العنوان آفاق الرفسنجانية في العهد الإيراني الجديد
الكاتب هشام أبو محمود
تاريخ النشر الثلاثاء 05-سبتمبر-1989
مشاهدات 67
نشر في العدد 931
نشر في الصفحة 14
الثلاثاء 05-سبتمبر-1989
آفاق
الرفسنجانية في العهد الإيراني الجديد
في التاسع عشر من شهر أغسطس الحالي قدم
علي أكبر هاشمي رفسنجاني إلى البرلمان قائمة بأسماء التشكيلة الحكومية المقترحة والتي
ضمت 22 وزيرًا من بينهم اثنا عشر وجهًا جديدًا، وبتقديم رفسنجاني لهذه القائمة يكون
قد أفصح عن مستقبل السياسة في إيران.
من هو رفسنجاني؟
من مواليد عام 1935 في مدينة رفسنجان جنوب
شرقي إيران وهو من أسرة غنية وكان والده مزارعًا للفستق وقد تلقى تعليمه في مدينة قم
على يدي الإمام الخميني ونتيجة لذلك فقد قام بعدة مواقف معارضة لنظام الشاه مما جعله
يتعرض للسجن عدة مرات.
تعتبر شخصية رفسنجاني من الشخصيات ذات التنوع
الثقافي والقيمي وصاحب تجارب عديدة اكتسبها من البيئات المختلفة التي عاش فيها، فهو
من ناحية يعتبر مفاوضًا ممتازًا ومساومًا بارعًا اكتسبها من البيئة التجارية التي تربى
فيها، وهو من ناحية أخرى صاحب ثقافة دينية اكتسبها من الحوزة الدينية، كما أنه مطلع
على علوم العصر وآفاق التجارب الإنسانية شرقيها وغربيها، لذلك استطاع رفسنجاني السير
في ركاب الثورة الإيرانية منذ ولادتها وإلى أن أصبح رئيسًا للجمهورية الإسلامية الإيرانية.
كان لقرب علي أكبر هاشمي رفسنجاني من الإمام
الخميني الدور البارز في صعود نجمه السياسي إذ إنه بدأ من الثورة وزيرًا للداخلية ثم
تلاه مباشرة إلى منصب رئيس مجلس الشورى (البرلمان) منذ العام 1980 وحتى تاريخ أدائه
القسم رئيسًا للجمهورية، هذا بالإضافة إلى توليه منصب القائد العام للقوات المسلحة
في يونيو 1987 خلفًا للرئيس السابق علي خامنئي.
استطاع رفسنجاني خلال الفترة التي تولى
فيها رئاسة البرلمان وقيادة الجيش أن يحقق العديد من الإنجازات والتي تمثلت في عقد
العديد من المفاوضات الثنائية المثمرة مع دول كبرى كاليابان وألمانيا الغربية وفرنسا
بالإضافة إلى الاتحاد السوفياتي في ربيع هذا العام، كما أنه استطاع تجاوز القيادات
الإيرانية وإقصاءها من الساحة السياسية بدءًا بأول رئيس وزراء -مهدي بازركان، وبني
صدر وأخيرًا آية الله منتظري وعلي خامنئي، هذا ويعتبر الرئيس رفسنجاني أول رئيس يتمتع
بسلطات تنفيذية كاملة خولها له الدستور المعدل كما أنه يمتاز بالذكاء والدهاء السياسي،
وقد تميز أول خطاب ألقاه بعد توليه منصب الرئيس بالواقعية والعملية وهي عوامل يحتاج
إليها السياسي الحصيف.
الصراع الداخلي:
يتميز الصراع الداخلي في إيران اليوم بتبلوره
في عدة محاور أهمها الذي يعكس الرؤية الأيديولوجية والرؤية الاقتصادية، فآلية الصراع
الاقتصادي تتجسد بين أنصار خط الإمام المتشدد وبين أنصار الخط العملي، هذا ويمثل الخط
الأول نجل الإمام الخميني أحمد ويؤيده علي أكبر محتشمي وزير الداخلية السابق، وهذا
الخط ينادي بالاعتماد على اقتصاد تملكه الدولة وينبغي أن يقوم به رجال أكفاء، كما أنه
يتميز بالعدالة الصارمة ويكتسي بمناهضة الاستغلال، أما أنصار الخط العملي والذي يؤيده
رفسنجاني فينادون بدور أكبر للقطاع الخاص مع إشاعة الحريات الفردية والاستفادة من رأس
المال الأجنبي والخبرة الأجنبية، هذا من ناحية الصراع الاقتصادي.
أما من ناحية الصراع الأيديولوجي فهو أيضًا
يعكس المحاور التي يدور حولها التفكير المستقبلي لإيران.. الرئيس هاشمي رفسنجاني يتزعم
الرؤية المعتدلة للثورة الإيرانية وهو يحاول أن يستلهم مبادئ الإمام مع إحداث بعض التغييرات
في الوسائل والأهداف، لذلك نجده يسعى لإعادة التوازن بين الحس الثوري والحس الواقعي،
ويقابل هذا الخط جماعة أنصار الثورة والمبادئ الخمينية وعلى رأسهم أحمد الخميني وعلي
أكبر محتشمي ومحمد ريشهري وزير المخابرات السابق.
•
الإفرازات
الدستورية والتشكيلة الحكومية:
كلف الإمام الخميني مجلس الحكماء والذي
كونه من خمسة وعشرين شخصًا وذلك للاضطلاع بتعديل الدستور وزودهم بتعليمات تقضي بتعزيز
السلطة التنفيذية دونما تمديد لصلاحيات وسلطات رئيس الجمهورية حتى لا يصير ديكتاتورًا
بمرور الأيام، لذلك فقد كان من ضمن التعديلات الدستورية والتي بلغت أكثر من أربعين
تعديلًا أن رئيس الجمهورية مسؤول أمام الشعب والمرشد والبرلمان، وينبغي على الرئيس
استشارة مجلس الشورى خلال ولايته والحصول مجددًا على ثقته إذا جرى البحث في أمور مهمة
ومثيرة للجدل، وأيضًا يحق لمجلس الشورى استجواب الرئيس بناء على طلب ربع النواب، وإذا
لم تكن شروحات الرئيس مقنعة للمجلس يمكن تقديم اقتراح يحظى بغالبية ثلثي النواب إلى
مرشد الثورة لعزل الرئيس.
إن تشكيل الحكومة يتجه لصالح الخط الذي
يدعمه رفسنجاني نفسه ويتضح ذلك من عدم إشراك علي أكبر محتشمي وزير الداخلية السابق
والرجل القوي الذي يدعم خط الإمام المتشدد، إلا أن الأمر لم ينته بعد على هذا الوضع،
إذ إن فوز مهدي خروبي برئاسة البرلمان -وهو رئيس مؤسسة الشهداء سابقًا- أتاح فرصة للخط
المتشدد في إبداء رأيه بقوة، خاصة وأن غالبية أعضاء مجلس الشورى من المتشددين، وقد
انعكس هذا الاختيار على عدم البت فورًا في التشكيلة الحكومية مما يعكس التحفظات تجاه
إقصاء علي أكبر محتشمي والذي نادى حوالي 136 عضوًا من جملة 270 من أعضاء البرلمان بضرورة
الإبقاء عليه في منصبه هذا على الرغم من مباركة المرشد لرفسنجاني والدعوة له بالتوفيق.
وقد ذكر راديو طهران أن الرئيس رفسنجاني
شكل حكومته في ضوء السياسات التي ستنفذ في المرحلة الجديدة من الثورة بدون أي اعتبارات
سياسية وهذا يعتبر مؤشرًا على قوة موقف رفسنجاني وتجنيده لكل الإمكانيات المتاحة بقصد
تمرير سياسته المرتقبة.
ولذلك نلاحظ أن الصحف كتبت قائلة: «إن تشكيل
الحكومة الجديدة يعكس استقلال وتصميم رفسنجاني وأنه أخذ في الاعتبار واقع المجتمع الإيراني»
وإلى أن يتم إجازة حكومة رفسنجاني الأولى فيمكن القول إن الطريق ممهد أمام الرئيس للسيطرة
على الأمور وإنفاذ السلطات والصلاحيات المخولة له بموجب الدستور.
•
أثافٍ ثلاث:
أمام حكومة الرئيس رفسنجاني ثلاث مشاكل
رئيسية هي:
1- العلاقات الخارجية.
2- الأزمة الاقتصادية.
3- بناء المؤسسة العسكرية.
العلاقات الخارجية:
لقد عانت السياسة الخارجية الإيرانية من
العزلة وذلك نتيجة انتهاج خط متشدد في التعامل مع الدول الغربية والعمل بمبدأ تصدير
الثورة لدول الجوار.
أما فيما يتعلق بالعلاقات مع الغرب فقد
صرح رفسنجاني في خطاب الولاية بأنه سيستمر في خط الإمام الثابت وهو «لا شرقية ولا غربية»
إلا أنه استدرك موضحًا أن هذه السياسة لا تعني قطع العلاقات مع الشرق والغرب وإنما
تعني الحفاظ على علاقات صحية مع القوى الخارجية.. وقد سبق لرفسنجاني أن طرح في برنامجه
الانتخابي بصدد السياسة الخارجية قائلًا: «تقوم السياسة الخارجية على أساس أن إيران
ستظل ملتزمة بمبادئها الأساسية التي رسمها الإمام الخميني وأنها ستعمل على تحسين علاقاتها
في المنطقة بالشكل الذي لا يسمح للقوى الدولية بالتدخل في المنطقة إضافة لالتزامها
بتطبيق القرار الدولي رقم 598 بشأن النزاع العراقي الإيراني، وإن حالة اللاحرب واللاسلم
ليست في مصلحة أحد».
ولعل الرئيس رفسنجاني سبق في تنفيذ سياسته
الخارجية وذلك منذ الاتفاقيات الثنائية التي أجراها مع العديد من الدول وخاصة الاتحاد
السوفياتي وأخيرًا بمحاولات إنهاء أزمة الرهائن ومحاولات الدخول مع أميركا في حوار
مباشر دون وسائط لإطلاق سراح الرهائن في مقابل الإفراج عن الأرصدة الإيرانية المجمدة.
أما على صعيد مبدأ تصدير الثورة، فيبدو
أن رفسنجاني عازف عن إعمال هذا المبدأ، فقد صرح قائلًا: بدلًا من تصوير الإيرانيين
على أنهم «جهلة» و«إرهابيون» يتعين على الإيرانيين «تصدير الثورة» عن طريق «المشاركة»
في جميع النشاطات الدولية من الأمم المتحدة إلى الألعاب الأولمبية، إلا أن أنصار الخط
المتشدد بزعامة أحمد الخميني ومحتشمي لا يزالون ينادون بتصدير الثورة، ولكن بعد التشكيلة
الحكومية الجديدة قد يجدون صعوبة في القيام بتصدير هذه الثورة مما يؤدي بدوره إلى اتزان
السياسة الخارجية للدولة الإيرانية.
•
الأزمة
الاقتصادية:
إن الحرب التي استمرت لمدة ثمانية أعوام
بين العراق وإيران أنهكت البنية الاقتصادية لإيران مما جعل الرئيس رفسنجاني يطرح في
برنامجه الانتخابي تصورًا لحل الأزمة الاقتصادية وذلك بـ:
1- تطوير مصادر إيران من الغاز
الطبيعي من أجل الاستهلاك المحلي وأيضًا توفير 700 ألف برميل نفط يوميًا للتصدير.
2- تشجيع وتقوية التعليم وخاصة
تعليم النساء، وتدريب الفنيين في كافة المجالات.
3- إحياء الزراعة الإيرانية واستغلال
مصادر المياه بكفاءة أفضل.
4- الانتهاء بسرعة من بناء مصانع
البتروكيماويات التي خطط لها سابقًا.
5- القضاء على مصادر الفساد الرئيسية
في البلاد.
فإذا استطاعت حكومة رفسنجاني أن تنفذ هذه
الطموحات فيمكن لإيران أن تقف اقتصاديًا من جديد إلا أن الأمر يحتاج إلى قروض كبيرة
لا تتوافر إلا في الغرب وكذا الخبرة اللازمة والتي افتقدتها إيران كثيرًا طوال سنوات
الحرب مما يستدعي ربطًا بين العلاقات الخارجية والوضع الاقتصادي المرتقب.
المؤسسة العسكرية:
بطبيعة الحال فإن الحرب التي توقفت في العام
الماضي بين العراق وإيران أدت إلى ضعف المؤسسة العسكرية والتي كانت سادس قوة في العالم،
لذلك فإن رفسنجاني يسعى لبناء المؤسسة العسكرية وتوحيدها وذلك بدمج الجيش مع الحرس
الثوري، فقد طلب رفسنجاني من البرلمان دمج القوات المسلحة وفصائل الحرس الثوري في وزارة
واحدة يطلق عليها -وزارة الدفاع والإمدادات- واقترح لرئاستها أكبر توركان الذي يتولى
الآن رئاسة الصناعات الدفاعية في إيران.
إن المهام التي أمام الرئيس رفسنجاني جسيمة
وهي تحتاج إلى حنكة ومهارة شديدتين وذلك لتجاوز آثار التيار الراديكالي وأيضًا لخلق
أرضية مشتركة مع الدول الخارجية حتى يتيح لإيران النمو في ظل ظروف أفضل بعيدًا عن التشنجات
الثورية والأفكار التي ربما قد تكون زالت بزوال المؤسس.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل