; الشورى في خلافة «2 من 3» سليمان بن عبد الملك قنوات الشورى في عهده | مجلة المجتمع

العنوان الشورى في خلافة «2 من 3» سليمان بن عبد الملك قنوات الشورى في عهده

الكاتب د. رعد محمود البرهاوي

تاريخ النشر السبت 08-مارس-2008

مشاهدات 85

نشر في العدد 1792

نشر في الصفحة 38

السبت 08-مارس-2008

  • رجاء بن حيوة المستشار الخاص لسليمان كان أحد ثلاثة انتهى إليهم العلم في عصرهم

تناولنا في المقال الأول نبذة عن الشورى وصلتها بالديمقراطية مع ذكر معالم الشورى عند خلفاء بني أمية، لا سيما سليمان بن عبد الملك، واليوم نتحدث عن قنوات الشورى في عهد سليمان بن عبد الملك.

أ. مجلس شورى الخاصة: يضم هذا المجلس كبار مستشاري الخليفة الذين يركن إليهم، ويثق بكفاءتهم، ويعتبر هذا المجلس أقوى قنوات الشورى التي ساهمت في صنع الأحداث، طيلة سنتين وتسعة أشهر هي مدة خلافة سليمان (1) وكان من أبرز رجال هذا المجلس، رجاء بن حيوة، وعمر بن عبد العزيز، ويزيد بن المهلب قبل توليه العراق ومن ثم خراسان، ومسلمة بن عبد الملك قبل قيادته حملة القسطنطينية، فضلًا عن آخرين، ربما لم تشر إليهم المصادر.  

فرجاء بن حيوة الكندي (2) أجمعت المصادر، على الثناء عليه وعلى علمه واستقامته حتى قيل عنه: إنه أحد ثلاثة انتهى إليهم العلم في عصرهم هو في الشام، ومحمد بن سيرين في العراق والقاسم بن محمد في الحجاز (3). 

ورغم أن مصادرنا ركزت بالدرجة الأولى على دوره في ترشيح عمر بن عبد العزيز، أو في دعم ترشيحه للخلافة أكثر من أي شيء آخر، فقد أشار الجاحظ (4) إلى أنه كان مع سليمان يقابل الوفود، وأشار ابن عبد الحكم إلى دوره في ترشيح محمد بن يزيد القرشي لولاية المغرب والأندلس، ويعطي ابن عذارى تفاصيل ذلك بقوله: إن سليمان قال لرجاء: أريد رجلًا فاضلًا أوليه المغرب، وقد درس رجاء الأمر، ورشح بعد أيام محمد بن يزيد، وقد سارع سليمان إلى تبني هذا الترشيح، وخاطب واليه بقوله: «يا محمد بن يزيد اتق الله وحده لا شريك له وقم فيما وليتك بالحق والعدل... »، وأشار البسوي إلى دوره في تعيين ابن موهب الخولاني في منصب القضاء في الشام لنزاهته وعلمه وقال في ذلك: «إنما نظرت للعامة ولم أنظر له».

أما عن دور رجاء في ترشيح عمر لتولي الخلافة بعد سليمان، أو في دعم ترشيحه من قبل الخليفة، فقد كان واضحًا لا لبس فيه من خلال فرض البيعة والتلويح في استخدام القوة مع أي فرد من أفراد الأسرة الأموية يرفض ذلك (4)، وفي الوقت الذي يشير فيه الطبري (5) إلى أن رجاء نجح في إقناع سليمان بعدم ترشيح أحد أولاده الصغار، فضلًا عن ترشيح ابنه «داود» المشارك في حملة القسطنطينية، فإنه سارع إلى الطلب من سليمان أن يرشح هو من يصلح للخلافة من آل بيته.

وهنا طرح سليمان اسم «عمر» وهو ما كان يتمناه رجاء، وعمد رجاء بعد ذلك إلى ترشيح أحد أولاد عبد الملك من بعده بعد أن أبدى سليمان مخاوفه من حدوث فتنة يقودها أولاد عبد الملك فرشح «يزيد»، والذي كان على موسم الحج، ويلاحظ أن هذه الرواية تقصر دور رجاء على تمهيد الطريق أمام الخليفة لترشيح عمر، ومن ثم تبني هذا الترشيح، والثناء عليه لمنع الفتنة.

