

يعرف وليد جنبلاط بعدم الثبات في مواقفه، وكان من بين هذه المواقف المتقلبة تأييده لسورية زمن الرئيس «حافظ الأسد» ثم تحوله إلى معاداتها زمن ابنه الرئيس بشار، متعاونا في ذلك مع القوى المسيحية المعادية لسورية وعلى رأسهم «البطريرك مار نصر الله بطرس صفير» و«العماد ميشال عون» «قبل أن يتحول إلى فريق موالاة سورية»، و«السيد سمير جعجع» المعروف بعمالته لـ «إسرائيل» خلال الحرب اللبنانية، والرئيس «أمين الجميل» الذي جعلته الدبابات الإسرائيلية رئيسا للبنان عام ۱۹۸۲م، كأخيه «بشير الجميل» الذي اغتيل في ١٤/٩/١٩٨٢م..

من أبرز مواقفه المتقلبة علاقته بالرئيس «رفيق الحريري»، ففيما «أعلن تكرارًا أنه يرفض كل سياسة الحريري وأنه لن يتوافق معه أبدًا»، عاد ليشكل معه ومع بعض الموارنة جبهة ثلاثية في مواجهة المد الشيعي لحزب الله على الجنوب اللبناني بدعم سوري إيراني واضح.

يعترض كثير من أهل السنة على هذا التقارب الجديد الذي تم بين الزعيم الدرزي وليد جنبلاط والنائب «سعد الحريري»، وهم يعتبرون أن جنبلاط بهذا التحالف يسيطر على قرارات أهل السنة تمامًا، كما فعل والده في أثناء توليه رئاسة الحركة الوطنية إبان الحرب الأهلية.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 14

114

الثلاثاء 16-يونيو-1970

مجتمعنا- العدد 14

نشر في العدد 342

84

الثلاثاء 22-مارس-1977

شريط الأخبار (342)