; قيمة التاريخ (1 من 7 ) | مجلة المجتمع

العنوان قيمة التاريخ (1 من 7 )

الكاتب ا. د. عماد الدين خليل

تاريخ النشر السبت 04-مارس-2006

مشاهدات 72

نشر في العدد 1691

نشر في الصفحة 66

السبت 04-مارس-2006

في ختام سورة يوسف، نقرأ هذه الآية: ﴿لَقَد كَانَ فِي قَصَصِهِم عِبرَة لِّأُوْلِي ٱلأَلبَٰب مَا كَانَ حَدِيثا يُفتَرَىٰ وَلَٰكِن تَصدِيقَ ٱلَّذِي بَينَ يَدَيهِ وَتَفصِيلَ كُلِّ شىءٖ وَهُدى وَرَحمَة لِّقَومٖ يُؤمِنُونَ  ( يوسف: 111 ). 

فها نحن إذن قبالة التعامل مع التاريخ بكل ما ينطوي عليه هذا الفرع المعرفي من شروط، فالسرد التاريخي في المنظور القرآني يستهدف البحث عن العبرة، أي الجوهر والمغزىٰ، وهو خطاب موجه لذوي البصيرة القادرين على سبر هذا المغزى والإفادة منه في واقع حياتهم والتخطيط لمستقبلهم وليس لذوي المصالح والتحزبات والأهواء، وهو أيضًا حديث يحمل مصداقيته المطلقة المنبثقة عن علم الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، والذي وسع كل شيء علمًا, فهو إذن ليس رجمًا بالغيب، كما أنه ليس أهواء وظنونًا، كما هو الحال في العديد من الأعمال التاريخية. 

فإذا مضينا لمطالعة القرآن الكريم كله فإننا سنجد كتاب الله يخصص مساحات واسعة قد تزيد على نصف القرآن للخبر المتحقق في الماضي، أي للتاريخ. إن قصص الأنبياء والشهداء والقديسين .. أخبار الأمم والشعوب والجماعات والقرى .. حلقات الصراع الطويل بين الحق والباطل .. كلها في نهاية الأمر عروض تاريخية تغذي هذا الفرع المعرفي بالمزيد من الإضاءات والمفردات.

والتعامل القرآني مع التاريخ يأخذ أيها الإخوة صيغًا مختلفة تتدرج بين العرض المباشر والسرد القصصي لتجارب عدد من الجماعات البشرية، وبين استخلاص يتميز بالتركيز والكثافة للسنن التاريخية التي تحكم حركة الإنسان في الزمن والمكان أى في التاريخ, فإذا ما أضفنا إلى هذا وذاك تلك الآيات والمقاطع القرآنية التي يحدثنا عنها المفسرون في موضوع أسباب النزول، والتي جاءت في أعقاب عدد مزدحم من أحداث السيرة لكي تعلق وتفند وتلامس وتبني وتوجه وتصوغ، استطعنا أن نتبين أكثر فأكثر أبعاد المساحات الكبيرة التي منحها القرآن الكريم للتاريخ. 

إن جانبًا كبيرًا من سور القرآن وآياته البينات ينصب على إخطار البشرية بالنذير الإلهي وينبثق عن رؤية وتفحص التاريخ، وإن أشد نداءات المفكرين المعاصرين عمقًا وتأثيرًا تلك التي تحدثنا عما يحيط بالمسيرة البشرية في حاضرها ومستقبلها من أوضاع وما تتطلبه من شروط وتنبثق هي الأخرى عن رؤية التاريخ. 

وأنتم إذا نظرتم إلىٰ التجارب الأوروبية المتلاحقة في عالمي الفكر والحياة لرأيتموها تمد جذورها إلى أعماق التاريخ باحثة عن المبررات والحجج والأسانيد متطلعة إلىٰ الصيغة الأكثر انسجامًا مع مطالب المسيرة البشرية صوب المستقبل، وليست تجارب الثورات الفرنسية والعسكريات الألمانية، والاشتراكيات الطوباوية والماركسية والنظام العالمي الجديد الأكثر حداثة، إلا شواهد فحسب على مدى الارتباط بين الفكرة والتجربة المعاصرتين وبين الرؤية التاريخية. 

وأنتم تلحظون عبر تعاملكم مع كتاب الله كيف تتهاوى الجدران بين الماضي والحاضر والمستقبل .. كيف يلتقي زمن الأرض وزمن السماء .. قصة الخليقة ويوم الحساب .. عند اللحظة الراهنة، حيث تصير حركة التاريخ، التي يتسع لها الكون حركة متوحدة لا ينفصل فيها زمن عن زمن ولا مكان عن مكان وحيث تغدو السنن والنواميس المفاتيح التي لابد منها لفهم تدفق الحياة والوجود، وتشكل المصائر والمقدرات.

ولكم أن تتصوروا أيها الإخوة الأحبة بعد هذا كله القيمة البالغة التي أولاها كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ( [2])، لأحداث الماضي ذات الدلالة .. أي للتاريخ، والاهتمام بالتاريخ يجب ألا ينصرف فقط إلىٰ المهمات الدراسية الصرفة والحصول على شهادة التخصص أو ضمان وظيفة ما، كما حدث ويحدث عبر العقود الأخيرة كما أنه ليس مجرد فرصة يمنحها الإنسان نفسه للحصول على المتعة أو تزجية أوقات الفراغ كما يتوهم الكثيرون .. فضلًا عن أن الاهتمام بالتاريخ ليس مجرد محاولة للتعلق بأمجاد الماضي واغفال تحديات الحاضر ومطالب المستقبل أو الهروب منهما بعبارة أخرى.

 ولقد كانت هذه الخطيئة تمارس للأسف الشديد وعلى نطاق واسع وزمن الصدمة الاستعمارية، فكان المسلم يدير ظهره للمجابهة المفروضة عليه وييمم وجهه صوب أمجاد الماضي وأنواره يتغنى بها ويسد في نفسه نقصًا لم يكن له أي فضل في ملئه([3]).

 

([1]) كاتب ومفكر إسلامي عراقي

([2]) عماد الدين خليل وحسن الرزو : دليل التاريخ والحضارة في الأحاديث النبوية الشريفة, مكتب الأردن للمعهد العالمي للفكر الإسلامي، عمان، ۱۹۹۱م.

([3]) مالك بن نبي: إنتاج المستشرقين وأثره في الفكر الإسلامي الحديث، مكتبة عمار القاهرة – 1970.

الرابط المختصر :