العنوان مع حسن الترابي: المرأة بين تعاليم الدين وتقاليد المجتمع
الكاتب د. جاسم المهلهل آل ياسين
تاريخ النشر الثلاثاء 05-يوليو-1983
مشاهدات 61
نشر في العدد 628
نشر في الصفحة 32
الثلاثاء 05-يوليو-1983
سأل بعض الطلبة عندنا في الجامعة أحد أساتذة الحديث الشريف، عن
قول الدكتور حسن الترابي في رسالته المطبوعة بتونس بعنوان: «المرأة بين تعاليم
الدين وتقاليد المجتمع»، وهي رسالة تشد الشريعة إلى نساء اليوم، ولا تشد نساء
اليوم إلى الشريعة، ويشيع فيها تليين أمر اختلاط النساء بالرجال وتيسيره، إذ قال
فيها الدكتور وهو يتحدث عن اشتراك النساء مع الرجال في أمور دينية كثيرة، دون
تمييز فيها بين رجل وامرأة:
«والحج مشترك كما هو معروف،
برغم الازدحام الوثيق في مناسكه، وقد حاول بعض الولاة باجتهاد منهم تفريق الرجال
والنساء في الطواف، ولكن أهل السنة كانوا يعترضون على تبديل ما كان عليه الأمر في
عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، فثبتت السنة وزال التبديل.. منع محمد بن هشام والي
مكة طواف النساء مع الرجال، فقال عطاء: كيف تمنعهن، وقد طاف نساء النبي صلى الله
عليه وسلم مع الرجال؟ وكان ذلك بعد الحجاب، سوى أنهن كن يتجافين عن الرجال، ويختلط
سائر النساء ويستلمن رغم الزحام (البخاري)». انتهى كلام الدكتور الترابي.
فأجاب أستاذ مادة الحديث الشريف بما يلي: قول الدكتور حسن
الترابي: «والحج مشترك كما هو معروف برغم الازدحام الوثيق في مناسكه»، يفهم منه أن
ما يقع اليوم- بكل أسف- في أيام المناسك المزدحمة من التزاحم والتلاحم في الطواف
بين النساء والرجال وتراص أجسام النساء بالرجال أمر مشروع ومقر فعله من الشارع،
فلا يغير ولا يبدل، لأن تغييره تغيير للسنة، أي كحكم مشروع.
ويستدل الدكتور بهذا «الاشتراك» بين الرجال والنساء في الحج،
على أمر آخر يريده، وهو تهوين الاشتراك بين الرجال والنساء في حاضرنا اليوم، وبحال
النساء المعروفة المكشوفة المكسوفة! إذا كان الاشتراك في مجال جامع فإذا كان -بحسب
نظره- الاشتراك واقعا في أعظم البقاع المقدسة شرفًا، وفي ركن من أعظم الأركان
عبادة وطاعة وهو الحج، فالاختلاط- كما يفيده كلام الدكتور- في غيره سهل يسير مشروع عند
من لديه فهم وبصر.
واستدل على هذا بقوله: «وقد حاول بعض الولاة باجتهاد منهم تفريق
الرجال والنساء في الطواف، ولكن أهل السنة كانوا يعترضون على تبديل ما كان عليه
الأمر في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، فثبتت السنة، وزال التبديل». انتهى كلام
الدكتور.
وقوله في الاستدلال لدعواه: «حاول بعض الولاة باجتهاد منهم
تفريق الرجال والنساء في الطواف» خطأ في الفهم، أو عدول عن العلم، فإن التفريق بين
النساء والرجال مشروع في الصلاة وفي الطواف أيضًا، وفي الحديث نفسه الذي استدل به
الدكتور هنا وعزاه إلى البخاري وأراد التفريق بين الرجال والنساء في الطواف، ولاشك
أنه رآه وقرأه! بل في آخر كلام الدكتور المنقول قريبًا قوله: «سوى أنهن
كن يتجافين عن الرجال».
وإذا كان التفريق أو الافتراق بين النساء والرجال في الطواف
مشروعًا، فما الذي يقصده الدكتور بالتفريق الذي اعترض أهل السنة عليه لما قام به
أمير مكة؟
وهذا نص الحديث كاملا من «صحيح البخاري» في كتاب الحج ٤٧٩:٣
بشرح الحافظ ابن حجر العسقلاني، قال البخاري فيه: «باب طواف النساء مع الرجال،
وقال عمرو بن علي: حدثنا أبو عاصم قال ابن جريج: أخبرني عطاء -إذ منع ابن هشام
النساء الطواف مع الرجال- قال: كيف يمنعهن وقد طاف نساء النبي صلى الله عليه وسلم
مع الرجال؟- قال الحافظ ابن حجر والعيني: يعني طفن في وقت واحد غير مختلطات
بالرجال.
قلت -ابن جريج: أبعد الحجاب أو قبل؟ قال عطاء: إي لعمري، لقد
أدركته بعد الحجاب، قلت -ابن جريج: كيف يخالطن الرجال؟! قال عطاء: لم يكنّ يخالطن،
كانت عائشة رضي الله عنها تطوف حَجْرَةً- أي ناحية مبتعدة- من الرجال لا تخالطهم،
فقالت امرأة: انطلقي نستلم يا أم المؤمنين قالت: انطلقي عنك! وأبت».
ففي هذا الحديث النص الصريح على أن النساء لم يكن يخالطن
الرجال، وأن عائشة كانت تطوف حَجْرة -أي ناحية مبتعدة- من الرجال لا تخالطهم، فكيف
يستدل الدكتور الفاضل بهذا الحديث على منع التفريق بين النساء والرجال في الطواف؟!
وما أظنه غَبِيَ على الدكتور الفاضل فهم هذا النص الصريح، ولكنه أحب أن يشيد كلامه
فبتر الخبر، وغض عن وجه الدليل المسوق فيه النظر.
وتوضيح ذلك أن الذي أراده أمير مكة ابن هشام من منع النساء
الطواف مع الرجال، إنما هو منع أن يطوف الرجال والنساء في وقت واحد، بمعنى أن
الأمير قرر وأمر أن يطوف الرجال في وقت والنساء في وقت، فهذا
التوقيت لكل فريق منهما بأن يطوف منفردًا عن الآخر هو الذي أنكره عطاء،
واستدل بطواف السيدة عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم مبتعدة عن
الرجال في وقت طواف الرجال.
فالإنكار من عطاء منصب ومتوجه إلى منع طواف النساء مع الرجال في وقت واحد
فقط وليس متوجها إلى منع الافتراق أو التفريق بين الرجال والنساء في الطواف، كما
يفهم من كلام الدكتور أو يوهمه كلامه، وهذه عبارته: «والحج مشترك كما هو
معروف برغم الازدحام الوثيق في مناسكه، وقد حاول بعض الولاة باجتهاد منهم تفريق
الرجال والنساء في الطواف، ولكن أهل السنة كانوا يعترضون على تبديل ما كان عليه
الأمر في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم».
بل الافتراق أو التفريق بين الرجال والنساء في الطواف مطلوب، وهو الذي فعلته
السيدة عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها في خير القرون، كما جاء صراحة في الحديث
المذكور.
ولذا كان قول الدكتور في تمام كلامه السابق: «فثبتت السنة
وزال التبديل: منع محمد بن هشام والي مكة طواف النساء مع الرجال، فقال عطاء: كيف
تمنعهن وقد طاف نساء النبي صلى الله عليه وسلم مع الرجال؟»، كان قوله هذا استدلالا
في غير موضعه وعلى غير الوجه الذي يوحي به أول كلامه، لأن عطاء استدل بطواف نساء
النبي صلى الله عليه وسلم مع الرجال، لدفع أمر والي مكة بتخصيص وقت لطواف الرجال
ووقت لطواف النساء، لا لمنع افتراق أو تفريق النساء عن الرجال في الطواف- كما
يفهم من كلام الدكتور.
والدكتور أورد كلام التابعي عطاء دليلا لقوله وما أراد أن نفهمه
من كلامه، وهو أن الاشتراك بين الرجال والنساء- الاختلاط في الطواف كما يوحي به
أول كلام الدكتور- هو الأمر المشروع. وكلام عطاء ليس صادرًا على هذا المعنى
بالمرة، بل لما قال له ابن جريج: كيف يخالطن الرجال؟ قال له عطاء: لم يكن يخالطن،
كانت عائشة تطوف حَجْرةً من الرجال لا تخالطهم. قال الإمام العيني في كتابه «عمدة
القاري بشرح صحيح البخاري» عند ذكر ما يستفاد من هذا الحديث: «وفيه
طواف النساء من وراء الرجال». انتهى.
هدانا الله جميعًا إلى الحفاظ على شرعه المنيف، ودينه الحنيف،
وتولانا بتوفيقه وعونه وهو الحكيم العليم.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل