; العالم المجاهد...محمد أمين الشنقيطي (۱۲۹۳ - ١٣۵۱هـ / ١٨٧٦ - ١٩٣٢م) | مجلة المجتمع

العنوان العالم المجاهد...محمد أمين الشنقيطي (۱۲۹۳ - ١٣۵۱هـ / ١٨٧٦ - ١٩٣٢م)

الكاتب د. محمد بن موسى الشريف

تاريخ النشر السبت 23-مايو-2009

مشاهدات 63

نشر في العدد 1853

نشر في الصفحة 36

السبت 23-مايو-2009

  • نشأ في موريتانيا .. والتمس العلم في المغرب ومصر والحجاز والهند وعمان والبحرين.. وشارك في تأسيس الجمعية الخيرية في الكويت.
  • تردد على علماء مشهورين مثل: محمد عبده في مصر.. والتركزي الشنقيطي (ابن التلاميد) وكان مقيما في القاهرة.. وعيسى بن عكاس في الأحساء.
  • التقى علماء ومشايخ كثيرين خلال زياراتهم للكويت مثل: رشيد رضا وحافظ وهبة ومصطفى المنفلوطي وعبد العزيز الثعالبي.
  • حفلت حياته بأعمال جليلة جمعت بين العلم الشرعي والدعوة والجهاد والتوعية والوقوف في وجه «الاستخراب» البريطاني.

 كان لعلماء «شنقيط» (موريتانيا) صولات وجولات في العلم، لكن ربما لأن بلدهم بعيد جدًا فقد سقطوا من ذاكرة الأمة، رغم أن فيهم جهابذة كبارًا .. وحالهم هذا يشبه حال أهل اليمن، وقد ذكر الشوكاني أن علماء اليمن - على عظمتهم - قل من يعرفهم في مصر والشام والعراق وهذا لبعد بلادهم وعزلتهم فيها فإن كان هذا حال اليمن فكيف يكون حال «شنقيط» إذًا ؟!

ولد الشيخ محمد أمين الشنقيطي في موريتانيا، ونشأ في طلب العلم وحفظ القرآن العظيم والمنظومات العلمية كما ينشأ طلاب العلم في بلده لكنه توسع في دراسة الأدب والشعر الذي كان سائدًا في المنطقة آنذاك.

ولما بلغ من العمر خمسة وعشرين عامًا أي في سنة ( ١٣١٨ هـ) ذهب إلى المغرب لطلب العلم ودار في مدنها: الصويرة، ومراكش، والدار البيضاء، والرباط، ومنها كان ينوي الذهاب إلى فاس حاضرة العلم والعلماء في المغرب الأقصى، لكنه أصيب بالجدري ثم شفاه الله منه في العام نفسه، فتوجه إلى القاهرة، ووفد على الشيخ المشهور العلامة الموريتاني «محمد محمود التركزي الشنقيطي» المعروف به «ابن التلاميد»، فعني به وأخذه إلى مفتي الديار المصرية آنذاك الشيخ محمد عبده فعني به أيضًا، وكتب له كتابًا إلى محافظ السويس ليركبه إلى جدة، فأدى العمرة في أواخر المحرم سنة ١٣١٩هـ. ثم توجه إلى المدينة ليصاب بحمى ثقيلة لمدة سنتين لكنها لم تمنعه من التردد على العلماء ودروسهم.

وبقي في الحجاز بين مكة والمدينة إلى سنة ١٣٢٦هـ / ١٩٠٨م؛ وذلك لأنه قد بلغه استيلاء الفرنسيين على بلاده فلم يشأ أن يبقى تحت العبودية، ثم سافر إلى الهند، ثم إلى عمان فالبحرين، ثم الأحساء وقرأ هناك على شيخها عيسى ابن عکاس.

سفره إلى العراق

وفي صفر سنة ١٣٢٧ هـ / ١٩٠٩م جاءته رسالة من أحد مشايخه يطلب منه أن يتوجه إلى الزبير في العراق ليدرس في مدرسة بناها مزعل باشا السعدون، فلم يجد بدا من الذهاب فلما وصل الزبير وجد أن مزعل باشا قد مات، وقد عين أوصياؤه رجلاً مغربيًا مدرسًا في المدرسة، فهم بالرجوع فطلب إليه بعض الطلبة أن يعقد لهم دروسًا ففعل فأعجب به كل من سمعه حتى أنهم رجوه أن يبقى بينهم فاستجاب لهم وبقي بينهم ورأوا أن يقيدوه فزوجوه فتاة يتيمة فكانت أم أولاده السبعة.

