; هجرة اليهود الروس " المشروع الصهيوني " هواجس وإرهاصات | مجلة المجتمع

العنوان هجرة اليهود الروس " المشروع الصهيوني " هواجس وإرهاصات

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 20-فبراير-1990

مشاهدات 61

نشر في العدد 955

نشر في الصفحة 20

الثلاثاء 20-فبراير-1990

 

إنهم يقتلون القتيل ويمشون في جنازته... ينطبق هذا القول تمام الانطباق على مواقف الأمريكيين والسوفييت في قضية تهجير اليهود السوفييت وتوطينهم في أرض فلسطين المحتلة... وإلا كيف يتسنى لنا أن نفهم البيانات والتصريحات التي صدرت عن بعض الرسميين هناك... ففي موسكو صدرت الصحف الرسمية مستنكرة على العدو الصهيوني مساعيه في توطين اليهود السوفييت في الأرض المحتلة، يعني «الضفة الغربية وقطاع غزة». وقد عبرت عن ذلك وكالة نوفوستي وصحيفة «سوفيتسكايا روسيا» اليومية مبررة لما نصه: «إن مخطط تل أبيب الهادف إلى توطين اليهود السوفييت في الأراضي العربية المحتلة، يعد انتهاكًا صارخًا للقوانين الدولية وقواعد حقوق الإنسان». هكذا تصرح الأجهزة الإعلامية، أما واقع الأفعال فيؤكد على أن الهجرة سوف تستمر حتى يبلغ تعداد المهاجرين مليون يهودي سوفييتي. وأما واشنطن و«السادة الأمريكيون» فإنهم قد صرحوا بواضح القول بأنهم يرفضون توطين اليهود السوفييت في الضفة والقطاع، وأضافوا لا فض فاه كبيرهم بأن المعونة الأمريكية لن تُخصص لتوطين اليهود السوفييت... وهذا شرط جزائي صيغ خصيصًا من أجل «الوفاء» للصداقة الأمريكية - العربية «فليهنأ أصدقاء أمريكا وليميروا قومهم!؟»

إن تهجير اليهود السوفييت إلى أرض فلسطين جريمة تكاد أن توازي جريمة زرع الكيان الصهيوني نفسه في فلسطين. ونظرًا لقداحة إثمها، فقد تواطأ الأمريكيون والسوفييت على إخراجها على هذا النحو الفج... ودون مراعاة لأبسط الأعراف الدولية وقوانين ولوائح الأمم المتحدة... غير أن الغريب في الأمر هو هذا الموقف العربي الموحد المتراوح بين إرسال برقية استنكار «شديدة اللهجة والدعوة لعقد قمة عربية لتحصل في خاتمة المطاف على قرارات إدانة شديدة اللهجة!» أيضًا... ولعل هذا ما طمأن العملاقين في تواطئهما ضد الحق العربي وأوحى لإعلامهم باستعارة لغتنا في استنكار الجزئية المتعلقة بالتوطين في الضفة والقطاع، أو «الأراضي العربية المحتلة» على حد تعبيرهم... وهكذا تنتهي المسألة بأن أصدرنا كلامًا مقابل جريمة نكراء، فأصدروا لنا كلامًا والجريمة سارية المفعول... وأما ما تبقى من الغريب العربي الذي لا تنقضي عجائبه فهو موقف بعض الكتاب العرب «وجهادهم» من أجل ستر فضيحة الصديق السوفييتي تحت شعار «إن الله أمر بالستر!».

فعل وردود

إن هجرة اليهود السوفييت إلى فلسطين المحتلة ليست قرينة عصر «البرويسترويكا»، وإنما هي تدفق موقوت بالحالة السكانية للمشروع الصهيوني... وللعلم، فقد اهتم مخطط «التسكين» والتهجير بتركيز العنصر الأوروبي في الستينيات، تَحَرُّزًا من هيمنة اليهود الشرقيين، حتى إذا جاءت سنة 1968 بدأ مشوار التهجير السوفييتي بخطوات محسوبة «13 ألفًا»، وكانت تتوافق مع مراحل الوفاق وتسكين الحرب الباردة، أو هكذا تبدو في وجهها المعلن. وأما الانفراج فقد غدا «إعادة بناء» و«نقد ذاتي»، وأصبح التهجير قضية أخرى اتسعت لها الحاجة بعد ترتيب الوضع الداخلي بشكل يتناقض مع الترتيبات الخارجية، فالداخل يقول: المشروع الصهيوني يتطلع إلى بناء إسرائيل الكبرى التي تلتهم أطراف جيرانها، وأما الخارج فيردد مفردات تقسيم الأرض إلى دولتين وتحقيق السلام. وحتى لا يُضار المشروع الصهيوني «بزعم» مشاريع السلام الوهمي منها والتسويفي، فإن آلية التهجير استأنفت نشاطها... ووفقًا لمخططات المشروع الصهيوني في فلسطين، فقد بدأت الدعوة لتهجير اليهود السوفييت في عام 1984 عندما قال شيمون بيريز: «إن من الخير للسوفييت أن يعمل لتهجير اليهود إلى إسرائيل». واتبعت هذه الدعوة دراسة مستفيضة نشرتها «يديعوت أحرونوت» في عام 1987 تحت عنوان «إسرائيل عام 2000»، خلصت من خلالها إلى ضرورة تهجير اليهود السوفييت ومعالجة حالة الإحباط الناتجة عن تقاعس الهمة لدى يهود الغرب الذين أخرتهم حياة الغرب عن «فريضة» الهجرة إلى «أرض الميعاد»، سيما وأن يهود الاتحاد السوفييتي يشكلون ثاني أكبر تجمع لليهود خارج فلسطين المحتلة.... إذ إن أكبر جالية توجد في الولايات المتحدة الأمريكية وتقدر بنحو 6 ملايين، وأما في الاتحاد السوفييتي فيقدرون بـ 2 مليون. ويساعد على تهجير اليهود السوفييت شعورهم التاريخي بالاضطهاد ومعاناتهم التي خاضوا بعض غمارها في محاولات التذويب التي مارسها ستالين إبان عهد الشيوعية «الزاهر».

وفي المقابل، وعلى الرغم من وضوح عمليات التهجير السابقة واللاحقة ودور الاتحاد السوفييتي «العظيم» فيها، إلا أن بقايا الرفاق وبقايا الأصدقاء سعوا جاهدين لإقناعنا بأن المسألة، أي «تهجير وتوطين اليهود»، لا تعدو مجرد خطأ نحن المسؤولون عنه، أما كيف؟! فإن المنطق «الرفاقي» يُسعِف أتباعه بأن الاتحاد السوفييتي «المظلوم» وقع ضحية «مؤامرة» دولية تبنتها الإمبريالية العالمية وساعد العرب فيها حينما نادى الغرب ورددنا معه «دون وعي» بضرورة احترام حقوق الإنسان في الاتحاد السوفييتي. وقد تورط الكاتب أحمد بهاء الدين في هذا «المنطق الرفاقي» دون أن يفطن إلى هلامية تلك الحجج واهترائها واعتمادها على تبسيط الصراع الحضاري والدولي في اختزاله في جزئية لا تقبل التعميم تنص في بداياتها على أن حقوق الإنسان ليست وقفًا على الإنسان اليهودي وليس لها علاقة بالإنسان في باكو... وأما إن منطق المتغيرات السياسية لا يسعف تلك الحجج «الرفاقية»، فضلًا عن أن القضية تُقاصر منطق الرفاق أبدًا عنها، فالمشروع الصهيوني في فلسطين جاء لتدمير الحضارة الإسلامية ووقف كل خطوة تطرح إمكانية استئنافها... وهم أي الرفاق ظلوا عهدًا من الزمان يضللون الأمة ويرددون دونما وعي بأن «إسرائيل» زرعتها الإمبريالية الدولية لوقف انتصارات الأممية الدولية ولضرب الاتحاد السوفييتي «العظيم!».

مراهنة

إن إلقاء اللائمة على الأمة العربية وإظهار الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة يُظهِر البراءة أو الأصالة الطبيعية – كما حاول بعض الكتاب - لا ولن يحل قضيتنا مع المشروع الصهيوني والرامي إلى إغراق المنطقة من أدناها إلى أقصاها. ألا ترى أن وقائع الزمان تثبت هذا؟ وإن شئت فاسترجع الحرص اليهودي على تدمير المفاعل النووي في باكستان، والعمل المستميت مع إثيوبيا من أجل السيطرة على منابع النيل الأزرق «85% من مياه النيل»، وإرسال الخبراء والسلاح والمرتزقة لتدريب قوات جون قرنق المتمردة في جنوب السودان إلخ.... وإزاء هذه الحقيقة الساطعة التي لا تقبل المداراة، فإن الأمة العربية والإسلامية عليها أن تدرك بأنها في مواجهة عدو يقظ يدرك إمكانياته ويستخدمها بصورة مثلى، ويعلم ثغرات أعدائه «يعني العرب!» فيستغلها... وهو فوق هذا وذاك ليس أسطورة لا تُهزَم ولا قدر محتوم على رؤوسنا، وإنما يمارس حقائق الكون بصورة علمية ويضع أولوياته وفق مخططات محددة في مقابل حالة التردد الدائم التي يلقاها من قِبَل الدول العربية والإسلامية. وإن كان مخطط المشروع قد دخل مرحلة جمع الشتات الثابتة تمهيدًا لمراحل توسعية قادمة، فالإجابة الواجبة هي إعادة تحرك الأمة وفقًا لحجم التحدي المطروح. وحتى لا تقع فريسة الخيال الجامح، على الدول العربية اتخاذ قرارات التنفيذ في إحياء جبهات القتال و«التنازل» طواعية عن وهم الحلول السلمية التي آمنت بالتنازل أصلًا قبل أن تبدأ خطوات التفاوض، وإحياء جبهات القتال والاستعداد لمعارك طويلة تمليه إمكانية المبادأة في تعويق خطط المشروع الصهيوني والتي سوف تطال في المستقبل القريب كلًا من الأردن ولبنان ومصر وسوريا كما ذكر الملك حسين في خطابه في مطلع الشهر الجاري. وقد علمتنا الأحداث السابقة وعملية التهجير والتوطين الجارية بأن العالم كله يُقِر الأطماع الصهيونية في منطقتنا، وإن كان شكليًا يتبرع بإصدار بعض البيانات الاستنكارية.... وتذكروا كيف تعاملت أمريكا مع السادات حين أعلن سحق الدفرسوار وهددته بقطع القمح، وكيف تتعامل مع الكيان الصهيوني سابقًا وحاليًا. وبما أن الاتحاد السوفييتي في طريقه إلى «التقوقع»، فلم يبق له سوى الاعتماد على الذات مما يحتم إذكاء روح التضامن وتنسيق المواقف ونكران الذات الإقليمية من أجل إحياء الوحدة العربية الإسلامية المعتصمة بكتاب الله، فالصراع في أصوله صراع حضاري ديني: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ (البقرة:120) صدق الله العظيم.

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2

4367

الثلاثاء 24-مارس-1970

فلسطين