; اكتشاف علمي جديد ينسخ.. دعوة انحدار الإنسان من: سلالة القرو | مجلة المجتمع

العنوان اكتشاف علمي جديد ينسخ.. دعوة انحدار الإنسان من: سلالة القرو

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 11-سبتمبر-1973

مشاهدات 55

نشر في العدد 167

نشر في الصفحة 18

الثلاثاء 11-سبتمبر-1973

اكتشاف علمي جديد ينسخ.. دعوة انحدار الإنسان من: سلالة القرود

ترجمة الأستاذ سعيد عبد الجليل

جمجمة إنسان- في كينيا- عمرها ثلاثة ملايين عام!!

إن هذا الاكتشاف يعزز الرأي القديم بأن الإنسان ينتمي إلى جنس يرجع عمره إلى ثلاثة ملايين عام!! فهل يا ترى- سنضطر فعلا إلى التفكير في سلالة الجنس البشري؟؟ هذا هو السؤال الذي يحير الجميع!! وهنا في هذه السطور التالية، يقص علينا «ريتشارد أ. ليكي»- المدير الإداري للمتحف الوطني بكينيا قصة الاكتشاف، وقد قام بتصوير الرسوم الموضحة «بوب كامبيل».

● ويبدأ المؤلف العالم قصته قائلًا: كثيرًا ما كنت أطير فوق تلك الأراضي الجرداء الداكنة المقفرة الواقعة شرقي «بحيرة رودولف» الواسعة بكينيا في قارة أفريقيا، وكانت نفسي تحدثني دائما «لا بد أن يكون السر موجودا هنا في مكان ما».

● وفي يوم من أيام شهر أغسطس عام ۱۹۷۲، وكانت حرارة الشمس شديدة ولهبها مندلعا ووهجها متأججا، طرت فوق تلك البقعة لفترة قصيرة، ولكني لم أكن أتوقع شيئا جديدا، ولكني في هذه المرة، وكانت خلال زيارة عادية لمعسكر عملنا، قمنا بها من مقر إدارتنا بجوار البحيرة في «كوبي فورا»، طرت على ارتفاع منخفض فوق تلك الأرض الوعرة- أتفحص أنا ومن معي- بعناية فائقة يشوبها الخوف والحذر، تلك المراقد العديدة القديمة المتحجرة، والتي كنا نبحث عنها طوال السنوات الأربع الماضية، وغالبا ما كنت أتساءل «متى وأين يمكننا أن نجد السر الذي يرشدنا إلى إدراك بداية الإنسان؟؟».

● وعندما هبطت طائرتنا ذات المقاعد الستة في مهبطها المؤقت، اقترب مني نائبي «كامويا كيميو»- الذي كان يترأس فريقنا في معسكر العمل، المكون من خمسة كينيين- وكانت على شفتيه ابتسامة عريضة أفصحت عن فرحته وسعادته، وبعدها ببضع ساعات، طرت مرة أخرى ومعي حقيبة مملوءة بقطع مهشمة من جمجمة متحجرة، وكنت مقتنعا تماما بأنها ذات أهمية كبرى!! وفعلا، وضحت لنا تلك الأهمية العظمى بعد أسابيع قليلة من الحفر المستمر والتنقية الخالصة والعناية الفائقة في إعادة تركيب وترتيب تلك القطع من الحفريات.

● ولا أشك في أننا قد نبقي لفترة أخرى، ربما تبلغ مليون عام حتى نستطيع أن ندرك ونفهم أصلنا ومنشأنا، حتى الآن لا نعرف عنه شيئا بالضبط، وفي اعتقادي أن هذه القطع الصغيرة المتحجرة التي اكتشفناها الآن، ربما تمثل أقدم جمجمة للإنسان الأول!!

● وقد وجد الشاب الذي يدعى «بيرنارد نجينيو» هذه الجمجمة المهشمة في وادي ضيق عميق وعر موحش، ووجد معها قطعا صغيرة من العظام المترسبة في الرمال، وقد أثرت فيها عوامل التعرية، ثم زدنا في عمليات الحفر، فوجدنا أكثر من ثلاثين قطعة في اليوم الأول، وكان معظمها قطعا صغيرة في حجم ظفر إصبع الإبهام، وفي الحال أوضحت لنا عظمتان كبيرتان من الناحية الأمامية للجمجمة التي اكتشفناها، أن هذه البقايا من الحفريات لا بد وأن تكون لها علاقة بمخلوق شبيه بالإنسان يختلف في تكوينه عن أي تكوين آخر معروف للإنسان البدائي.

● فالرأي أو الإيحاء القديم عن جنسنا، هو أن هناك مخلوقا آخر عمره نحو ۱٫۸ مليون عام يسمى «الإنسان البارع»- «وقد أطلق عليه هذا الاسم والدي المرحوم الدكتور «لويس س. ب. ليكي»- بعد أن وجده عند «مضيق أولدوفيا» في تنزانيا عام ١٩٦٠، قد تنتسب إليه فصيلتنا، ويفضل كثير من العلماء معرفة أجناس أخرى شبيهة «بالإنسان القائم»، لأنهم يعتقدون أن أقدم جنس كان يمثل الإنسان الحقيقي، إنما يرجع تاريخه إلى مليون عام فقط.

● وقد وجدنا تلك القطع الصغيرة الثمينة من الجمجمة في مكان بشرق «بحيرة رودولف» (انظر الخريطة- الصورة رقم ۸)، وقد أوضح لنا المختبر، بأن تاريخ هذه القطع المتآكلة المترسبة قد يرجع إلى ما يقرب من ٢,٨ مليون عام. وهكذا يتبين لنا أن ماضيا يعود إلى ما لا يقل عن 10,000 قرن- مما يزيد من علامات الاستفهام حول الجنس البشري وتاريخه؟؟؟ (ترتيب تلك القطع الصغيرة، التي تنتمي إلى زمن ما قبل التاريخ، بطريقة معقدة بحيث تشكل صورة ما).

● كانت زوجتي «ميف» تتفحص تلك الأجزاء الصغيرة المهشمة من عظام الجماجم في فرح وبهجة، وذلك بمقر إدارتنا بجوار «بحيرة رودولف» الضحلة، ولكنها ما لبثت أن قالت بوجه عابس «لدينا قطع صغيرة لا أطراف لها، وأنها في حاجة إلى ترتيب وتنظيم بطريقة معقدة متشابكة»، وكان عمــــل «میف» يتركز في القيام بترتيب تلك الجمجمة المكسرة المبعثرة، على أن يساعدها الدكتور «برنارد» عالم التشريح في لندن، وأشخاص آخرون معه.

● وكان العمل في هذا المجال يسير بطيئا، وفي كل مكان «برنارد وميف» ينتظران وصول مزيد من القطع المحطمة الجديدة، التي تعود إليهم بعد عمليات «الغربلة» التي كانت تتم في موقع العمل، وفي بعض الأحيان، كانت الأيام تمر، دون إحراز أي تقدم حتى في توصيل قطعتين اثنتين فقط مع بعضهما!! ولكن ظهر لنا بالتدريج، مزيج ملحوظ يجمع بين الملامح والسمات الراقية والبدائية.

● وبعد ستة أسابيع تقريبا، اكتملت إعادة تركيب تلك الأجزاء، وظهرت الأهمية العظمى لهذا الشيء النفيس الذي اكتشفناه، ولا يزال بدون اسم، «وبكل بساطة، فإننا نشير إليه عموما- وهو أنسب شيء له- بأنه «الإنسان ١٤٧٠»، وذلك بعد أن سجلنا الرقم المحدد للنموذج بواسطة المتاحف الوطنية في كينيا».

● وكان من الواضح أن الجمجمة تنقصها الأطراف البارزة لحاجب العين- الحواجب البارزة للإنسان القائم- كما أن غلاف المخ- بالرغم من أنه كان قديما قدم الإنسان بثلاثة أضعاف مرة- إلا أنه كان كبير الحجم أيضا، وقد قمنا بقياس سعة «الجمجمة ١٤٧٠» قياسا تجريبيا، مستخدمين في ذلك محقنة كانت ضمن أجهزتنا الطبية وبعض الرمال النقية، وفيما بعد، أثبت لنا الدكتور «آلان ووكر» أستاذ علم التشريح بجامعة نيروبي- عن طريق المختبر أن تقديرنا كان صحيحا، فقد كانت السعة ٨٠٠ سم مكعب، وقمنا بمقارنة بعض العينات من جماجم «الإنسان القائم» فوجدنا أن سعتها كانت تتراوح ما بين ٧٥٠ سم مكعب، ١,100 سم مكعب «علما بأن سعة جمجمة الإنسان الحديث 1,400 سم مكعب»

● وكان هذا الإنسان الأول، الراقي المدهش، معاصرا لنفس المخلوق البدائي الذي كان يعيش في شرق أفريقيا، وقد عرف الآن «بالإنسان البدائي المنقرض» الذي وجدت بقاياه.

● وقد وجدنا في هذه المراقد المتحجرة، ما يزيد عن ٤٠ عينة من هذا الإنسان البدائي المنقرض، وتتراوح أعمارها ما بين مليون، ۲٫۹ مليون عام، وقد أخرج عالم الآثار الدكتور «جلين إسحق» وشريكنا في البعثة، من تحت الأرض في أماكن مشهورة عند بحيرة «رودولف»، ما يقرب من ٣٠٠ قطعة حجرية منحوتة، ومعها آلات للقطع، مما يدل على أن هناك شيئا ما أو شخصا ما كان موجودا في تلك الأماكن منذ ما يقرب من ٢٫٦ مليون عام، وكانت لديه مهارة وذكاء من طراز معين، وإنني شخصيا أشك بكل قوة بأن يكون هذا الإنسان البدائي المنقرض قد قام بصنع تلك الآلات المكتشفة.

● وبالرغم من أن ذلك «الإنسان التقريبي» قد استطاع أن يمشي «قائما» إلا أن متوسط سعة جمجمته كان ٥٠٠ سم مكعب تقريبا، وكان سلوكه الأخلاقي القوي يوحي بأنه كان مخلوقا نباتيا يعيش على أكل الأعشاب، مع احتياجه قليلا من المهارة لصناعة الآلات، وربما كانت هذه محاولة شخصية لاستنتاج ذلك، ولكني أخشى في نفس الوقت، أن يكون استنتاجي هذا سابقا لأوانه، حتى لا أدعي بأن تلك الآلات كانت من صنع «المخلوق الشبيه بالإنسان ١٤٧٠»، فربما تكون هناك أيضًا احتمالات أخرى.

● على سبيل المثال: فهناك «الإنسان القائم»، «فإنسان بكين» المعروف «وهو إنسان منقرض يرقى إلى العصر البلستوسيني أو العصر الحديث الأقرب»، و «إنسان جاوة»، «وهو أحد رجلين ما قبل التاريخ عثر على جمجمتهما في ترينيل بجاوة بإندونيسيا»، قد يرجع تاريخه إلى 500,000 سنة، وربما كان أقدم أسلافنا، لأن «الإنسان القائم» يرجع عمره إلى مليون سنة تقريبا، وذلك كما تشير إليه الاكتشافات الحديثة التي تمت في اولدوفيا عام ١٩٦٠، ولكن هناك احتمال كبير بوجود الطراز الأول الأقدم منه، وهناك أيضا «الإنسان البارع»، ويفضل بعض العلماء وضعه ضمن مجموعة الإنسان البدائي المنقرض، ويدور جدالهم حول غلاف دماغه الصغير نسبيا، وسعته ٦٥٠ سم مكعب، الذي يجرده من صفات الجنس البشري، ومن سوء الحظ، أننا لا نستطيع التأكد من حجم جسمه، فغلاف المخ ربما- يكون بالفعل أكبر، بالنسبة لشخص قصير القامة، خفيف الوزن.

● وقد تبين لنا من بين ٩٠ قطعة من تلك البقايا الشبيهة ببقايا الإنسان، والتي أخرجناها من تحت الأرض في السنوات الخمس الماضية، وكانت عبارة عن قطع صغيرة وفكوك «جمع فك» وأسنان مبعثرة يرجع تاريخها إلى ما يقرب من مليوني سنة، بأن الإنسان من «الطراز البارع» قد عاش ذات مرة في شرق «رودولف»، ولكني من هذا، لست متأكدا من ذلك.

● وعندما كان «الإنسان البدائي المنقرض» يعاصر «الإنسان ١٤٧٠» منذ ملايين سنة مضت، كان المحتمل أن مياه «بحيرة رودولف» كانت عذبة صالحة للحياة نتيجة تغذيتها من نهيرات المناطق الحارة حينذاك، وتعيد إلينا تلك القطع الصغيرة المهشمة التي وجدناها- وتعتبر ثروة بالنسبة لنا- صورة تلك الرقعة الممتدة الخضراء التي كانت تعج بالصناعة.، ويؤكد لنا سجل هذا الإقليم الجيولوجي، متعدد الطبقات، أنه مرت عليه فترات مختلفة، بفيضاناتها الكثيرة ونشاطات براكينها الواسعة.

● وقد خلدت لنا تلك الرواسب التي نتجت عن ارتفاع وانخفاض مياه البحيرة القديمة، وتلك الطبقات الرقيقة من الرماد البركاني، سجلا فريدا متحجرا ومكونا طبقات متعددة، وينتشر هذا الكنز العلمي في رقعة مساحتها نحو ۹۰۰ ميل مربع وكانت الاكتشافات تلـو الاكتشافات، فمثلا: بعد اكتشاف «الجمجمة ١٤٧٠» بعدة أسابيع، وجدت زوجتي « ميف » في منطقة مساحتها ۱۲ ميلا مربعا- وسميناها « المنطقة ۱۳۱ »- قطعا صغيرة كثيرة، من بينها سنة واحدة، وكانت كلها تشبه جمجمة تشبه جمجمة قرد، وشعرنا حينذاك وكأننا وجدنا مفتاح اللغز بوجود «الإنسان البدائي».

