العنوان خصائص الاقتصاد الإسلامي
الكاتب محمد نور عبد الله علي
تاريخ النشر الثلاثاء 02-يوليو-1974
مشاهدات 70
نشر في العدد 207
نشر في الصفحة 20
الثلاثاء 02-يوليو-1974
خصائص الاقتصاد الإسلامي
بقلم الأستاذ محمد نور عبد الله علي
لكل نظام سواء أكان اقتصاديا أو اجتماعيا أو سياسيا خصائص تميزه عن سائر النظم والمذاهب الأخرى ودالة على واضع ذلك النظام ومبينة الهدف من وضعه.
وللنظام الاقتصادي الإسلامي خصائصه المميزة، التي تفرده من سائر النظم وتجعل له ذاتيته المستقلة وطبيعته الخاصة التي لا تختلط بنظام أخر ولا تستمد من مذهب آخر، وأهم هذه الخصائص بل مفرق الطريق بين النظام الإسلامي والنظم الأخرى «إنه نظام رباني جاء من عند الله بالعديد من الخصاثص والمقومات التي تميزه عن غيره من الاقتصادات الأخرى والتي من أهمها:
ا - الجمع بين الثبات والتطور :
أ - الثبات: النظام الاقتصادي الإسلامي يتميز بأن له أصولا ثابتة لا تتغير ولا تتبدل مهما كانت الظروف ويخضع لها المسلمون في كل زمان ومكان وهذا ما يعبر عنه بالمذهب الاقتصادي الإسلامي، وتتمثل هذه الأصول في صور منها: تحريم الربا ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا ۚ ﴾(سورة البقرة: 275) تحريم أكل الأموال بالباطل لقوله تعالـى ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ﴾ (سورة البقرة: 188) « 2» ومنها وجوب الزكاة وإنفاقها لرفع مستوى الفقراء إلى حد الكفاية لقوله صلى الله عليه وسلم «تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم» «1» فهذه المبادئ والأصول الاقتصادية التـي وردت بنصوص القرآن والسنة محدودة وعامة، ومن ثم فهي ثابتة لا تتغير ولكن ترك الإسلام الباب مفتوحا للاجتهاد في كيفية تطبيقها حسب ظروف الزمان والمكان.
ب - التطور: بالإضافة لتلك الأصول الثابتة بالكتاب والسنة فإن طريقة تطبيقها من حيث التفاصيل والأنظمة فهي من اجتهاد الأئمة في استنباطها واستقرائها، إلا أن مرجعها ومصدرها هو الله تعالى لأن عمل الباحث في الاقتصاد الإسلامي شأنه شأن أی باحث في كافة المجالات الإسلامية هو تطبيقي لا إنشائي، لأنه لا ينشىء ولا يثبت حكما من عنده، وإنما هو يظهر ويكشف حكم الله في المسألة المطروحة وذلك حسب ظنه واعتقاده تمشيا مع القواعد الشرعية، لا حسب الحقيقة ومن ثم فقد حث الإسلام على الاجتهاد والواقع التي لا يعلمها إلا الله تعالى، ومن ثم فقد حث الإسلام على الاجتهاد وكافأ عليه حتى جعل للمجتهد أجرين إن أصاب، وأجرا إن أخطأ، ولا شك أن أكبر ضربة وجهها المسلمون أنفسهم إلى الإسلام، هي قفل باب الاجتهاد، فمنذ ذلك الحين توقفت الدراسات الإسلامية، وتجمدت تعاليم الإسلام وتطبيقها عند مرحلة معينه ومن جهة أخرى استيقظ الغرب وتقدم بعد أن اقتبس من مشكاة الإسلام ما يضيء له الطريق فأصبح يتقدم والمسلمون يتأخرون حتى جاء هذا القرن فخرج من أبناء المسلمين من يزعم أن الإسلام لا يصلح لهذا القرن، وأنه يقف حجر عثرة عند كل تقدم، والعيب فينا لأننا لم نجتهد في تطبيق وإعمال المبادىء والأصول الاقتصادية التي وردت بنصوص القرآن والسنة بما يتلائم وظروف كل زمان ومكان مع أن أئمتنا رضوان الله عليهم وضعوا لنا قاعدة « تغير الأحكام بتغير الأزمنة والأمكنة » وفي هذا قال ابن القيم رحمه الله في إعلام الموقعين «فصل: في تغير الفتوى واختلافها بحسب تغير الأزمنة والأمكنة والأحوال والنيات والعوائد» «4».
1- خصائص التصور الإسلامي ص 45-46 للشهيد سيد قطب
2-سورة البقرة آية ۱۸۸
3-مر معنا تخريجه / البخارى
4-إعلام الموقعين ج ۳ ص 5 للإمام الجليل ابن قيم الجوزية المتوفى ٧٥١
هذا ومما لا شك فيه أن الأحكام التي تتبدل بتبدل الزمان والمكان وأخلاق الناس هي الأحكام الاجتهادية من قياسية ومصلحية. أما الأحكام التي جاءت الشريعة لتأسيسها وتوطيدها بنصوصها الأصلية الآمرة الناهية. فلا تبدل فيها، وخلاصة القول في هذه المسألة أن النظام الاقتصادي الإسلامي ثابت في أصوله وقواعده الأساسية التي لا ترتبط بزمان معين ولا مكان، وفي نفس الوقت نظام مرن ومتطور في تطبيق تلك القواعد والأصول وبهذا امتاز عن كل من الرأسمالية والاشتراكية.
2- الجمع بين المصلحتين الخاصة والعامة:
كل المناهج والنظم التي شرعت في المجال الاجتماعي والاقتصادي تهدف إلى تحقيق المصلحة بجلب النفع ودفع الضرر، ولكن المصلحة قـد تكون خاصة، أو تكون عامة وقد تتعارضان. وهنا موضع الاختلاف بين الأنظمة الاقتصادية والاجتماعية فبعضها ترجح مصلحة الأفراد إذ تجعل الفرد مدار اهتمامها، وتقدم مصلحته على مصلحة المجتمع، وبعضها «كالنظم الجماعية» والتي تدين بها دول المعسكر الاشتراكي تجعل المجتمع هدفها فتهتم بمصلحته وتقدمه على مصلحة الفرد، وفي كل الاتجاهين تفريط وإفراط.
أما الإسلام فيتفرد منذ البداية بنظام متميز فليس هو بالفردى كما عند الغرب الليبرالي ولا هو بالجماعي كما هو الحال في النظم الاشتراكية ولكنه منهج وسط قوامه التوفيق والجمع بين مصلحة الفرد ومصلحة الجماعة أخذا بقوله تعالى ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ (سورة البقرة: 143)
فالوسيلة هي الاعتدال والملاءمة، وهي سمة الإسلام وأسلوبه في كافة نواحي الحياة ويتبين ذلـك الاعتدال في نقاط ثلاث أهمهما: -
1-مناط الاقتصاد الإسلامي هو المصلحة: وتحقيق هذه المصلحة يختلف بحسب الزمان والمكان، ولهذا منع الإسلام الإسراف ووصف عباد الرحمن بأنهم ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا﴾ (سورة الفرقان: 67) «2» قال شيخنا محمد الأمين الشيقيطي رحمه الله «واعلم أن أظهر الأقوال في هذه الآية الكريمة، أن الله مدح عباده الصالحين بتوسطهم في إنفاقهم فلا يجاوزون الحد بالإسراف في الإنفاق ولا يقترون أى يضيقون فيبخلون بإنفاق القدر اللازم» «3» فالإسلام لا يجوز في المجتمع الذي يحكمه أن يتقلب قوم في البذخ المنهي عنه
بينما فئة لا تجد ما تقوم بها صلبها، كما أن المصالح تقدم بحسب أهميتها.
فيقدم ما هو ضروري على ما هو حاجي فالضروري ما تقوم عليه حياة الناس. وإذا فقد اختل نظام حياتهم، أما الحاجي فهو ما يحتاج إليه الناس لليسر واحتمال أعباء الحياة، وإذا فقد نالهم الحرج والضيق، ويقدم الحاجي على التحسين لأن التحسين ما يجمل حياة الناس ولا يترتب على فقده كبير ضرر كما فقد الحاجي.
(ب) التوفيق بين مصلحة الفردي والجماعي:
من الخطأ الكبير والظلم الفادح إلحاق الإسلام بأحد النظامين المعروفين في العالم الرأسمالي والاشتراكي، أو تصور انه مزيج مركب من الفردية والجماعية يأخذ من كل منهما جانبًا؛ فالإسلام عندما يأخذ بالفردية في جانب لا يطلق العنان للأفراد ليتملكوا كيف شاءوا وبأي وسيلة كانت فهو يختف عن الرأسمالية في تحديد وسائل الكسب وتقييم أوجه الصرف فلا بد أن يكون الكسب من طريق حلال والصرف في وجوهه المباحة ومن هنا يختلف عن الرأسمالية كما أنه عندما يأخذ بالاتجاه الجماعي في بعض النواحي الاقتصادية لا يسمح للدولة بالحق المطلق في التدخل في النشاط الاقتصادي أو إلغاء الملكية الخاصة. وبهذا يمتاز الإسلام عن النظامين مع ما هناك من أوجه التداخل ولكن الإسلام يظل متميز بسياسته المنفردة وتظل حلوله متميزة
بأصولها الخاصة من التوفيق بين مصلحة الفرد والجماعة.
«هـ» تقديم مصلحة الجماعة على مصلحة الأفراد عند التعارض
فإذا كان قوام النظام الإسلامي التوفيق بين المصلحة العامة والخاصة والملائمة بينهما، فهناك ظروف تطرأ على المجتمع خارجة عن الإرادة كحالة الحروب أو المجاعات أو الأوبئة، ففي هذه الحالات يصعب التوفيق بين المصلحتين، فحينئذ يضحى بالمصلحة الخاصة ونقدم المصلحة العامة بالإجماع باعتبارها حق الله الذي يعلو فوق كل الحقوق. وهذا ما يعبر عنه الأصوليون بقولهم «يتحمل الضرر الخاص بدفع الضرر العام» أو قولهم «إذا تعارضت مفسدتان روعی أعظمهما ضررا بارتكاب أخفهما».
«3» الجمع بين المصالح المادية والحاجيات الروحية:
في كافة النظم الاقتصادية الوضعية فردية كانت أو جماعية، يهدف النشاط الاقتصادي إلى تحقيق المصالح المادية. فالنشاط الاقتصادي ذو صيغة مادية بحتة وإن اختلف صورته باختلاف النظام المطبق رأسماليا كان أو اشتراكيا. أما في الاقتصاد الإسلامي فإن النشاط وإن كان ماديا إلا أنه مطبوع بطابع ديني وروحي وقوام هذا الطابع الإحساس بالله تعالى وخشيته وابتغاء مرضاته والتزام منهجه واتباع تعاليمه التي تصوغ وتحدد علاقات الأفراد بعضهم بعض، ويترتب على ذلك عدة آثار ينفرد بها الإقتصاد الإسلامي مجملها فيما يلي:
«أ» ارتباط المادة بالروح في الإسلام:
في النظام الاقتصادي الإسلامي، إلى جانب إيمانه بالعامل المادي، وإن النشاط الإقتصادي لا يمكن إلا أن يكون ماديا. غير أنه لا يغفل الجانب الروحي في الكيان البشري، وكل ما يفعله الإسلام بهذا الصدد هو أن يتجه المرء بنشاطه إلى الله تعالى ولا شك أن هذا التوجه بالنشاط الاقتصادي إلى الله تعالى ليس مقصودا لذاته لأن الله تعالى لا ينفعه ولا يضره أن يتجه إليه بالنشاط أولا. فالله غني عن العالمين. إلا أن هذا التوجه هو صمام الأمان لسلامة النشاط الاقتصادي، بل الوسيلة الوحيدة الفعالة لصلاح الفرد والمجتمع.
وهنا تبرز نقطة هامة وهي أن الإسلام لا يعرف الفصل بين ما هو مادي وما هو روحي، ولا يعرف بين ما هو دنيوي وما هو أخروي، فكل نشاط مادی أو دنیوی يباشره الإنسان هو في نظر الإسلام عمل روحي طالما كان مشروعا وكان يقصد به مرضاة الله تعالى وهذا ما امتاز به الإسلام عن سائر النظم الاقتصادية الوضعية التي جعلت المادة معبودها وإلاهها المقصود.
«ب» أثر الوازع الديني:
في ظل النظم المعاصرة الوقاية في مباشرة النشاط الاقتصادي هي أساسا وقاية خارجية مناطها القانون. فالوقاية فيها محدودة وقاصرة.
أما في النظام الإسلامي، فإنه إلى جانب وقاية القانون أو الشريعة، يحرص في نفس الوقت على إقامة وقاية داخلية مناطها فكرة الإيمان بالله وحساب اليوم الآخر، وفي ذلك ضمان لسلامة النشاط الاقتصادي والسلوك الاجتماعي لشعور الفرد بأنه إذا أفلت من وقاية المحتسب فلن يفلت من وقاية الله تعالى.
وهذا عامل مميز لنظام الاقتصاد الإسلامي، وهو اهتمامه بالوازع الديني في توجيه النشاط الاقتصادي باستشعار المسلم وقاية الله تعالى في كل تصرف له، ومن ثم يحرص الإسلام على تغذية الضمير وبحيث يلتزم المسلم تعاليم الإسلام الاقتصادية تلقائيا بدافع عقيدته وإيمانه.
«جـ» الهدف من النشاط الاقتصادي:
وهنا يبرز لنا أهم ما يميز الاقتصاد الإسلامي عن غيره من النظم، فنجد أن الهدف المنشود للرأسمالي تحقيق أكبر قدر من الربح، وفي النظـم الاشتراكية تحقيق الكفاية والرخاء المادي، وأدى ذلك إلى الصـراع المسعور التي تعاني منه البشرية تحت وطأة النظم الرأسمالية، ومن جانب آخر إلى التحكم والسيطرة الاقتصادية وخنق الحريات وقتل المواهب وهذا هو طابع المجتمعات الإشتراكية .
«أما في الاقتصاد الإسلامي فالمصالح المادية وإن كانت مستهدفة ومقصودة إلا أنها ليست مقصودة لذاتها، وإنما كوسيلة لتحقيق الفلاح والسعادة لبني الإنسان.
ذلك بحسب التصور الإسلامي للدنيا بأنها مزرعة الأخرة. والإنسان هو خليفة الله في الأرض. فالهدف من النشاط الإسلامي هو تعمير الدنيا وإحياؤها وأن ينعم الجميع بخيراتها، وليس هو التحكم والسيطرة الاقتصادية أو استئثار فئة أو دول معينة بخيرات الدنيا كلها كما هو الشأن في النظم الاقتصادية الوضعية» «1»
تلك أهم خصائص النظام الاقتصادي الإسلامي والسمات المميزة له عن الأنظمة الوضعية وبها امتاز وحافظ على قواعده مما جعله صالحا لكل زمان ومكان بل هو النظام الوحيد الكفيل بتحقيق الرفاهية والطمأنينة للبشرية وبدونه لن يهدأ لها بال ولن يقر لها قرار، لأنه أی الاقتصاد الإسلامي هو النظام الرباني الذي وضعه العليم الحكيم.
المدخل إلى الاقتصاد الإسلامي ص ۱۸۷۳- ١٨٥ بتصرف للدكتور محمد شوقي الفنجري طبعة ۱۹۷۳ م دار النهضة العربية الظاهرة.
الرابط المختصر :
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل