; من الهيئة الخيرية الإسلامية العالمية إلى مؤتمر القمة الإسلامي الخامس | مجلة المجتمع

العنوان من الهيئة الخيرية الإسلامية العالمية إلى مؤتمر القمة الإسلامي الخامس

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 27-يناير-1987

مشاهدات 83

نشر في العدد 802

نشر في الصفحة 24

الثلاثاء 27-يناير-1987

الحمد لله، نستعينه ونستهديه، ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، ونصلي ونسلم على أفضل خلقه رسولنا وقائدنا محمد، صلى الله عليه وسلم، وعلى آله وصحبه، ومن اتبع هداه إلى يوم الدين وبعد:

يصف الله- سبحانه- الأمة الإسلامية بالخير المطلق حين تواجه مسؤولياتها بأمانة، وتوفي ما ألزمها الله به من مهام: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (آل عمران:110)، وينعتها- سبحانه- بالوسطية والفضل والشهادة على الناس إذا آمنت وأحسنت العمل ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ (البقرة:143).

ويجعل الله- جل وعلا- التقاء المسلمين وارتباطهم واعتصامهم بحبله، والتزامهم سبيله ضامنًا لألفة القلوب وتحقق المصالح بينهم: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ (آل عمران: 103)، ويصف الرسول الكريم- صلوات الله وسلامه عليه- الأمة الإسلامية بالكائن الحي والجسد الواحد «مثل المسلمين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر».. وحذر- صلوات الله وسلامه عليه- أمته من أن تصبح كغثاء السيل.. كثيرة بلا فاعلية، وإمكانات بلا تأثير، فتتكالب عليها سائر الأمم كما يتكاثر الأكلة إلى قصعتها.. ويحيط بها الطامعون والحاقدون من كل مكان، وأوضح- عليه الصلاة والسلام- الفلاح بالاعتصام بكتاب الله- سبحانه- وسنة رسوله.

فدور الأمة الإسلامية كما حددها الله واضح، ومكانتها عالية، ومسؤوليتها كبيرة، وعزتها مطلوبة، ومتطلبات الوصول إلى هذه المكانة والريادة ليست بخافية أو مبهمة، فأين الأمة الإسلامية من هذه المكانة ومن هذه المتطلبات؟ وما المشكلات والأوضاع التي تثقل كاهل هذه الأمة، وتبعد بها عن مكانتها المقررة لها؟ وكذلك ما الوسائل والحلول التي تعالج هذه المشكلات والسلبيات؟ إن الأمانة تتطلب من أهل الرأي والاختصاص من الرعية إعانة أولي الأمر، وتقديم الرأي والمشورة، والتعاون الجاد والمتجرد، ليس فقط في عرض وتحليل المشكلات، ولكن أيضًا في اقتراح الحلول وتقديم الاقتراحات.

ولا شك أن اجتماع أولي الأمر في الأمة الإسلامية- من ملوك وأمراء ورؤساء- في المؤتمر الإسلامي الخامس في الكويت، يعتبر فرصة مواتية لتدارس أمراض ومشاكل الأمة، ومحاولة إيجاد الحلول لها.

وإدراكًا من الهيئة الخيرية الإسلامية العالمية لأهمية هذه المناسبة، واجتماع من بيدهم مقاليد هذه الأمة، وتقديرًا لجسامة المسئولية الملقاة على عاتقهم، وخطورة الفترة والأحداث التي تمر بها الأمة الإسلامية في الوقت الحاضر، مما قد يتعذر في المستقبل تدارك ما لا يتم إنجازه الآن؛ فإننا نستعرض واقع ومشكلات الأمة الإسلامية بإيجاز شدید، ونعرض بعض الحلول والاقتراحات التي قد تكون معروضة في دراسات مسهبة وتفصيلية على مؤتمر القمة الإسلامي الخامس، ولكن الذكرى تنفع المؤمنين..

أولًا: المشكلات الحربية والجهادية

1- الحرب العراقية الإيرانية والحرب الأهلية في لبنان وتشاد والصحراء الغربية:

نهيب بالدولتين المسلمتين إيران والعراق، والأطراف المتقاتلة في تشاد والصحراء الغربية حقن دماء المسلمين، ووقف التدمير والتخريب في كلتا الدولتين، ونطالب مؤتمر القمة بوضع شروط إنهاء هذه الحروب بالعدل، منفذين قول الله سبحانه وتعالى: ﴿إِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ۖ فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّهِ ۚ فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا ۖ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (الحجرات:9). فإن لم يقبل أحد طرفي النزاع، فلابد من اتخاذ إجراءات تجبره على إنهاء النزاع؛ لأن الحفاظ على دماء وأموال وأعراض المسلمين أمانة في أعناق المسلمين جميعًا، هذا مع ضرورة وضع كلام وتخصيص الأجهزة وبلورة الأساليب التي يتم اتخاذها لفض المنازعات والاشتباكات فور حدوثها بين الدول الإسلامية قبل استفحال شرها.

2- الجهاد الفلسطيني واللبناني:

لقد بدأت المؤامرة الكبرى بتشريد شعب فلسطين من أرضه، والآن أضيف إلى ذلك الشعب اللبناني وخاصة المسلمين منهم، وإن لم يتضامن المسلمون جميعًا مع إخوانهم لاسترداد حقوقهم وحمايتهم، لامتدت المؤامرة إلى سائر الدول الإسلامية دولة بعد أخرى، فالمطلوب من ولاة أمور المسلمين الاتفاق على الوسائل والإمكانات أولًا لمساعدة منكوبي هذه المؤامرة بالغذاء والكساء والمأوى، وثانيًا بدعم ومساندة المجاهدين عسكريًا وسياسيًا، وثالثًا حل مشاكل الإقامة والتنقل والتعليم والعمل للذين تم تشريدهم من أراضيهم ووطنهم.

3- المسجد الأقصى والمقدسات الإسلامية:

مازال المسجد الأقصى أولى القبلتين وثالث الحرمين يتعرض للعدوان والتهديد، والمقدسات الإسلامية المختلفة تتعرض للهدم والامتهان في فلسطين المحتلة، مما يثير مشاعر المسلمين في كل مكان.. والقمة الإسلامية الخامسة مدعوة لاتخاذ ما يلزم لإيقاف هذه الاعتداءات، وضمان سلامة المسجد الأقصى وسائر المقدسات الإسلامية.

4- الجهاد الأفغاني:

الحرب الضارية والإرهاب المروع الذي تعرض إليه شعب أفغانستان لأكثر من سبع سنوات، وملايين الشهداء والجرحى واللاجئين والمشردين، وتخريب المزارع والمدن لسلب هذا الشعب المجاهد هويته وعقيدته، كما حدث مع بعض الدول الإسلامية السابقة، يتطلب من قادة الدول الإسلامية مساعدة الأفغان، ليس فقط من منطلق الأخوة والرابطة الإسلامية، ولكن أيضًا من منطلق الدفاع عن النفس، حيث تمثل الجبهة الأفغانية خط الدفاع الأول الشرقي للعالم الإسلامي.. والمطلوب من المؤتمر وضع أسس ثابتة للوقوف مع هذا الشعب البطل، ومده باحتياجات المعيشة للاجئين والمشردين، ومعدات الدفاع وتجهيزاته للمجاهدين الصامدين، ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ. الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾ (الحج:39-40).

ثانيًا: حماية الأقليات الإسلامية

تتعرض الأقليات الإسلامية في كثير من البلاد والدول لحروب إبادة وإجراءات إرهاب، كما يحدث في الفلبين، وتايلاند، والهند، وكمبوديا، وبلغاريا، وأثيوبيا، وغير ذلك من الدول.

وإذا كانت الأقليات غير الإسلامية في البلاد الإسلامية لا تتمتع فقط بالحياة الكريمة والمساواة، بل إنها تحاول أن تفرض آراءها على الأغلبية المسلمة، وتطالب بحق الاعتراض أو الفيتو على توجهات الأغلبية وقراراتها.. فإننا لا نطالب للأقليات المسلمة بذلك، وإنما نطالب فقط بحقها في الحياة وحرية العقيدة.

وعلى قادة الدول الإسلامية وضع المعايير والضوابط التي يمكن أن تشجع الدول غير الإسلامية على احترام الأقليات الإسلامية فيها، وإتاحة فرص الحياة الكريمة لهم شأن سائر فئات مجتمعات دولهم.

ثالثًا: المشكلات الاقتصادية

تضع الإحصاءات الدولية معظم الدول الإسلامية ضمن أفقر دول العالم وأصغرها دخلًا للفرد، وأضعفها إنتاجًا، وأقلها تعليمًا، وأكثرها تعرضًا للمجاعات والأوبئة الناتجة عنها.

ولعله لم تتجمع المتناقضات في المجال الاقتصادي كما تجمعت في الدول الإسلامية، فالمشاكل الاقتصادية تنتج من قلة رؤوس الأموال، وهي- والحمد لله- في العالم الإسلامي متوافرة.. وكذلك تنتج من قلة الموارد الطبيعية، والدول الإسلامية أغنى البلاد بالموارد الأولية من بترول وطاقة وحديد وذهب ويورانيوم، وسائر المعادن النادرة، وكذلك الموارد الزراعية الأخرى.. وتكون قلة العمالة سببًا أيضًا في المشاكل الاقتصادية.. والعالم الإسلامي يناهز البليون نسمة، والبطالة في بعض الدول الإسلامية تهدد بمشاكل اجتماعية خطيرة، ونقص الأخصائيين والعلماء يعتبر من مكونات المشكلات الاقتصادية.. والعلماء والأخصائيون المسلمون يعملون في الدول غير الإسلامية بعشرات الألوف في كافة التخصصات، لعدم استفادة دولهم منهم، أو إتاحة الفرصة لاستخدام خبراتهم وإمكاناتهم فيها.

فكل عوامل النمو الاقتصادي لا تتوافر في أي منطقة كما تتوافر في الدول الإسلامية مجتمعة، ولا يبقى إلا وضع الخطط الكفيلة باستثمار هذه الإمكانات بما يسهم في ازدهارها اقتصاديًا لصالح الجميع.

كما نناشد القمة الإسلامية تكوين الأجهزة وإنشاء المؤسسات الكفيلة باستثمار إمكانات الدول الإسلامية اقتصاديًا، وتفجير طاقاتها الإنتاجية لنقل هذه الأمة المستضعفة والمستغلة للاعتماد على النفس بعد الله، وتوفير احتياجات استهلاكها على الأقل إن لم يكن احتياجات غيرها من الأمم الأخرى

ولعل الاعتماد على مصادر الدول الإسلامية فيما بينها بإنشاء سوق إسلامية مشتركة، ومؤسسات استثمارية مشتركة، ومشروعات مبنية على خطط وأولويات لتوفير المواد الاستراتيجية الغذائية وغير الغذائية، يكون بداية مشجعة في الطريق الصحيح، صحيح أن هناك مشاكل كثيرة في التطبيق؛ ولكن مهمة العلماء والمختصين هي إيجاد الحلول لما يعرض من مشكلات وتذليلها.

رابعًا: مؤامرة صرف المسلمين عن دينهم

المحاولات المحمومة والخطط الموضوعة والأموال الطائلة المرصودة، والجهود الضخمة المبذولة من دول ومؤسسات دينية وسياسية معادية للإسلام بقصد تحويل المسلمين عن دينهم، مستخدمين كافة أساليب الترغيب والترهيب، متسترين خلف واجهات ناعمة خادعة، ومستغلين كل الثغرات في دول العالم الإسلامي، ومجتمعات الأقليات الإسلامية، ومتعدين كل حدود التسامح الإسلامي الذي يسود الدول والمجتمعات الإسلامية..

وما يجري في إفريقيا وآسيا وغيرها، سيتطلب من أولي الأمر المسلمين ممثلين في مؤتمر القمة الخامس الإسلامية، باتخاذ ما يكفل إيقاف هذه الحملات المعتدية، وحماية عقيدة مواطنيهم بالوسائل المباشرة وغير المباشرة.

خامسًا: المشاكل الاجتماعية والثقافية والتشريعية

مشاكل الفرقة والانفصال والتصارع بين الدول الإسلامية ساهم في إيجادها ويؤكدها اختلاف الثقافات والنظم التعليمية، واللغات، وسائر التشريعات، ومن نتائج ذلك انفصال أسس ومنابع هذه التشريعات والنظم عن النبع الإسلامي الصافي، ولو توحدت المناهج التعليمية والتشريعات الاجتماعية والإجرائية عمومًا على الأسس الإسلامية الربانية الصحيحة، وتوجت بتشجيع نشر اللغة العربية في سائر الدول الإسلامية، لكان في ذلك صلاح هذه الأمة، ووحدتها بمصالحة ربها وولاء مواطنيها.. وقد ضمن ذلك رسول الله- صلى الله عليه وسلم- حين قال: «تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا أبدًا، كتاب الله وسنتي».

وقادة الأمة الإسلامية مدعوون في قمتهم الخامسة لاتخاذ ما يكفل تحقيق ذلك، وإتمام المصالحة بين هذه الأمة وخالقها.

سادسًا: القيام بواجب الدعوة والهداية

يحدد الله- سبحانه- خير هذه الأمة في إيمانها، وتبليغ نور الهداية إلى العالمين ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (آل عمران:110)، فمن واجبات هذه الأمة إيصال دعوة الحق إلى الناس كافة بالحكمة والموعظة الحسنة، لا يبتغون بين ذلك إلا وجه الله وخير الناس.

وقادة الدول الإسلامية مدعوون لدعم جهود الدعوة الإسلامية ومؤسساتها الرسمية والشعبية وتسهيل أنشطتها.

والهيئة الخيرية الإسلامية العالمية تدعو الله- سبحانه- أن يوفق قادة المسلمين في مساعيهم الخيرة، وأن يتوج مؤتمرهم بما يكفل لهذه الأمة وحدة الصف، واتفاق الكلمة، وخير المسلمين، آملين أن تترجم قرارات مؤتمرهم الخامس إلى خطط وأعمال تضع أقدام الأمة الإسلامية على الطريق الصحيح.

﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ (الروم: 4- 5).

الرابط المختصر :