; موريتانيا: هل ينجح «ولد الشيخ عبد الله» في علاجها؟.. الأحزاب والتطبيع والزنوج ملفات ملغومة | مجلة المجتمع

العنوان موريتانيا: هل ينجح «ولد الشيخ عبد الله» في علاجها؟.. الأحزاب والتطبيع والزنوج ملفات ملغومة

الكاتب الحافظ ولد الغابد

تاريخ النشر السبت 28-يوليو-2007

مشاهدات 67

نشر في العدد 1762

نشر في الصفحة 20

السبت 28-يوليو-2007

■ الثروات الطبيعية المكتشفة حديثًا تثير لعاب القوى الدولية.. ومخاوف شعبية من استغلال ورقة الزنوج

تواجه الرئيس الموريتاني الجديد تحديات كبيرة سياسية واقتصادية واجتماعية، يتحتم عليه البت فيها، أهمها: انتهاكات حقوق الإنسان خلال الفترة السابقة، بجانب الاعتراف ببعض الحركات والتيارات ذات الطابع القومي أو الإسلامي.. وكذا ملف تطبيع العلاقات مع الكيان الصهيوني، الذي ترفضه كل القوى السياسية الموريتانية. وقد أعلن النظام الجديد عزمه على فتح هذه الملفات، خصوصًا معالجة موضوع الوحدة الوطنية، وهو البند الأول من خطاب التكليف الذي يشكل رؤية التغيير وفلسفته في العهد الجديد. وكدليل على جدية هذا التوجه أعلن الوزير الأول عن عزمه معالجة مشكلة المبعدين.. وبدأ الرئيس الجديد اتصالاته بقيادات الأفارقة الموريتانيين في الخارج في بادرة هي الأولى من نوعها في تاريخ الأزمة، حيث تؤكد تقارير بعض منظمات حقوق الإنسان أن ثمة انتهاكات خطيرة ارتكبت بحق الآلاف من أبناء الأقلية الزنجية قتلًا وتشريدًا، بعد ضلوعهم في محاولات انقلابية عام ١٩٨٧م، وما تلى ذلك من أحداث دامية عام ١٩٨٩م بين موريتانيا والسنغال.. على إثرها أبعد نظام الرئيس الموريتاني معاوية ولد سيد أحمد الطابع العديد من الرعايا الموريتانيين الزنوج، بحجة أنهم سنغاليون أو ماليون أو من دول غرب إفريقية أخرى، ما أفرز أزمة اجتماعية كبيرة، حيث استقر هؤلاء -بمساعدة منظمات شؤون اللاجئين وبرعاية من السنغال- في الضفة الأخرى لنهر السنغال، ولا يزالون حتى الآن رغم مرور سبعة عشر عامًا، ويقدر عددهم بنحو ٤٠ – ٥٠ ألفًا، يوجد منهم الآن في المخيمات ٣٠ ألف مواطن. وقد تعددت صيغ تعاطي الدولة الموريتانية مع تلك الأزمة، حيث اعتبرها نظام ولد الطابع السابق أزمة منتهية، إلا أن نظام العسكر وعد بحل القضية في البداية ثم تراجع على اعتبار أن الموضوع يجب أن تبت فيه السلطة الشرعية المنتخبة. إطار الإنصاف والمصالحة ولحل أزمة الزنوج يقترح العديد من السياسيين والمنظمات الحقوقية الموريتانية إنشاء إطار الإنصاف والمصالحة لكشف المستور في هذه القضايا والتحقيق النزيه والموضوعي بعيدًا عن تجاهل الماضي أو الاندفاع تحت تأثير دعاوى التهويل أو محاولات التقزيم لظاهرة، لا يشك أحد في وجودها ويجمع الكل على خطورتها على واقع ومستقبل موريتانيا. ومن أهم الأهداف الاستراتيجية التي يراهن السياسيون على أن ينجزها «الإطار الوطني للإنصاف والمصالحة». التحقيق النزيه والموضوعي في كل الحوادث المتعلقة بهذه القضية، وإنشاء قواعد للبيانات واستقبال دعاوى المتضررين والتدقيق فيها وتقصي الحقائق المتعلقة بها، وإحالتها للقضاء لحل الأزمة من جذورها.

 - محاكمة الضالعين في تلك الانتهاكات من رجال الأمن والإدارة الإقليمية، وتشجيع الضحايا على تقديم شكواهم. 

- إعادة الاعتبار للضحايا، وتوفير الأجواء النفسية والمعنوية لهم. كي يتحدثوا عن رؤيتهم للمأساة أحداثًا وشخوصًا وسياقات بكل حرية ونزاهة خدمة للحقيقة وتصفية لوضع انفجاري من المؤكد أنه سيعصف بالجميع بلا رحمة إن استمرت حالة التعتيم وجو تخويف المظلوم.

- إعادة الأملاك لأصحابها الأصليين وتعويض ما لم يعد قائمًا بعينه تعويضًا يأخذ في الاعتبار الأضرار المادية والمعنوية التي وقعت على الضحايا.

معضلة التطبيع

الملف الثاني من الملفات المغلقة، العلاقات الموريتانية مع الكيان الصهيوني تلك العلاقات التي تفقد المبرر المقنع، حيث فشل نظام ولد الطابع في تسويقها وتبريرها، وكان من المفترض أن تنسفها أي عملية تغيير جادة في البلد.

ويراهن الشعب الموريتاني الذي ترفض أغلبيته التطبيع على الرئيس الجديد «سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله» لوضع حد لهذه العلاقات التي لا تجد أي مبررات سياسية أو اقتصادية.. ولن يعدم المبرر السياسي أو المدخل الدبلوماسي للإجهاز عليها.

ولا يخفي الموريتانيون توجساتهم من خطورة استمرار هذه العلاقات على الأمن القومي والاستراتيجي في البلاد، خصوصًا أن هذه العلاقات ارتبطت دومًا في فترة ازدهارها بأهداف صهيونية خبيثة حولت موريتانيا إلى مدفن للنفايات النووية حينًا، أو التأثير على القدرات الإنتاجية الضعيفة أصلًا حينًا آخر حيث ظهرت أوبئة زراعية مرتبطة بالنشاط الزراعي والرعوي الذي اهتم به الصهاينة شراكة أو دعمًا، وهو ما ألقى بمزيد من ظلال الشك والشؤم على استمرارها.

ويبدي الموريتانيون مخاوفهم من استغلال الصهاينة مؤخرًا للنشاط الواسع حاليًا لشركات التنقيب واستغلال النفط كغطاء لنشاطهم المشبوه، خصوصًا أن استمرار بناء مركز السرطان في قلب العاصمة يعزز هذه الشكوك. فهل يعد بناء هذا المركز جزءًا من استراتيجية امتصاص الآثار الجانبية لجريمة النفايات النووية، إذا ما بدأ طمرها بشكل فعلي مكثف خلال السنوات القادمة؟ أم أنه سيقتصر على كونه ربما مركزًا لتطوير التجارب العلمية الصهيونية في هذا الصدد، ويتخذ من الموريتانيين وسيلة بشرية رخيصة كفئران تجارب، ذلك ما تتطرق إليه الصحف الموريتانية وتطرحه في تحقيقاتها حول إصرار السلطة وسفارة الكيان على استكمال بناء هذا المركز.

فهل سيستجيب

الرئيس سيدي ولد الشيخ عبد الله الرغبات ناخبيه وعشرات المنظمات والشخصيات والأحزاب السياسية التي طالبت بقطع هذه العلاقات مع الكيان الغاصب؟!

ثالوث العرقية والدين والقومية:

ويتشبث الرافضون للترخيص الأحزاب سياسية، وحركات قائمة فعلًا في موريتانيا. بشرعية الوجود الفعلي بالدستور الموريتاني الذي يعتبرونه قد حسم الموقف، فيما يتعلق بالأحزاب السياسية التي تتأسس على خلفية دينية أو عرقية، إلا أن هذه المجموعات ترفض إقصاءها وتهميشها بحجج غير مؤسسة من الناحية الدستورية والقانونية، حسبما توضح دائمًا في عشرات البيانات والتصريحات الصحفية... وقد رفضت الحكومة الانتقالية منح التيار الإسلامي حزبًا سياسيًا، وكذا بعض التيارات القومية مثل حركة الديمقراطية المباشرة، التي تشكل واجهة سياسية لـ حركة اللجان الثورية المدعومة من ليبيا أو أفلام التجديد التي تمثل التيار المعتدل في حركة تحرير الأفارقة الموريتانيين «أفلام».

الإسلاميون

فالتيار الإسلامي يسعى الآن لترخيص حزب خاص به يعتبره حزبًا مدنيًا بالمفهوم الديمقراطي الحديث، فهو يؤسس على ما يعتبره أصولًا في بنية النظام السياسي الموريتاني، الذي يؤكد أن موريتانيا جمهورية إسلامية، والأحزاب فيها تعلي من شأن الدين وتعتبره مرجعيتها، وكذا الدستور يؤسس لهذه الجمهورية الإسلامية باعتبار الشريعة الإسلامية مصدرًا وحيدًا للتشريع. فما المانع إذًا من ترخيص حزب سيكون مخلصًا لهذه الروح! إنه في نظر الإسلاميين الموريتانيين ليس مانعًا دستوريًا أكثر منه ممانعة إقصاء سياسي يمارسها طرف ضد طرف، وقد قام التيار الإسلامي المندرج في مبادرة الإصلاحيين الوسطيين بحملة سياسية كبيرة في سبيل الاعتراف بهم كحزب سياسي وحصلوا على تعهدات من أغلب الأطراف السياسية الحزبية ومرشحي الرئاسة، غير أن الرئيس الجديد ولد الشيخ عبد الله لم يقبل التوقيع على العريضة التي وقعتها كل الأطراف تقريبًا، وهو لا يزال يؤكد حق الإصلاحيين في المشاركة السياسية، لكنه يرفض إعطاء موقف جازم قبولًا أو رفضًا فيما يتعلق بترخيص حزب لهذه المجموعة.

القوميون

أما فيما يتعلق بالمجموعات القومية سواء كانت عروبية أو زنجية فإنها تتجه هي الأخرى للالتقاء في منتصف الطريق وتأسيس حزب سياسي مشترك، وقد أجرت عدة لقاءات في هذا الصدد بين «حركة الديمقراطية المباشرة» «تيار ناصري مقرب من ليبيا»، وحركة أفلام التجديد، وهي تيار سياسي زنجي معتدل، كما أكدت ذلك مصادر مقربة من الطرفين خلال الأسابيع الماضية، في وقت يجري فيه الحديث عن بداية اتصالات بين الرئيس الجديد والجناح المتشدد في حركة المشعل الإفريقية «أفلام».حيث عبرت في تصريحات صحفية عن أملها في حصول انفراج سياسي، معربة عن ثقتها في المبادرة التي اتخذها النظام الجديد، إذ كان هو المبادر بالاتصال بها وكانت تنقم على المجلس العسكري رفضه مجرد الخوض في الملف الأمر الذي جعل رؤية الحركة تختلف بشأن تقييم التطورات الحاصلة في موريتانيا غداة الثالث من أغسطس ۲۰۰۵م، واعتبرت الحركة مبادرة الرئيس بتفعيل الاتصال السياسي بها مؤشرًا مهمًا لسعي السلطة الجديدة لتجاوز مخلفات الماضي الأليم. تلك معضلات في السياسة الموريتانية بانتظار الحل والتجاوز، فهل ينجح الرئيس الجديد ونظامه السياسي في الاستجابة والتعاطي مع هذه التحديات؟ وهل يستطيع أن ينزع فتيل الأزمات المزمنة في موريتانيا؟ ذلك ما سوف تجيب عنه الأيام القادمة.

الرابط المختصر :