العنوان متي يفيق العرب من سباتهم العميق
الكاتب صلاح رشيد
تاريخ النشر السبت 22-ديسمبر-2001
مشاهدات 68
نشر في العدد 1481
نشر في الصفحة 38
السبت 22-ديسمبر-2001
د. نعمات فؤاد تجدد إثارة السؤال القديم:
نعيش حرب حضارات.. وعلينا أن نتوقف عن الحوار الحضاري مع الآخر إذا لم يحقق هدفه
أحداث العالم تسير- حولنا- من سيئ إلى أسوا من خلال سيناريو الحرب ضد الإرهاب المعلنة على أفغانستان بلا دليل يؤيد، وبرغم فظاعة العمليات التي تجري على الأراضي الأفغانية وسقوط القتلى والجرحى من المدنيين ومن الأطفال والشيوخ والنساء، ورغم الدمار الشامل فإن ما يثير الأسى في النفس ألا نجد تنديدًا أو موقفًا إزاء ما جرى ويجري فمتى يتوحد العرب والمسلمون وتكون مواقفهم على مستوى الأحداث والمسؤولية ومتى يفيقون من سباتهم ويواجهون واقعهم المر؟ وكيف نغير الصورة المشوهة للإسلام؟ وما السبيل لكي نعيد إلى الإسلام صورته الصحيحة النقية؟ طرحنا هذه الأسئلة على الدكتورة نعمات أحمد فؤاد- المفكرة والكاتبة المعروفة- فكان هذا الحوار:
- كيف تبدو صورة ما يتم حاليًا من حرب تشنها واشنطن في تحالف دولي لمقاومة الإرهاب ضد أفغانستان في مخيلتكم؟ وما أسباب توجيه الافتراءات للإسلام والعرب؟
- إن الأحداث المتسارعة على الصعيد العالمي، والتي تقع بين ظهرانينا وتصيب إخواننا في أفغانستان وقد تصيب شعوبًا أخرى مسلمة بلا جريرة تدل على أن الإرهاب أصبح كلمة سحرية، يحل من خلالها قادة واشنطن مشكلاتهم الداخلية التي فشلوا في إيجاد أي حلول لها، الولايات المتحدة لم تنجح في تحديد المديرين الأصليين لهذه العمليات، لكنها لم تشأ أن تقف عاجزة مشلولة أمام الرأي العام الأمريكي، لذلك فتشت في دفاترها القديمة وروجت لافتراءات غير مقرونة بأدلة وهكذا خرجت سيناريوهات استخباراتية أمريكية جاهزة، كلها تتهم الإسلام والمسلمين بالإرهاب.
ونسي هؤلاء أن واشنطن والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي قد غضوا الطرف عن جرائم الكيان الصهيوني داخل فلسطين وكأن إرهابه ليس إرهابًا، أو أنه إرهاب يحظى باحترام واشنطن والأمم المتحدة، أما المقاومة المشروعة ضد الاحتلال ومحاولة الشعوب تحرير أوطانها، فهو عين الإرهاب مثلما نراه حاليًا، بعد أن تداخلت المفاهيم، وأصبح الصواب خطأ والخطأ صوابًا.
ومن هنا أتصور أن واشنطن تسعى لتوسيع مجال الحرب لتشمل دولًا وقوى إسلامية وعربية أخرى مراعاة لمصالح تل أبيب ولتحقيق التوازن النوعي والعسكري بينها وبين جيرانها العرب والمسلمين.
- إذًا هل توافقين الرأي الذي يقول: إن الحرب الحالية حرب حضارات؟
- هذا صحيح، إن أخذنا بجدية وبقراءة واعية ما كتبه صمويل هنتنجتون وإصراره المحير على أن العدو الأول للغرب هو الإسلام وأن الحضارات الغربية ستواجه ندًا قويًا هو الإسلام، لذلك أهتم الساسة الغربيون بكتاباته وعمدوا إلى تطبيقها، وها هو السيناريو يتم تصويره داخل الأراضي الإسلامية بإتقان وشراسة لا نظير لهما، أما نحن فقد قرأنا كتابات هنتنجتون ولم نحفل بها، بل على العكس تناسينا هذه الآراء ولم نصدقها، ولم نعقد جلسات رسمية لتحليلها واستكشاف كنهها، أو حتى الرد عليها، كل ما هنالك أننا أكتفينا باعتبارها مجرد رأي اجتهادي لا يعبر عن المؤسسة الرسمية في الغرب، إلى أن وقعت هذه الحرب الحضارية، ساعتها استرجعنا مخزوننا الثقافي، وصدقنا ما قاله هنتنجتون قبل عشر سنوات.
- إزاء هذا الوضع المقلوب وإتهام الإسلام وحضارته بالإرهاب، ما دور المسلمين للرد على ذلك وتصحيح هذه الصورة العكسية؟
- لا بد أن يتكاتف العرب والمسلمون ويتعاونوا للرد على البذاءات التي تهاجم الحضارة الإسلامية، وتقلل من دورنا الحضاري، وإسهامنا غير المذكور في بناء صرح الحضارة الإنسانية، فلمدة ثمانية قرون متواصلة جلسنا في مقعد قيادة العالم، وكنا المهيمنين وأصحاب المبادرة والفعل والإنجاز الحضاري والابتكارات العلمية التي هدت غيرنا إلى طريق البحث والمدنية، وقت أن كانت أوروبا تعيش في عصور التخلف والظلام، الجهل، وتحارب العلم وتؤمن بالخرافة والأساطير.
لا بد أن نتخذ موقفًا صارمًا تجاه هذه الاتهامات، وأقترح أن تكون هناك قمة لرؤساء الدول الإسلامية لإبراز الوجه الحضاري المشرق للمسلمين، والقول بأن الإسلام لم يعرف الإرهاب، بل إن الإسلام حرم الاعتداء على الآخرين أو سفك دمائهم من غير جريرة ارتكبوها، فالإسلام دين الحرية وعدم الإكراه أو التعصب أو المغالاة.
- وكيف نعيد للإسلام إذن ريادته الحضارية واحترام الغرب له؟
- لا يتحقق ذلك إلا إذا آمنا من داخلنا بأهمية ذلك وبأننا أصحاب دور ومسؤولية تجاه الآخرين الذين يأمرنا ديننا الحنيف أن نهتم بهم ونعرض عليهم صحيح الإسلام ونبين لهم جوهر حضارتنا، وما أضافه علماؤنا الكبار في كل المجالات إلى ركب المدنية الإنسانية كما يجب أن نخاطب الشعوب الغربية بلغة جديدة ومنهج آخر يهتم بالعلم والمعرفة، ويشجع الابتكار والتجديد والاجتهاد وإيجاد الحلول الناجعة للمشكلات الآنية المستفحلة، والبحث في إيجاد العلاج لمشكلات الإنسان النفسية والعضوية والروحية.
أما أن نكتفي بأن نقول: إننا لا نشجع الإرهاب، فهذا لا يخدم قضيتنا ولا يظهر دورنا الحضاري في عالم يتعطش إلى الروحانيات وإلى التقرب إلى الله، ولكنه يضل طريقه، علينا أن نتوجه إلى هؤلاء وأن ننتشلهم من الأوحال التي يحيون فيها، وإلا فنحن متقاعسون عن أداء هذا الدور القدري.
- برأيك.. هل تجدي مؤتمرات حوار الحضارات في تقريب وجهات النظر بيننا وبين الآخر أم أنها لم تؤد إلى نتائج بعد؟
- حوار الحضارات شيء طيب، إن تم استثماره لخدمة قضايانا ولتصحيح صورة الإسلام المشوهة عند الغرب، لكن لا أدري لماذا تغافلنا عن هذه المهمة، ولم نطمح إليها، لذلك فإنه لا بد أن نغتنم الفرصة ونستثمر هذه الحوارات لإظهار صحيح الإسلام النقي ونبرز سماحته وما يتصف به من خصال حميدة بعيدة كل البعد عن إزهاق الأرواح أو قتل الأنفس ظلمًا وعدوانًا، فإن لم نحقق ذلك، فما علينا إلا التوقف عن المحاورة التي لم تقرب بين الطرفين حتى الآن، ولم تسمح بإزالة السدود والحواجز ولم توقف افتراءات أعدائنا تجاهنا.
- الأوضاع على الصعيد الفلسطيني تنذر بالخطر بعد انشغال العالم كله عما يحدث من مجازر وإرهاب يقوم به الاحتلال ضد الشعب الفلسطيني الأعزل، وتغافل الدول عنه بسبب الحرب ضد أفغانستان فهل هذا يمثل سياسة جديدة عالمية لصرف الانتباه عن الإرهاب الصهيوني؟
- بعد انشغال العالم بأحداث واشنطن ونيويورك ثم حرب أفغانستان، وجد الكيان الصهيوني نفسه في وضع يسمح له بارتكاب المجازر والمآسي، وبتغيير خريطة القدس والقطاع، وتدمير البني الأساسية للسلطة الفلسطينية من غير أن يسأله أحد عن ذلك أو تحاسبه أي جهة دولية، لقد أخذت تل أبيب ضوءًا أخضر من واشنطن لاغتنام الفرصة الثمينة وتنفيذ مخططاتها الإجرامية ولرسم خريطتها التوراتية كما تريد، بعيدًا عن أنظار العالم حتى الدول الإسلامية مشغولة بمشاهدة الأحداث المأساوية في أفغانستان.
إن واشنطن تفعل ما تريد في أفغانستان بلا مساءلة من أحد، وكذلك تنتهك تل أبيب القانون الدولي والشرعية الدولية، وتشن حرب إبادة لأبناء الشعب الفلسطيني بعد أن وضع العالم أصابعه في آذانه مما يحدث في القدس وجنين وبيت لحم وقطاع غزة والخليل، وكأنه أمر واقع لا يستوجب مساءلة قانونية في مجلس الأمن والأمم المتحدة، أما نحن فقد سكتنا والتزمنا الصمت المطبق في كلتا الحالتين.