إن الدور الحاسم لرجاء، كان بعد الترشيح، وقبل وفاة سليمان، إذ استطاع بما معه من الشرعية، ومن القوة المتمثلة في القوات المرابطة في «مرج دابق»، والتي كانت تشكل الاحتياطي لحملة القسطنطينية، أن يفرض ترشيح عمر على أبناء عبد الملك، حيث يشير الطبري إلى أنه تولى بعد ختم الكتاب جمع بني أمية عن طريق صاحب الشرطة «كعب بن حامد العبسي» بأمر سليمان، وعندما طلب منهم رجاء البيعة طلبوا السلام على الخليفة، فسمح لهم بذلك حيث أشار عليهم سليمان بيعة من هو في الكتاب، الذي في يد رجاء، فبايعوا رجلًا رجلًا. 

وقاوم خلال ذلك ضغوط عمر بن عبد العزيز، في معرفة اسم المرشح، حيث كان يتخوف من كونه هو، كما قاوم ضغوط هشام بن عبد الملك الطامع في الخلافة والمتلهف لمعرفة اسم المرشح. 

وقد ظل رجاء إلى جانب سليمان إلى أن توفي، حيث أمر «كعب بن حامد» بجمع بني أمية من جديد، وأمرهم بالبيعة ثانية، وأعلمهم بعد انتهاء البيعة بموت سليمان وقرأ عليهم كتاب تولية عمر، وهدد كل من يتأخر عن البيعة بالموت، وبذلك وجدنا رجاء مستشارًا ومنفذًا في آن واحد، وهذا هو الوجه الحقيقي للشورى الملزمة.

المستشار الثاني

ويحتل عمر بن عبد العزيز المرتبة الثانية، بعد رجاء في دوره مستشارًا لسليمان بن عبد الملك، وقد وصل عمر إلى هذه الحظوة، من خلال توافق فكري بين الاثنين، أكثر مما يتعلق الأمر بصلة القرابة، إن هذا التوافق الفكري هو الذي دفع سليمان فيما بعد إلى اعتباره وليًا للعهد، مفضلًا إياه على إخوته (6).

ورغم أن المصادر لا تشير إلى دور كبير لعمر، من خلال أحداث معينة في عهد سلیمان، إلا أن عدم إشارة المصادر لا يقلل أو ينفي دوره، مستشارًا فاعلًا، وهذا ما دفع عبد الحي إلى وصفه بأنه أحد مستشاري سليمان المقربين منه جدًا، وجدناهم معًا في الحج وعمر يذكره بالموت والآخرة والحساب وأنه مسؤول أمام الله عن رعيته، علمًا بأن تنمية الإحساس بالمسؤولية وربطها بمنظور أخروي يجعل الحاكم المسلم، رغم صعوبة الممارسة السياسية على صعيد الواقع المعقد يبذل أقصى ما لديه من جهد في سبيل أن تكون قراراته أقرب إلى العدالة، وإلى مصلحة الأمة منها إلى تلبية الطموحات والأمال الشخصية فحسب، وتشير المصادر في السياق نفسه إلى أن عمر هو الذي أقنع سليمان بتقريب آل البيت وقضاء حوائجهم،   ووجدنا تأثير عمر مستشارًا في المسائل التعبدية مثل ضرورة ضبط أوقات الصلاة.

كما وجدنا عمر حريصًا على إقناع سلیمان، باتخاذ وسائل سلمية مع المعارضة السياسية وحتى تلك التي ترفع السلاح، والتي ازدادت حدة وعنفًا نتيجة انقطاع الاتصال بينها وبين السلطة، منذ أحداث واقعتي الجمل» و«صفين، وما تلاهما من أحداث، رغم أن إنجازه في هذا الصدد كان محدودًا نتيجة تطرف الخوارج وعنفهم على صعيد اللسان والسنان على السواء. 

جرأة وصراحة: لقد بلغت جرأة عمر وصراحته في الشورى، إلى حد مناقشة آراء عبد الملك بن مروان نفسه وهي أشبه بالخطوط الحمراء في مصطلحات الوقت الحاضر، وكان سليمان يتقبل ذلك (7). 

أما يزيد بن المهلب فإن منزلته عند سليمان كانت كبيرة من قبل أن يتولى الخلافة عندما لجأ إليه هربًا من بطش الحجاج، ونجح عبر وساطته في إطلاق سراحه وعفو الوليد عنه (8)، وكان يجمع بينهما إعجاب، وآراء مشتركة، لا سيما في موقفهما من الحجاج وأنصاره وسياساته، ومن الطبيعي أن يكون يزيد مقربًا من سليمان بعد توليه الخلافة، حيث كان معه في الرملة عاصمة جند فلسطين، وقد أشار الجهشياري إلى أنه كان يجلس معه على السرير، ويشير الجاحظ إلى أن ثناء يزيد على يزيد بن أبي مسلم أمام سليمان هو الذي دفعه إلى محاولة استخدامه لولا عمر بن عبد العزيز، ولا تعرف خلفية العلاقة بين عدو الحجاج ورجل الحجاج.

وربما تعود إلى معاونة صدرت من يزيد ابن أبي مسلم أثناء سجن الحجاج ليزيد بن المهلب وتعذيبه، كما يعود إلى يزيد الفضل في إنقاذ خالد القسري من بطش سليمان بعد عزله عن مكة، ويشير الجهشياري إلى أنه هو الذي أقنع سليمان بتعيين صالح ابن عبد الرحمن على خراج العراق، كما أوردت المصادر استشارة الخليفة له بشأن البصرة وقبائلها.

ب- أولاد واخوة الخليفة وآل بيته: إن كبار رجال بني أمية كانوا يصحبون الخليفة سواء في اقامته أو أثناء تحركاته، فقد كانوا معه في مرج دابق حين وفاته (9) وأشير إلى وجودهم في مجلسه أثناء مقاضاة موسى بن نصير، حيث أشير إلى تواجد أيوب وداود ابني الخليفة فضلًا عن عبد العزيز بن الوليد وسعيد بن خالد ويحيى بن سعيد وعبد الله بن سعيد (10)، وأشير إلى مجلس فيه ريان بن عبد العزيز ابن مروان.

جـ - قادة أجبار الشام: إن هؤلاءالقادة الذين يتزعمون الأجناد الخمسة: دمشق وحمص وقنسرين والأردن وفلسطين يعتبرون قادة أهم أقاليم الدولة ومركز الخلافة والداعمين الحقيقيين لبني أمية، وكان هؤلاء القادة يحضرون مجلس الخليفة أحيانًا (11).

المراجع

(1) ابن حبيب المحبر: ص 26، خليفة تاريخ 1/137 الطبري: 6/546. 

(2) وصف رجاء بأنه من جند الأردن - ابن سعد، الطبقات: 7/454 مجهول، العيون والحدائق: 3/38، وقيل من جند فلسطين، الفسوي، المصدر السابق: 2/404، الذهبي، سیر أعلام: 6/131، ومن دراسة واقع استقرار القبائل العربية في أجناد الشام كانت منازل كندة في الأردن ولذلك أرجح أردنيته، وعرف هذا الجند بإخلاصه لمروان بن الحكم وأولاده البرهاوي، أجناد الشام 35.

(3) الفسوي، المصدر السابق: 1/548. 

(4) الطبري، تاريخ: 6/552، اليعقوبي تاریخ: 2/299.

(5) المصدر السابق: 6/551، ابن الجوزي، المصدر السابق: 60، مجهول، العيون والحدائق: 3/38، الذهبي، تاريخ الإسلام: 192 – 193.

(6) تاريخ: 6/551 – 552، ويقارن رواية المسعودي: 3/182.

(11) ابن عبد الحكم، سيرة عمر بن عبد العزيز، ص 27 – 28.

(7) الفسوي، المصدر السابق: 1/573، ابن عبد الحكم سيرة عمر: 31.

(18) الطبري، تاريخ: 6/449 – 452. 

(9) الطبري، تاريخ: 6/551.

(10) ابن قتيبة، الإمامة والسياسة: 2/77. 

(11) الطبري، المصدر السابق: 6/519.
 

الرابط المختصر :