العنوان الحضارة الإسلامية بين أسباب التدهور وعوامل النهوض (۲).. العوامل الداخلية لتأخر المسلمين
الكاتب إبراهيم غانم
تاريخ النشر السبت 10-مايو-2003
مشاهدات 62
نشر في العدد 1550
نشر في الصفحة 66
السبت 10-مايو-2003
في سياق تتبعنا لحركة التاريخ يلفت نظرنا ما يمكن تسميته «دور المفسدين في تخريب الحضارات»، وقد نال هذا الدور اهتمام القرآن وأحاديث الرسول -صلى الله عليه وسلم-، حيث نجد التأكيد الدائم على إدانة هؤلاء المفسدين من الظالمين والمستبدين والجهال وأدعياء العلم والمغالين.
ويمكن القول إن قضية الانحطاط الحضاري يجب النظر إليها في إطار ارتباطها بسنن كونية صارمة، منها ما ورد النص عليه في القرآن الكريم، ومنها ما أكدته حوادث التاريخ، إلا أن ذلك لا يعني عدم بحث القضية من منظور اجتماعي سياسي، لمعرفة كيف حدث الانحطاط من خلال الممارسات العلمية اجتماعيًا وسياسيًا حتى فقد المسلمون مركز السيادة، وانتقلت قيادة البشرية إلى الغرب، وذلك كمحصلة لمجموعة من عوامل الضعف والانهيار من داخل المجتمع ومن خارجه.
تشمل عوامل الضعف والانهيار النواحي الاجتماعية والسياسية والفكرية، وقد تجسدت المحصلة النهائية التي أدت إليها تلك العوامل في حقيقة واقع الانحطاط تلك، الحقيقة تجسدت مرتين في حياة الأمة الإسلامية: كانت الأولى في القرن السادس الهجري عندما تم تمزيق كيان الأمة والقضاء على الدولة الإسلامية المركزية بأيدي التتار، وكانت الثانية في القرن الرابع عشر الهجري، عندما سقطت البلدان الإسلامية واحدة تلو الأخرى تحت هيمنة الاستعمار الأوروبي، وفي المرتين كانت عوامل التحلل والانحطاط قد تسللت إلى كيان الأمة وتركت وراءها أممًا مبعثرة ودويلات صغيرة تتوق إلى الوحدة وتتوثب إلى النهوض، لكنها لا تقدر على ذلك بسبب المنازعات والحروب الداخلية. وفيما يلي بيان رؤيتنا لمختلف العوامل الداخلية التي أدت إلى الانحطاط:
1 - العوامل الاجتماعية: وهي عبارة عن مجموعة من الممارسات والسلوكيات التي أدت إلى انقلاب في أوضاع القيم التي قام عليها المجتمع الإسلامي، وقد تمثلت مقدمات هذا الانقلاب في ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وترك التواصي بالحق والصبر، وإهمال التناصح وفساد العرف العام، فاضطربت موازين الحسن والقبح في الأمة، وفي ظل تلك الظروف حدث الانقلاب، وانهار البناء الاجتماعي (1).
وفي تحليل عوامل الضعف في المجتمع يمكننا الانطلاق من قول الله تعالى ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ (الإسراء: 16)
ويرى ابن خلدون أن ظواهر الانغماس في «الترف» و«طغيان النساء» و«فسق الشباب»، تلك الظواهر هي نتيجة لترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والابتعاد عن المبادئ والقيم التي حض عليها الإسلام، وحذر من التهاون فيها.
وثمة علاقة بين شيوع عناصر التحلل وتداعيات نتائجها في المجتمع، وبين أن يصبح هذا المجتمع عرضة للوقوع تحت هيمنة قوى أجنبية متسلطة فيظهر من ثم «الاستعمار»، وهذه العلاقة هي التي عناها مالك بن نبي فيما بعد، بما أسماه «القابلية للاستعمار» حيث يصير الاستعمار في تلك الحالة «ضرورة تاريخية» (2).
ولكن من المسؤول عن بدء سريان عوامل التحلل والضعف الاجتماعي في كيان الأمة؟ يرى البعض أن طغيان النساء هو الشرارة الأولى التي تفسد الحياة الاجتماعية للأمة (3)، ويحدد ما يعنيه بطغيانهن فيقول: «إذا جاوزت المرأة الحدود التي حدها لها الدين، وخرجت على قانون الطبيعة، وخالفت وظيفتها في الحياة وتناهت في التزين والتبرج (...) ودانت بالإباحية والتهتك، كان ذلك أول مؤذن بدبيب الفساد إلى صميم الأمة القوية" (4)، كما قال الإمام البنا -يرحمه الله-.
وطغيان النساء سبب للفساد، من منظور أن الطغيان في أي شيء يمكن أن يؤدي إلى الانحلال، لكننا نميل إلى اعتبار ما ذكره البنا عن طغيان النساء وتجاوزهن وظيفتهن في الحياة مظهرًا من مظاهر الانحطاط والتدهور في حياة الأمة أكثر من كونه سببًا من أسبابه، فضلًا عن أن يكون أول بداية للفساد في صميم «الأمة القوية»، وذلك لسببين على الأقل: الأول هو أن ما ذكره لا ينطبق على ما حدث للأمة الإسلامية في الماضي وهي قوية، إذ من الأرجح أن تكون جرثومة الفساد السياسي واستبداد الحكم هي أصل كل فساد جرى بعد ذلك في المجتمع، والثاني هو أن ما ذكره لا ينطبق على واقع الأمة في العصور الحديثة، حيث كانت قد وصلت بالفعل إلى أدنى درجات الضعف والاستكانة، كما أن أوضاع المرأة كانت في غاية السوء، الأمر الذي دعا أنصار التغرب والاقتداء بأوروبا إلى المناداة بتحرير المرأة ومنحها حقوقها ومساواتها بالرجل... إلخ.
والحق أنه لا يمكن فهم العبارات السابقة عن المرأة ودورها ، إذا طغت بالمعنى المشار إليه في إفساد الحياة الاجتماعية، بعيدًا عن سياق الجدل الفكري وخصائص المرحلة التي هيمن فيها الاستعمار الأوروبي على العالم الإسلامي خلال القرنين الماضيين؛ إذ كان الصراع دائرًا على أشده خلال العشرينيات والثلاثينيات من القرن العشرين حول ما كان يسمى «القديم والجديد»، وإلحاح أنصار الجديد في الدعوة لخروج المرأة ومشاركتها للرجل في العمل، مشاركة الند للند في كل الأعمال بلا تمييز، ونبذ الحجاب والاقتداء بالمرأة الغربية في كل شيء، كجزء من التوجه العام لدعاة التغرب أو «الفرنجة»، وكان لابد -في ظل هذا المناخ- من التحذير من مخاطر التوجه نحو الغرب لاعتبارات كثيرة منها ما يتعلق بقضية الاستقلال، ومنها ما يتعلق بالهوية الإسلامية والحرص على عدم الذوبان في نمط الحياة الغربية.
الهوامش
انظر وقارن هذه النتيجة التي تؤدي إليها رؤية البنا مع ما يصل إليه مالك بن نبي، وجهة العالم الإسلامي، م س ذ ص ۲۹- ۳۰.
انظر مالك بن نبي وجهة العالم الإسلامي، ص ١٨. ٩٩، وتكاد رؤيته تتفق تمامًا مع ما ذكره البنا، والسبب الأساسي في هذا الاتفاق هو صدور البنا وابن نبي عن مصدر واحد وهو القرآن وما نص عليه من سنن كونية مطردة.
حسن البناء من أعلام النبوة، ج. ا. م. س. ۲۱۲۱۳ ربيع الثاني ١٣٥٣هـ.
المقال السابق نفسه.