; دراسة ميدانية في أعماق المجتمع.. عراق اليوم غارق في الجريمة والبطالة والفساد | مجلة المجتمع

العنوان دراسة ميدانية في أعماق المجتمع.. عراق اليوم غارق في الجريمة والبطالة والفساد

الكاتب أكرم عبدالزاق المشهداني

تاريخ النشر السبت 21-مايو-2005

مشاهدات 69

نشر في العدد 1652

نشر في الصفحة 32

السبت 21-مايو-2005

  • بغداد صارت الأسوأ أمنيًا بين ۲۰۰ مدينة في العالم

  •  نسبة العاطلين عن العمل بلغت 70%

  • تهريب أدوية خارج العراق بما قيمته ٥ مليارات دولار

  •  الفساد المالي والإداري في الوزارات العراقية وصل إلى 70%

  •  مائة قضية فساد شهريًا وهناك مبلغ مفقود قيمته مليار دينار

  • مهنة تنظيف الشوارع يزاولها ۱۰۰ ألف من الفتيان والأطفال

  • العشرات من العلماء والكفاءات العلمية العراقية يغادرون بلادهم خوفًا من التصفيات الجسدية

لم يبق من العراق بعد أكثر من عامين من الاحتلال غير الاسم وخريطة لها حدود واضحة على الورق.. لكنها في الداخل ليست كذلك؛ فالكل في الداخل يتناحر، وكل جهة تريد قضم أكبر حصة من لحم الثور الصريع «العراق» لتوسيع مساحتها ومغانمها العرقية أو الطائفية أو الحزبية، وبأي ثمن كان! والمجتمع العراقي هو الذي يدفع الثمن.

الوضع الاجتماعي: المراقب للأوضاع الاجتماعية في العراق بعد عامين من الاحتلال لا يخرج بانطباع يدعوه إلى التفاؤل، فمظاهر الحرب مازالت ماثلة للعيون، بل إن الحرب ذاتها لاتزال قائمة وهي واقعة كل يوم موقعة خسائر بشرية ومادية واقتصادية واجتماعية بالمجتمع والمحتلين..

فبقايا الحرب والتخريب الذي حدث في الطرق والجسور والمباني الحكومية والأهلية والعسكرية والمدنية مازالت ماثلة كما هي. كما أن الراصد للآثار المجتمعية للحرب في العراق يجدها ماثلة على وجوه الناس ومشاعرهم ومعاناتهم. فأكثر من ١٥٠ ألفًا من السكان فقدوا أحد أبنائهم أو أقاربهم من الدرجة الأولى، كما أن مئات الآلاف من السكان يعانون من توقيف أبنائهم في السجون والمعتقلات الأميركية، ناهيك عن أن الأجواء العامة للحرب بكل تفاصيلها وبالصوت والصورة لا تزال تخيم على الناس في المدن والقرى، فضلًا عن هواجس الخوف من المداهمات الليلية أو القصف العشوائي للمدن والأحياء أحيانًا.

وبلا شك فإن هناك علاقة جدلية بين الأوضاع الاقتصادية والسياسية والاجتماعية في أي مجتمع: إذ لا يمكن الفصل بين هذه الأوضاع. وإذا كان الوضع السياسي معروفًا للقاصي والداني، فإن الوضع الاجتماعي هو نتاج الوضع السياسي، والمشكلات الاجتماعية هي وليدة الأوضاع السياسية والاقتصادية في الغالب. ولعل أهم سمات الوضع الاجتماعي بعد عامين من الاحتلال، هي حالة الإحباط الكبير الذي أصيب بها المجتمع، فنجد معدلات الجريمة في تصاعد، والهاجس الأمني يزداد خطورة والفقر يتسع، وترتفع نسبة البطالة ويزداد التغريب والتهميش وتنتشر مظاهر اللانضباط في الشارع ويغيب القانون ويحدث التجاوز على أبسط الحقوق من قبل قوات الاحتلال وأفراد العصابات الإجرامية على حد سواء!

فلا أحد يحترم القانون أو يمتثل لرجال القانون وأدواته بل يساء إلى حماة القانون «شرطة المرور على سبيل المثال» ويساء إلى الأخلاق والآداب العامة علنًا، وتنتشر مظاهر الجريمة والانحراف مثل «بيع أسلحة ممنوعة في الشارع مع العتاد وبيع المخدرات وحبوب الهلوسة والمشروبات الروحية على الأرصفة... وغير ذلك».

 إن الأوضاع الاجتماعية الحالية على وجه الإجمال لا تطمئن الحريصين على وحدة العراق أرضًا وشعبًا، ولا على هويته العربية ومستقبله السياسي والاقتصادي والاجتماعي الذي أضحى على كف عفريت إن لم تتداركه أيد مخلصة مؤمنة نظيفة وطنية لتوقف تدحرجه نحو الهاوية لا قدر الله.

 لقد قدرت دراسة بريطانية حديثة عدد الضحايا المدنيين في العراق منذ أبريل ۲۰۰۳ وحتى الآن بنحو مائة ألف قتيل أكثر من نصفهم من النساء والأطفال الذين لقوا حتفهم نتيجة للغارات الجوية على مدنهم وقراهم.

وقد وصفت وزيرة التنمية الدولية البريطانية السابقة كلير شورت التي استقالت من منصبها عقب الحرب على العراق نتائج تلك الدراسة بأنها مفزعة للغاية.

أما عن عدد القتلى من الأمريكيين في العراق بعد مرور عامين على ذكرى الغزو فقد أصدرت وزارة الدفاع الأمريكية «البنتاجون» تقريرًا أشارت فيه إلى أن ألفًا وخمسمائة من العسكريين الأمريكيين قتلوا في العراق وأن أكثر من أحد عشر ألف عسكري أمريكي أصيبوا بجروح غالبيتهم أصيبوا بجروح خطيرة أو عاهات مستديمة وحتى كتابة هذه المقالة فإن الرقم الرسمي المعلن الأعداد ضحايا الحرب من الجيش الأمريكي تجاوز ١٦٠٠ قتيل «تؤكد المعلومات الموثوقة ومشاهداتنا أن أرقام ضحايا الجيش الأميركي تفوق المعلن بأضعاف».

 أبرز التغيرات

نسبت صحيفة «شينخوا ديلي تليجراف» الصينية إلى تقارير أجهزة مخابرات غربية أن بغداد انضمت إلى قائمة أكثر مائتي مدينة على مستوى العالم من حيث سوء العيش وانعدام الأمن وأوردت إحصائية أشارت إلى أن عدد القتلى العراقيين تجاوز مائة ألف مقابل قرابة ألفي جندي أمريكي. وخلصت الصحيفة إلى القول إنه إذا كانت هذه هي الجنة الموعودة للديمقراطية الأمريكية فإنه من المؤكد أن أيًا من دول العالم لا تريدها ولا تنشدها وربما تفضل جحيم الدكتاتورية عليها.

ولا شك أن ثمة علاقة بين استمرار تردي الأوضاع الاقتصادية والوضع الأمني، فيبدو أن سوء الأحوال الاقتصادية وعدم العمل الجاد والسريع، سواء من القوات الأمريكية أو الحكومة المنتخبة. على معالجة ذلك سيقود حتمًا إلى مزيد من الانتكاسات الأمنية لأن تراجع الأمل في تحسن الأوضاع الاقتصادية سيخلق حالة من عدم الاستقرار النفسي لدى قطاع واسع من العراقيين.

وفي تقرير للمنظمة الدولية لحقوق الإنسان بعيد احتلال العراق بستة أسابيع ورد فيه: «بعد سقوط العراق بأكثر من ستة أسابيع ما يزال مستوى تعامل قوات التحالف مع الوضع الأمني سيئًا للغاية، وعلى الرغم من الجهود التي يبذلها عسكريو التحالف لنشر قواتهم صغيرة العدد نسبيًا لتحسين الأوضاع الأمنية في المدن العراقية فقد ظل السكان يعيشون في خوف من الجرائم العنيفة وظل قلقهم يشتد بشأن عجز قوات التحالف عن توفير مستوى أمني أفضل».

 ويضيف التقرير: «ويتجلى عدم إعداد القوات الأمريكية والبريطانية للوفاء بالتزاماتها بعد احتلال العراق بصورة أفدح في ضوء عاملين مهمين في هذا الصدد، أولهما أنه كان من المفروض على قوات التحالف أن تتحسب لاندلاع أعمال النهب والعنف وغيرها من الجرائم والصعاب الاقتصادية التي تواجه الشعب العراقي، وإطلاق سراح الآلاف من السجناء المدانين بجرائم جنائية من السجون العراقية في أکتوبر ۲۰۰۲ وتوافر الأسلحة الخفيفة على نطاق واسع بين السكان».

جرائم القتل

لقد تضاعفت جرائم القتل في العراق عمومًا وفي بغداد العاصمة خصوصًا إلى أضعاف ما كانت عليه. فقد صرح مدير الطب العدلي ببغداد أنه في بغداد وحدها بلغ عدد القتلى الذين مرت جثتهم بالمشرحة المركزية للطب الشرعي خلال عام ٢٠٠٤ فقط ۸۰۳۵ جثة، بينما بلغ عددهم في عام ۲۰۰۲ عام الهجوم الأميركي على العراق ٦٠١٢ شخصًا. أما في عام ٢٠٠٢ فكان عدد الجثث التي فحصت في المشرحة ١٨٠٠ فقط. وتشكل نسبة القتل بالرصاص بين هذا العدد من الضحايا 60% وأكثرها لا علاقة له بالأعمال المسلحة في مقاومة الأمريكان حيث يصل إلى المشرحة المركزية ما بين ۲۰ و ۳۰ جثمانًا يوميًا وأغلبها تعود للذكور.

ويعود العنف في أغلب الأحيان -حسبما يؤكد المسؤول- إلى خلافات إثنية وعشائرية ودينية، ساعد توافر الأسلحة النارية على وقوعها بشكل أسهل. وهذان العاملان ساعدا على انتشار موجة من القتل والانتقام العشائري والقرصنة والخطف والسرقة.

حوادث الاختطاف

كما شهدت هذه الفترة ارتفاعًا ملحوظًا في معدلات حوادث اختطاف الأطباء المشهورين وأطفال العوائل الميسورة والتجار من قبل عصابات منظمة تهدف من وراء عمليات الاختطاف ابتزاز ذوي المخطوف والحصول على مبالغ مالية كبيرة، وهذا ما أكده – في تصريح صحافي- مدير مكتب الخطف في مديرية الجرائم الكبرى التابع إلى وزارة الداخلية العقيد فيصل علي الدوسكي، من أن «فترة السنتين الماضيتين شهدت ارتفاعًا ملحوظًا في معدلات حوادث الاختطاف في العراق وأصبح هناك عصابات منظمة ومتخصصة في هذا المجال». وأوضح أن «الشرطة العراقية تمكنت خلال الفترة المحصورة بين يوليو ٢٠٠٣ ويونيو ٢٠٠٤ من القبض على نحو أكثر من 350 متهمًا بجرائم خطف، وهذا العدد لا يشكل سوى 10% من الجرائم التي تحدث في العراق إذ إن معظم ذوي المخطوفين لا يبلغون الشرطة بهذه الجرائم خوفًا على ذويهم». وأشار إلى أن «كثرة الأسلحة في الشوارع والحبوب المخدرة وتعلم الناس استخدام السلاح نتيجة كثرة الحروب التي خاضوها في عهد النظام السابق شجع المجرمين على ارتكاب هذه الجرائم البشعة».

 من جهته قال الطبيب الإخصائي في مستشفى ابن النفيس الدكتور علاء الدين سلمان إن «العديد من الأطباء البارزين قد تعرضوا خلال الفترة الماضية إلى حوادث اختطاف؛ فقد تعرض ابن رئيس قسم الجراحة في كلية الطب جامعة بغداد الدكتور شوقي يوسف إلى حادث اختطاف وطالب المختطفون بمبلغ خيالي مقابل إطلاق سراحه، مما اضطر الرجل إلى دفع هذا المبلغ في سبيل إطلاق سراح ولده، وكذلك تم اختطاف العالم في جراحة الجملة العصبية عبد الهادي الخليلي، كما سبق أن تم اختطاف الدكتور ريسان الفياض وأيضًا تم إرسال العديد من رسائل التهديد إلى الدكتور علي فرج صالح العالم في أمراض القلب والأوعية الدموية». وأضاف أن «الفترة الماضية شهدت تزايدًا ملحوظًا في حوادث الاختطاف الموجهة ضد شريحة الأطباء والعديد من فئات المجتمع العراقي الأخرى».

 عمالة الأطفال

وإذا كانت هذه الظواهر الاجتماعية قد نشطت في العراق في ظل الانفلات الأمني فإن ظواهر أخرى نشأت في ظل الاحتلال لم تكن باختيار ضحاياها الذين كان أغلبهم من الأطفال الذين اضطروا للتوجه إلى كسب لقمة العيش الحلال، فمع الظروف القاسية التي خلفتها سطوة الاحتلال الأمريكي وفصل عشرات الآلاف من الموظفين، اضطر هؤلاء لإجبار أطفالهم على ترك الدراسة والعمل لمعاونتهم في توفير مستلزمات حياتهم بسبب البطالة التي اصابت آثارها كل مفاصل الحياة، وبالذات التابعة للقطاع الخاص بعد أن توقفت المصانع الصغيرة التي كانت تضم مئات الآلاف من العاملين. ومنذ احتلال العراق أصبحت مهنة تنظيف الشوارع مهنة لآلاف الفتيان والأطفال في العراق سواء بالعمل مع مقاولين محليين أو بالعمل مع المؤسسات البلدية بعدما أمرت قوات الاحتلال الأمريكي بتوفير فرص عمل للعاطلين. فلم تكن ثمة مهنة تستوعبهم كجمع النفايات وكنس الشوارع بعد أن تم تعيين أكثر من ١٠٠ ألف من الفتيان في هذه المهنة الاضطرارية التي تمدهم برزق يومي ربما لا يتجاوز ثلاثة آلاف دينار عراقي، أي ما يعادل دولارين يوميًا.

 إضافة إلى ذلك فإن ظاهرة تسرب الأطفال من المدارس هي إحدى إفرازات الاحتلال والانفلات وعدم المتابعة الجدية من قبل أجهزة الحكومة، حيث كانت قوانين العراق قبل الحرب تلزم رب العائلة باستمرار أبنائه في الدراسة وتفرض عليه عقوبات تصل إلى السجن إن تسرب أبناؤه ولم ينتظموا في الدراسة، أما الآن فلا توجد أية متابعة من الحكومة التي لا هم لها سوى الانتخابات وتقاسم المناصب الحكومية وتثبيت نفسها في السلطة بكل الطرق بعيدًا عن مشكلات المجتمع.

معدلات البطالة

ربما تكون ظاهرة البطالة هي الأقسى بين الظواهر «الاجتماعية – الاقتصادية» في العراق المحتل، وكانت ومازالت هي السبب الأكبر للمظاهرات التي شهدتها المدن العراقية والتي كانت ترفع خطاب المطالبة بالوظائف لكسب الرزق، بدأت هذه المظاهرات بخروج أفراد الجيش العراقي بعد حله والمطالبة بإعادتهم وصرف رواتبهم، ثم اتسعت لتشمل قطاعات شعبية أخرى حيث سقط في شهر واحد أكثر من ٢٠ قتيلًا في مظاهرات جرت في العمارة والكوت والحلة والنجف خلال بضعة أسابيع. ولكن هذه المظاهرات اتسعت بشكل أكبر لتطالب بإقصاء المحافظين أو رجال الشرطة أو المسؤولين في المدن بعد أن فشلوا في حل الأزمات الاجتماعية والاقتصادية ولم يوفروا فرص العمل للعراقيين. ويعتبر ملف العاطلين عن العمل من أخطر الملفات التي ورثتها الحكومة العراقية المؤقتة من سلطة الاحتلال الأمريكي ومجلس الحكم الانتقالي في العراق، وفي كل يوم تطلع فيه الشمس على العراق يزداد هذا الملف اتساعًا مع استمرار انهيار الأوضاع الأمنية وتراجع عمليات الإعمار والبناء.

وقد أفادت أحدث دراسة أعدتها كلية الإدارة والاقتصاد في جامعة بغداد أن نسبة العاطلين عن العمل بين القوى العاملة في العراق قد وصلت إلى ۷۰ في المائة وهي أعلى نسبة بطالة تسجل في تاريخ الدولة العراقية الحديثة، وفي ظل هذه الظروف انتشرت في مدن العراق الكبرى مكاتب لتشغيل العاطلين عن العمل حيث تعلن هذه المكاتب عن خدماتها في الصحف ووسائل الإعلام المحلية لتقدم وعودًا مغرية الشبان عراقيين بالعمل ضمن عقود تقدم حوافز عديدة.

ويعكس حجم إقبال العراقيين على هذه المكاتب بالرغم من الشكوك الكبيرة التي تحوم حولها حالة اليأس التي يعيشونها حيث لم يعمل الكثير منهم منذ سقوط العراق في أبريل ۲۰۰۳ ولكن غياب القانون وسلطته حال دون التمكن من استقصاء حقيقة هذه المكاتب بحسب ما يقول أشخاص حاولوا التعامل معها، ولم يستبعد قانونيون عراقيون أن تكون جهات ذات مشاريع معروفة هي من يقف وراء هذه المكاتب الوهمية مستقلة حاجة العراقيين للعمل وغياب سلطة الدولة.

مشكلة الفقر

من البدهيات الاقتصادية أن زيادة نسبة البطالة تعني زيادة نسبة الفقر خاصة في ظل غياب نظام للرعاية والضمان الاجتماعي أو شبكات الأمان الاجتماعي أو إعانات البطالة. كما أن نظام توزيع الدخول الذي شهد تغيرًا ورفعًا في بعض مستويات الأجور للعاملين في القطاع العام «شهد أيضًا خفضًا لبعض الدخول لبعض الشرائح الاجتماعية العاملة» لم يكن بالمستوى المعقول، حيث لم يقم على معايير عقلانية إذ قسم العاملين إلى ثلاثة مستويات دونما الالتفات إلى مستوى العاملين أو مدة خدمتهم أو تأهيلهم العلمي أو مدى خطورة العمل الذي يمارسونه، وهو يفتقر إلى أبسط المبادئ العقلانية لقوانين توزيع الدخل.

انتشار المخدرات

تعاطي المخدرات والإدمان مشكلة تربوية اجتماعية تقف في مقدمة مشكلاتنا المعاصرة لأن آثارها تمتد إلى تهديد كيان المجتمع وتخريب وإفساد العقول. وقد تعرض العراق إلى هجمة شرسة خلال عامي الاحتلال استهدفت تعطيل إمكاناته وتخريب اقتصاده بتفشي ظاهرة المخدرات بين بعض فئات المجتمع المهنية والعمرية وخاصة الطلبة الشباب والعمال ولم تعد مشكلة سلوكية فقط وإنما امتدت آثارها إلى المستوى الصحي والسياسي والاقتصادي، ومن الواضح أن تعاطي المخدرات حالة نفسية وفي الغالب قد يدمن عليها في غياب الرقابة الطبية والاجتماعية، فضلًا عن أن هناك مواد تؤدي إلى التعلق بالمخدرات يصعب عدم الوقوع في فخ الإدمان عليها، ولا توجد في الوقت الحاضر أية وسيلة للتصدي لإدمان المخدرات والمشكلات المصاحبة لغياب الأمن والرقابة وانفلات الحدود وتفشي الفساد الإداري.

إن انتشار ظاهرة المتاجرة بالمخدرات وتعاطيها في العراق بشكل لافت للنظر لاسيما «الحشيشة والأفيون والترياك» شكل تحديًا خطيرًا جديدًا أضيف إلى الأخطار التي واجهها ولم يزل المجتمع العراقي في هذه المرحلة الصعبة التي أعقبت غزو العراق، وما أعقب ذلك من غياب قانوني وأمني، مما يضع البلاد في أتون مستقبل مجهول، في حين تبقى أصابع الاتهام موجهة إلى دول الجوار -إيران على وجه التحديد- ممثلة بأجهزتها الأمنية والمخابراتية التي تعمل على تغذية وانتشار تلك الظاهرة في المجتمع العراقي، لاسيما عن طريق تسريبها مع زوار العتبات المقدسة بشكل خاص أو مع غيرهم من الوافدين إلى البلاد بشكل عام، ولأسباب تكمن وراءها أغراض سياسية ودوافع تخريبية كما يرى عدد من المراقبين.

وتبعًا لما أوردته إحدى الصحف المحلية العراقية، فإن محافظة السماوة التي تقع إلى الجنوب قريبًا من الحدود السعودية، والتي لا يتجاوز عدد سكانها الـ ٦٠٠ ألف نسمة، تعد اليوم أكبر مرتع لتجارة المخدرات بأنواعها في العراق مشكلة بذلك حلقة وصل بين إيران وأفغانستان - التي تضم أكبر حقول المخدرات الذي يستخلص منه الأفيون في العالم؛ إذ يأتي حوالي 70% من المنتج العالمي من ذلك البلد - وبين الخليج العربي.

الفساد الإداري

ازدادت مظاهر الفساد الإداري في الجهاز الحكومي ودوائر الدولة «للأمانة هي من تركات النظام السابق» فقد ازداد انتشارًا ونسبة وكلفة؛ فعلى سبيل المثال كشف المفتش العام لوزارة الصحة العراقية الدكتور عادل محسن أن هناك مائة قضية فساد شهريًا في الوزارة، وأن هناك مبلغًا مفقودًا قيمته مليار دينار فيما تم تهريب أدوية إلى خارج العراق تقدر قيمته بخمسة مليارات دولار، واتهم المفتش بعض الأشخاص المتنفذين في الوزارة والحميات الخاصة بسرقة أدوية من مخازن الوزارة تقدر قيمتها بخمسة مليارات دينار، وأكد أنه يمتلك الوثائق الدامغة عن عمليات السرقة وأنه سوف يقدمها للمجلس الوطني العراقي المؤقت للتحقيق بشأنها.

وتشكو المؤسسات الصحية العراقية من تردي الواقع الصحي وانتشار الأمراض والفساد المالي وسرقة الأدوية، فيما كان قد أعلن رئيس هيئة النزاهة العراقية القاضي راضي الراضي أن نسبة الفساد المالي والإداري في الوزارات العراقية وصل إلى 70% مع ضعف المعالجات لانتشار هذه الظاهرة.

الاختطاف والاغتيال

انتشرت بعد الاحتلال ظاهرة اختطاف واغتيال العلماء والأكاديميين والأطباء العراقيين بهدف تفريغ العراق منهم وإجبار الآخرين على الهجرة، وتتحدث الأخبار عن اغتيال مئات من الكوادر العلمية العراقية «تجاوز الألف عملية حتى الآن» وقيدت تلك الجرائم ضد مجهولين ويشير العراقيون إلى دور المخابرات الأجنبية «الصهيونية تحديدًا» في تنفيذ تلك الاغتيالات. ويشكل مسلسل الاغتيالات الذي يستهدف شخصيات سياسية وأكاديمية ومهنية في العراق رعبًا قائمًا للعراقيين الذين يعتقدون بوجود تنظيمات ذات خبرة واحتراف وراء تلك العمليات.

ونشرت جريدة الزمان بعددها الصادر يوم ۲۲ مارس من عام ۲٠٠٤ نقلًا عن مصادر عراقية على صلة بأجهزة وزارة الداخلية أن ألف عراقي لقوا مصرعهم في عمليات اغتيال وأنهم من الكوادر العلمية والثقافية والفنية وأغلبهم من الأطباء وأساتذة الجامعات والمهندسين في قطاع التصنيع العسكري السابق خلال الأشهر التي أعقبت سقوط النظام السابق، ولم يرد في الإحصائية شيء عن اغتيالات ضباط وعناصر الشرطة العراقية والموظفين الصغار في دوائر الدولة بالمحافظات، ويشير العديد من المحللين السياسيين بأصابع الاتهام إلى «الموساد» الذي يتولى ملف هؤلاء العلماء، ويقود حملة لاجتثاثهم أو تهجيرهم أو اغتيالهم خشية أن يهاجروا إلى دول عربية أو إسلامية، مؤكدين أن ذلك المخطط الإجرامي أصبح أمرًا معروفًا ومكشوفًا، وقد أشارت له الكثير من وسائل الإعلام الغربية.

ونتيجة لتصاعد عمليات القتل تملك الخوف والرعب بعض الأساتذة بالرغم من أنه لم يتم إثبات أي علاقة بين هذه الاغتيالات ووظائفهم. وبحسب مصادر إعلامية فإن العشرات من العلماء والكفاءات العلمية العراقية بدؤوا بالفعل في مغادرة بلادهم خوفًا من التصفيات الجسدية التي تنفذ أحيانًا لأسباب تتعلق بوجهات النظر والآراء السياسية، فضلًا عن أسباب أخرى تتعلق بتدني أجورهم التي يقولون إنها لا تتناسب مع شهاداتهم العلمية ولا مع الظروف المعيشية.

من يعيد إلى العراق أمنه واستقراره؟!

سؤال يطرح بعد أن امتد الاحتلال الأمريكي كل هذه الشهور الطويلة، دون أن يتحقق للعراق الأمن والاستقرار، ودون أن يتحرر العراقيون من الخوف والقلق والتوتر، ودون أن يعود إلى المواطن العراقي العيش الكريم والحياة الطبيعية الهانئة، والاطمئنان، وكل ما فقده لسنوات طويلة من الحرب والعدوان والاحتلال فالمزاعم التي حملها المحتلون ما تزال «مزاعم»! والادعاءات بالحرية والاستقرار ما فتئت أوهامًا، والذين ظنوا أن الانتخابات جلبت لهم الحرية يدركون الآن وهم «الأصابع البنفسجية». وزيف «الحملة الإعلامية» الذي ارتبط بها!

قد لا يهتم المواطن العراقي بالجمعية الوطنية وخلافات أعضائها على مكاسب الحكم وكراسي السلطة، ما دام يفتقر إلى العيش الكريم، أو يعيش في ظل أخطار السيارات المفخخة والانفجارات المتتالية والاغتيالات والخطف وتهديدات بعض العصابات المسلحة التي تعبر عن أحزاب وهمية أو تنظيمات سياسية طارئة لم تستقر في وجدان الناس، ولم يعرفوا لها وجودًا بينهم من قبل.

والمواطن العراقي نفسه أسير هذه الجهات التي تلعب بمصائر الوطن العراقي، وتخطط لتقسيمه وتمزيقه أو تسعى لاقتسامه مناطق نفوذ وفقًا للمليشيات، أو المرجعيات أو الطائفيات، ولتجعل من تاريخه وعروبته وإسلامه نسبًا منسيًا أو حقبة عابرة.

ولا يستطيع أحد أن يزايد على معاناة الشعب العراقي الممتدة لسنوات طويلة ولا أن يقفز عليها بسبب ما واجهه من حروب داخلية وخارجية، غير أن الحلول التي استنبطها المحتلون وحلفاؤهم وأشياعهم لم تؤمن للشعب العراقي أية فرصة للتنفس خارج نطاق الخوف والألم والفجيعة.

الرابط المختصر :