العنوان أجاويد المريض يرفض ترك السلطة والائتلاف الحاكم يعارض انتخابات مبكر
الكاتب طه عودة
تاريخ النشر السبت 01-يونيو-2002
مشاهدات 47
نشر في العدد 1503
نشر في الصفحة 36
السبت 01-يونيو-2002
القوميون.. يتطلعون لرئاسة الوزارة.. والأمريكان يتحركون للبحث عن دليل.
تسببت الوعكة الصحية المفاجئة التي ألمت برئيس الوزراء التركي بولند أجاويد (۷۷عامًا) في الرابع من مايو الماضي في تزايد الأصوات المطالبة بتنحيه عن السلطة بسبب تدهور حالته الصحية التي تهدد بالتالي مصالح البلاد، وكان ذلك دافعًا أمام حزب الحركة القومية الشريك الثاني في الائتلاف الحاكم للتلميح إلى استعدادات لتسلم منصب رئاسة الوزراء، وقد فجأ الكاتب في جريدة صباح «ياوز دونت» قنبلة عندما كتب أن سيناريوهات جديدة في أنقرة تدعو إلى تولي دولت باخشلي رئيس حزب الحركة القومية رئاسة الوزراء، في حين يتسلم بولند أجاويد رئاسة البرلمان بدلًا من الرئيس الحالي عمر إزجي، وقد نال هذا السيناريو إعجاب القوميين الذي يتعطشون للوصول إلى السلطة بمفردهم خصوصًا مع إدراكهم أن الفرصة قد لا تتكرر، وسط انخفاض أسهمهم الشعبية، وحين دخل أجاوي المستشفى من جديد، وخيب ظنون أطبائه الذين أعلنوا أن حالته الصحية في تحسن زادت التوجهات الداعية لاستقالة أجاويد بعد عجزه عن إدارة البلاد من على فراشه.
وانتقد رجب طيب أردوغان زعيم حزب العدالة والتنمية بقاء أجاويد في السلطة واصفًا تركيا بأنها «بلا رأس ولا رئيس حكومة»، مطالبًا بالدعوة الفورية إلى انتخابات مبكرة.
الطبيب الخاص لأجاويد أكد أن حالة رئيس الوزراء «غير خطيرة ولا تدعو إلى القلق» لكن عليه أن يلازم المستشفى لإجراء فحوصات، مشيرًا إلى أنه تمت السيطرة على المشكلات التي يعاني منها في جهازه العصبي، رغم ذلك، فشلت هذه التصريحات في خفض وتيرة المناقشات الحادة التي عمت الساحة السياسية في أنقرة، الأمر الذي دفع حزب اليسار الديمقراطي الذي يتزعمه أجاويد إلى وصف الشائعات التي ترددت في الفترة الأخيرة بأنها خيانة للوطن، ويخشى اليسار من خسارة مركزه بعد انخفاض أسهمه الشعبية في الفترة الأخيرة إثر عجز الحكومة التي يتولى القسم الأكبر منها عن الإيفاء بالوعود التي قطعتها للمواطنين قبل انتخابات الثامن عشر من إبريل ۱۹۹۹م وكذلك عجزه عن التصدي للأزمات المتعاقبة التي تعرضت لها البلاد بداية بالزلازل المدمرة التي عصفت بالبلاد في الربع الأخير من عام ١٩٩٩ مرورًا بالأزمة الاقتصادية في التاسع عشر من فبراير من العام الماضي والتي أدت إلى تعويم الليرة التركية وانخفاض قيمتها أمام الدولار الأمريكي، لذا فقد لجأ حزب اليسار على نهج سياسة السرية بطرحه خطة جديدة تتلخص في تنحي أجاويد عن رئاسة الحزب مع الاستمرار في مداولة عمله في رئاسة الوزراء، وهكذا يضمن الحزب المكانة التي تحتلها في البلاد منذ ثلاث سنوات، وعلى الصعيد الآخر يستعد للانتخابات التشريعية العامة التي من المقرر إجراؤها في عام2004.
ويتخوف الكثيرون من أن يؤدي رحيل أجاويد من المسرح السياسي إلى تفكك الائتلافية الحالية التي مضت عليها ثلاث سنوات، وفي حال رحيله، فإن خليفته المؤكد يكون باخشلي زعيم حزب الحركة لقومية الذي يمتلك مقاعد في البرلمان مساوية تلك التي يمتلكها حزب اليسار وهو ما يؤهله المطالبة برئاسة الوزراء، غير أن هذا التطور من شأنه إثارة اعتراضات اليسار إضافة إلى الشريك الثالث الأصغر، حزب الوطن الأم لسبب مواجهتهما مع القوميين بشأن خطط الإصلاح الاقتصادي.
ووسط هذه الضجة نفت الحكومة تفكيرها في إجراء انتخابات مبكرة، ودعا أجاويد إلى عدم الاكتراث بما سماه الإشاعات التي يصفها بأنها مضيعة للوقت وستؤدي إلى هدم ما قامت بتشييده الحكومة الـ ٥٧ الحالية في الشهور الأخيرة، في وقت لم تصدر تصريحات واضحة من حزب الحركة القومية.
في المقابل قلل مسعود يلماظ نائب رئيس الوزراء وزعيم حزب الوطن الأم من خطورة وضع أجاويد، مؤكدًا أنه لن يحصل فراغ في سلطة خلال بقائه في المستشفى، وقال: «من الممكن لأي كان أن يمرض، سيرتاح رئيس الوزراء ويعمل من المستشفى»، ويهدف يلماظ من وراء هذه التصريحات إلى قطع الطريق أمام حزب الحركة القومية الذي يطمح إلى الوصول للسلطة، علمًا بأنه يوجد تباين فكري بين الحزبين الشريكين في الائتلاف الحاكم إذ يدعو حزب الوطن الأم إلى ضرورة التخلص مما يعتبره وصمة عار ملصقة على جبين تركيا وهي عقوبة الإعدام من أجل الإسراع في نيل العضوية الكاملة في الاتحاد الأوروبي، وفي المقابل يعرقل حزب الحركة القومية الجهود الرامية للانضمام إلى الاتحاد مطالبًا بإعدام عبد الله أوجلان زعيم منظمة حزب العمال الكردستاني المحكوم عليه بالإعدام والمعتقل في جزيرة إمرالي النائية منذ عام ۱۹۹۹م.
ولعل نقل رئيس الوزراء أجاويد إلى المستشفى للمرة الثانية خلال شهر أدى إلى تفعيل التكهنات المتعلقة بضرورة إجراء الانتخابات المبكرة، الأمر الذي أثر على الأسواق المالية التي تعاني من أزمة مالية خانقة لم تستطع الخروج منها منذ فبراير الماضي، وترى الأحزاب المعارضة «السعادة الإسلامي- الطريق القويم- العدالة والتنمية» ضرورة التعجيل بإجراء الانتخابات لإنقاذ ما يمكن إنقاذه في البلاد.
ويقول عبد الله جل نائب زعيم حزب العدالة والتنمية إن الانتخابات اقتربت، فيما طالبت تانجو تشيللر زعيمة حزب الطريق القويم بسرعة إجراء الانتخابات، وشاطرها الرأي دنيز بايكال زعيم حزب الشعب الجمهوري، ولم يأت هذا الاقتراح من أحزاب المعارضة فحسب، بل إن كمال درویش وزیر الاقتصاد الذي أحضره أجاويد بنفسه خصيصًا من الولايات المتحدة لمعالجة الاقتصاد التركي بعد الأزمة المالية الأخيرة التي عصفت بالبلاد قال إن الانتخابات المبكرة لن تؤثر على الوضع الاقتصادي، كما أن درويش اجتمع قبل فترة مع السفير الأمريكي في أنقرة روبرت ربيسون من أجل تحديد خليفة لأجاويد، ولأول مرة في تاريخ الجمهورية التركية انعقدت قمة زعماء الائتلاف الحكومي في المستشفى للنظر في عدد من الملفات، وقال بيان صدر في ختام الاجتماع إن «الحكومة تواصل عملها بانسجام، والأحزاب المشاركة بالائتلاف الحاكم لا تفكر بإجراء أي انتخابات مبكرة».
وأكد البيان أن من مصلحة البلد والاقتصاد الوطني أن ينتهي الجدل بشأن الانتخابات المبكرة، مضيفًا أن الحكومة تعتزم المضي قدمًا في مناقشة سلسلة من التشريعات الجديدة في البرلمان في يونيو الجاري، وأشار إلى أن الاجتماع تطرق أيضًا إلى الإصلاحات الدستورية التي يتوجب على أنقرة تنفيذها لضمان الانضمام لعضوية الاتحاد الأوروبي والمتعلقة بإلغاء عقوبة الإعدام ورفع الحظر عن استخدام اللغة الكردية في التعليم والبث الإذاعي، وقد خيبت هذه القمة ظنون المحللين والمراقبين السياسيين الذين كانوا يتوقعون أن يعلن أجاويد عن اختيار خليفة له، ومن أقوى الأسماء التي ترددت في هذا المجال نائب أجاويد وذراعه الأيمن حسام الدين أوزكان، على الصعيد الاقتصادي لم يكترث صندوق النقد الدولي بالوضع السياسي الذي يسود تركيا، مؤكدًا أن ذلك يجب ألا يشكل عائقًا أمام الاستمرار في تطبيق البرنامج الاقتصادي لتركيا، فيما سخر محمد أوكتان الكاتب الصحفي في جريدة يني شفق الإسلامية من العناوين التي نشرتها الصحف حول صحة أجاويد فقال: «الصحف كتبت أن أجاويد بخير لمجرد أنه أطل من نافذة المستشفى ولوح بيده للصحفيين فيما قالت شبكات التلفاز إن البلاد ما زالت بخير، ويا للعار! ما هذا الذي يجري في بلادنا؟ ألم نخجل من أنفسنا ونحن نخدع أنفسنا بأنفسنا؟.. إلى متى سنبقى هكذا في سباتنا العميق»؟.
وتجدر الإشارة إلى التدارك اليهودي لمرض رئيس الوزراء التركي، إذ سارع الاحتلال إلى استغلال الفرصة وتسييسها لصالح توثيق علاقاته مع تركيا، وضرب رئيس الوزراء الصهيوني شارون على الوتر الحساس بالاتصال شخصيًا بأجاويد للاطمئنان على صحته وبالطبع على المصالح اليهودية في تركيا التي تشرف عليها الحكومة والجيش برعاية تامة، دون أن يبادر غيره من الزعماء إلى ذلك، وهكذا نصل إلى نتيجة موجزة بأن تركيا التي تعاني من مرض مزمن خاضعة لرجل مريض يحكمها من على فراش المرض في وقت تتخبط فيه السياسة التركية الداخلية والخارجية على حد سواء.