وقام في البصرة يعظ بأسلوب قوي وجريء يحارب فيه الأوهام والبدع والخرافات، وينعي على العلماء جمودهم وتقصيرهم، وعلى الدولة العثمانية تعطيلها للحدود الروادع وإقرارها للفواحش وهذا والله أعلم لأنه كان يدير الدولة العثمانية آنذاك جمعية الاتحاد والترقي الماسونية وكل هذا أثار عليه بعض المشايخ الذين حسدوه ورفعوا إلى مدير الناحية أمره وأنه يجب إبعاده لأنه يحرض العوام على الدولة العثمانية ويقلل من شأنها وهيبتها في النفوس، لكن كان المدير عاقلاً عالمًا بسبب الحملة هذه على الشيخ فذهب إلى الشيخ محمد ابن عوجان إمام مسجد الباطن وكان تقيًا ورعًا، فسأله عن الشيخ الشنقيطي فأثنى عليه وبين أنه لا يقصد في وعظه إلا الخير، وأنه قد حصل به خير كثير لأهالي الزبير فاقتنع مدير الناحية وكف عنه.

سنوات في الكويت

وبقي الشنقيطي يدعو إلى الله تعالى ويجتهد في نشر الخير إلى سنة ١٣٣١هـ / ١٩١٣م: حيث دعي إلى الكويت ليشارك في الجمعية الخيرية التي أنشأها مجموعة من أهل الكويت وكان الغرض منها إعداد طلاب العلم في البلاد العربية المتفوقة علميا آنذاك مثل القاهرة ودمشق وبيروت، والإنفاق عليهم حتى يعودوا ولها أغراض خيرية متنوعة، وقد أسهمت هذه الجمعية في تحريك المجتمع الكويتي آنذاك ودفعه إلى نهضة فكرية وعلمية وأدبية، فقد دعت إلى الكويت مشايخ كثيرين مثل محمد رشيد رضا، وحافظ وهية، ومصطفى لطفي المنفلوطي، وعبد العزيز الثعالبي التونسي وغيرهم.

-وظل الشيخ الشنقيطي في الكويت يعظ ويدرس إلى أن أصبحت الحرب العالمية الأولى على الأبواب، وكاد الشيخ الشنقيطي ان يعتقل إثر أحداث جرت هناك، فهرب إلى الزبير تاركًا زوجته وأولاده ست سنوات !!

ولما وصل البصرة راح يدعو للجهاد في سبيل الله ضد الإنجليز الكفرة، ولم يكتف بهذا بل شارك في القتال بنفسه في معركة الشعيبة، وهي قرية تبعد عن البصرة عشرة أميال وعن الزبير ميلين، وقصة هذه المعركة كالتالي:

وردت برقية من البصرة لمختلف المدن العراقية جاء فيها : «ثغر البصرة الكفار محيطون به الجميع تحت السلاح، نخشى على باقي بلاد الإسلام، ساعدونا بأمر العشائر بالدفاع»، وتليت البرقية على الناس، وصار الوعاظ والخطباء يلهبون الحماس ويثيرون المشاعر الدينية، وأن الإنجليز إذا احتلوا العراق فإنهم سيهدمون المساجد، ويحرقون القرآن، وينتهكون حرمات النساء.

وساد العراق كله حركة جهادية جليلة خاصة عندما أفتى شيخ الإسلام في الدولة العثمانية آنذاك «خيري أفندي» أن الجهاد قد أصبح فرض عين على جميع المسلمين والتحم المسلمون بالإنجليز في الشعيبة ثلاثة أيام أظهر فيها المسلمون شجاعة هائلة وحماسًا عظيمًا، وكان الهنود المسلمون جنودًا في الجيش البريطاني !! فأثرت فيهم دعوات الجهاد، فكان الإنجليز ينخزونهم بالسيوف والحراب ليخرجوهم لقتال المسلمين.

وانتهت المعركة بانتصار الإنجليز المتفوقين عسكريًا، ومن ثم انتقل الشنقيطي إلى بغداد لمدة أربعة أشهر، ومنها إلى حائل التي مكث فيها قليلا يدرس، ثم توجه إلى عنيزة واجتمع بالملك عبد العزيز هناك واستضافه آل البسام مدة كتب فيها مذكراته.

جمعية ومدرسة «النجاة»

ثم إن الشيخ أحمد الجابر الصباح أراد الحج فعرج على عنيزة واقترح على الشيخ الشنقيطي أن يرافقه إلى الحج، فوافق الشيخ وأكرم الشريف حسين مثواهما في مكة، ثم عاد إلى عنيزة وبقي فيها سنتين يدرس ويعظ، ثم عاد إلى الكويت ليرى أسرته التي تركها ست سنوات.

وتوجه الشيخ إلى الزبير ثم لحقت به أسرته بعد ذلك، وأخذ في وعظ الناس وإرشادهم، ودعاهم إلى إنشاء المدارس فاستجاب له نفر من الزبيريين وأنشؤوا جمعية النجاة سنة ١٣٣٩هـ / ١٩٢٠م، ثم «مدرسة النجاة سنة ١٣٤٢هـ / ١٩٢٣م، وقد تفوقت هذه المدرسة على مثيلاتها وصار لها أثر وشأن جليل، وبلغ عدد طلابها سنة ١٣٦٦هـ / ١٩٤٧م أربعة آلاف طالب منذ تأسيسها .

ولما أسست المدرسة، سأله أحد وجهاء العراق عن رأيه في افتتاح مدرسة للبنات فبين الشيخ أهمية هذا الأمر، لكن الحسدة لم يرضوا إلا أن يؤذوه بهذه الفتوى فهيجوا عليه العامة بدعوى أنه يريد إشاعة الاختلاط بين الرجال والنساء وفاجأه أحد العوام بعد العشاء فضربه بعضا ضربًا مبرحًا، لكن أنقذه بعض الحاضرين، وأخذ الرجل للسجن، وانتشر الخبر في العراق والكويت والخليج، ووردت البرقيات المنددة بهذا الصنيع الآثم، ولما خرج المعتدي من السجن جفاه الناس وعضه الجوع بنابه حتى جاء باكيا إلى الشيخ تائبا معتذرا فواساه الشيخ بطعام من حانوت يتعامل معه، وكان الشيخ بهذا مطبقا لقوله تعالي ﴿... وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (134)﴾(سورة آل عمران: الآية134).

مع الشيخ أحمد الجابر

ولما صار الشيخ أحمد الجابر الصباح أميرًا للكويت - وكان صديقا للشنقيطي جاءته دعوة من النادي الأدبي في الكويت سنة ١٣٤٣هـ / ١٩٢٤م فلباها مسرورًا واستقبل استقبالاً حافلاً، وأقيمت له حفلة تكريم رائعة، أنسته ما لاقاه من قبل، وعاش أيامًا سعيدة في الكويت.

ثم إنه عاد إلى الزبير ليشرف على المدرسة التي أسسها هو وثلة من وجهاء الزبير، وكان يعمل كل ما في وسعه من أجل إنجاح مقاصد المدرسة ورعاية طلابها - وجلب التبرعات لها من المحسنين - في العراق والكويت، وسار على هذه السيرة حتى صار خريجو المدرسة منتشرين في الزبير والبصرة والكويت وبغداد وغيرها، وصار منهم الأطباء والمحامون والعسكريون والمربون والشعراء والوعاظ والمعلمون، وثبت الشيخ الشنقيطي - رحمه الله تعالى على عطائه وبذله حتى لقي الله تعالى سنة ١٣٥١هـ / ۱۹۳۲م، ودفن في مقبرة الحسن البصري رحمه الله تعالى.

تلك كانت حياة هذا الشيخ الذي جمع بين أعمال كثيرة جليلة : تعليم العلم الشرعي الدعوة إلى الله تعالى، الجهاد في سبيل الله تعالى، التوعية في زمن الجهل الوقوف في وجه الظلمة، مقارعة «الاستخراب» البريطاني، وغير ذلك من أعمال جليلة تحمّل في سبيلها الغربة عن وطنه، والبعد عن أهله وشظف العيش وشدته، وتجهم الأقارب والأباعد والازدراء والاستخفاف... وكل ذلك في زمن الخوف والاضطراب أيام الحرب العالمية الأولى وانتشار الفوضى في كل مكان فرضي بما هنالك، وثبت ثباتا عجيبا حتى أتاه اليقين، وهذا هو المرجو من ورثة سيد المرسلين وإمام المتقين، وذلك هو الطريق الذي لا مناص منه ولا محيد عنه فرحمه الله رحمة واسعة، ورفع درجته في عليين. 

الرابط المختصر :