; مداد القلم: الوهم المعشوق | مجلة المجتمع

العنوان مداد القلم: الوهم المعشوق

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر الأحد 19-أبريل-1992

مشاهدات 57

نشر في العدد 997

نشر في الصفحة 50

الأحد 19-أبريل-1992


الوهم المعشوق

لا يلبث المدقق، في عالمنا المراهق، أن يرى في ليل التيه أشباح الأوهام تتماوج في أضواء الأحلام، فإذا طلع صباح الحقيقة، ظهرت بشاعة تلك الأوهام، لتترك نتوءات مشوهة على وجوه هؤلاء المراهقين الذين لا يلبثون أن يقعوا ولمرات كثيرة في مصايد تلك الأوهام، حتى تتركهم بعد كثير من التشوهات، وكأنهم أغاليط إنسانية، سمجة الفكر والشكل، عميقة العقد والتراكمات.

وبغير التفاف حول الواقع أو تسطيح للمثل أو المعلومة المراد إيصالها، نقول: كم من المراهقين الفكريين كبوا وسقطوا حتى تحطمت عظامهم، وهم يلهثون وراء سراب المبادئ الدخيلة. فالشيوعية مثلًا كانت أغنية عشاق التحرر الوحيدة ومنتجع عباد الفكر المفضل، وكانت تعاليمها هي «المقدس» الذي ترخص له الأعمار، ويراق على جوانبه الدم، بل وتباع في سبيلها الأوطان، وتهدم الأديان، وتحل الحرمات، وتسلسل الشعوب، لتباع في أسواق النخاسة الماركسية أو اللينينية، والاشتراكية ربيبة الشيوعية أو حبيبتها على اختلاف نزعاتها وتنوعاتها، والتي مثلت عند البعض أو كانت المنقذ الملهم والمغيث المنجد، وعند البعض الآخر الخيال الحالم، والغرام العذري لعروس الشرق الناضر، قبحها الله من عروس حبلى بالمصائب والأهوال والدواهي مصابة بالعهر، مطية كل مجنون مفتون خائب، كم أريق تحت قدميك من دماء، وقطع من أشلاء، ودبج في مخدعك من مصائب.

كم هبطت من أحزاب بمسميات وألقاب وهالات كالهر يحكي انتفاخًا صولة الأسد، سارت معها سدنتها، لتزين وجهها وأقبيتها بالمساحيق، لتخفي عوارها وجراحها، وفي أحيان كثيرة لتسترها بالأقنعة والأغلفة، ثم تدق لها الطبول وتجمع لها السحرة، ويتنادى لها المشعوذون، وترفع لها الرايات، وتُدبج لها الأغاني والأناشيد، وتنطلق الأصوات بالهتاف حتى تبح الحناجر، ويجتمع الغوغاء من كل حدب وصوب، ينسلون في منظر مهيب، تسيل فيه قرائح فرسان الفكر والشعر والأدب، في منظومة مبرمجة ومُخرجة ومصورة ومسجلة، لتذاع وتعرض وتسمع وترى مع الموسيقى الصادحة، والمؤثرات المعبرة، والمقدمات المحفزة، ثم تظهر صور البطل الكرتوني، والنمور الورقية لتشرئب إليها الأعناق وتبح لها الأصوات، وتتعلق بها المُهج في مشهد تمثيلي مهيب، توارى فيه المخرج والمؤلف، ولم تظهر فيه إلا الدمى والمسرح، وما أروع شوقي في تصويره إذ يقول:

انظر الشعب كيف يُوحون إليه

 ملأ الجو صراخًا بحياة قاتليه!

أثر البهتان فيه وانطلى الزور عليه

يا له من ببغاء عقله في أذنيه

ويعجب الإنسان كثيرًا من خلال هذه العقول، ويقول ما بالهم يرتكسون في حمأة هذا الجهل الوبيل، ولا يلتفتون إلى الإسلام ولا يسمعون النداء العلوي الجليل الذي يكرم الإنسان، ويرفع القدر ويباركه، وما بالهم لا يحسون التصور الإسلامي الشامل الرفيع النظيف للوجود كله بغير عقد، أو أحقاد أو ظلم؟ لماذا تستقطبهم الجاهلية بشتى أشكالها وأنواعها، وتفترسهم الأمراض والعلل والأوهام، أهو عمى في البصيرة، أم نقص في التربية، أم غزو في الثقافة والتوجيه، أم جهل وغرور وسفه، أم هو كل ذلك مختلطًا بأوهام الصغار، وأحلام العصافير!




 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 49

101

الثلاثاء 02-مارس-1971

نصيحة إلى الشباب (شعر)

نشر في العدد 50

95

الثلاثاء 09-مارس-1971

السلام الهزيل (شعر)