«عظام الساق لنفس المخلوق»:

● شاهدنا عبر واد من الوديان، الدكتور «جون هاريس» وهو من العلماء الذين التحقوا بالمتاحف الوطنية، وأحد زملائنا في العمل عند «بحيرة رودولف» منذ زمن طويل- وهو يشير إلينا، فلما اقتربت منه صرخت قائلا:«ما هذا يا جون؟» وكانت إجابته:«أنني لا أستطيع أن أصدق!! انظر...» وفحصت الأشياء الثمينة التي وجدها، فازدادت دهشتي وأسرعت نبضاتي، فقد رأيت عظم فخذ لافت للنظر- لمخلوق راق يشبه الإنسان، وذلك بين قطع مبعثرة من عظام فيل، وكانت هناك أيضا عظام سيقان كاملة يندر وجودها بين المجموعة المتحجرة من العظام التي وجدناها من قبل، كما اكتشف «جون» عظمة فخذ أخرى في المنطقة ۱۳۱، وكانت هذه العظام موجودة كحفريات مترسبة يرجع تاريخها إلى ٢٫٦ مليون سنة تقريبا، فهل تخص تلك العظام «الإنسان ١٤٧٠» الذي وجدناه مؤخرا؟؟ إنني لا أستطيع أن أؤكد ذلك بالطبع.

● ولكنه كان واضحا، أن عظام الفخذ هذه، كانت تختلف عن عظام فخذ «الإنسان البدائي المنقرض»، ومن المدهش، أنها في نفس الوقت كانت تشبه عظام فخذ الإنسان العصري!!

● وهكذا جمعنا في أقل من أربعة شهور، نحو ٣٥ قطعة من بقايا عظام المخلوق الشبيه بالإنسان، وتتراوح أعمارها ما بين مليون إلى 2,8 مليون سنة، وكان ما أدهشنا بالطبع، اكتشافنا «للجمجمة ١٤٧٠».

● ولكن، كانت هناك مفاجأة أخرى تنتظرنا!! ففي أكتوبر عام ۱۹۷۲، وبينما كان موسم عملنا على وشك الانتهاء، اكتشف «برنارد» أسنانا وبقايا عظام لجمجمة طفل، وعندما بدأنا في إعادة تركيب وترتيب هذه الجمجمة الجديدة، وجدنا أنها كانت مشابهة في الشكل للجمجمة ١٤٧٠، كما استنتجنا، بعد الفحص والتحاليل، أن هذا الطفل كان عمره لا يزيد عن ٦ سنوات عند وفاته.

● ولا شك أن اكتشاف مثل هذه المواد، يؤكد ذلك الرأي الذي يعزز تطور البشرية، كما أن هذا الرأي يتفق مع وجهة النظر القائلة بأننا كنا تقريبا نماذج من ذلك «الإنسان البدائي»، ولكننا نختلف عن ذلك الجنس، في النواحي الجغرافية والإقليمية.

● وإن مزيدا من الاكتشاف لمثل هذه القطع الصغيرة من تلك البقايا، سيعمل ولا شك على نشر بحوثنا، واستمرارها بمساندة ومؤازرة الجمعية الجغرافية الوطنية والمؤسسة العلمية الوطنية بالولايات المتحدة الأمريكية.

● وإنني أشعر بالثقة الكاملة، بأننا سنستطيع في يوم من الأيام، متابعة ما تبقى من حفريات تخص الإنسان، في شرق «رودولف»، لأزمنة يرجع تاريخها إلى أربعة ملايين سنة مضت، وحينذاك يمكننا أن نجد ما نستشهد به عن وجود سلف «للإنسان البدائي المنقرض»، «والمخلوق الشبيه بالإنسان» الجنس البشري- «الإنسان الحقيقي».

● وبينما نستمر في دراستنا لهذه الثروة من المادة الجديدة التي اكتشفناها، فإن دهشتنا ستستمر كذلك!! فقد تبين لنا أخيرا، وبعد عدة شهور من التحليل والمقارنة، توصلنا إلى نتيجة هامة، وهي: أن «الإنسان ١٤٧٠»، يبدو أنه كان امرأة- وليس رجلًا!!!

الرابط المختصر :