العنوان السباحة عكس التيار الجارف!
الكاتب عبدالرحمن بدر القصار
تاريخ النشر السبت 15-سبتمبر-2012
مشاهدات 59
نشر في العدد 2019
نشر في الصفحة 31
السبت 15-سبتمبر-2012
عشت في الأيام السابقة تجربة فريدة من نوعها، تعلمت منها الكثير.. بدايتها كانت لحظة إعلان مؤسسة الرئاسة المصرية حضور الرئيس د. مرسي قمة دول «عدم الانحياز» بتاريخ۳۰/۸/ ۲۰۱۲م، والمنعقدة في إيران - الداعم الرئيس لنظام القتل والقمع والتهجير في سورية - استنكرت الزيارة في البداية، ولكن قلت: لم لا أبحث عن منافع ومفاسد الزيارة لطهران؟ هل الرئيس المصري بهذه البساطة ليحرق أوراقه شعبيًا وعربيًا؟ ماذا لديه من أجندة يود وضعها على طاولة القمة؟ إلخ من أسئلة.
وهنا ابتدأت ولمدة يومين في قراءة مقالات بعض الصحفيين المميزين والأساتذة السياسيين، وبعض المفكرين والناشطين وأغلبهم من المصريين ومراسلتهم والاستفسار منهم عن جدوى الزيارة من عدمها، فجاءتني ردود مختلفة معظمها إن لم يكن جميعها مؤيدة الزيارة الرئيس لطهران!
وبعد أن جمعت هذه الردود المختلفة ووجهتي النظر حول الزيارة، كتبت مجموعة تغريدات عبر حسابي في «تويتر» بتاريخ ٢٦/٨ / ۲۰۱٢م «أي قبل الزيارة بأربعة أيام» عن زيارة الرئيس المصري. د. مرسي لطهران الحضور قمة «عدم الانحياز»، وكانت كما يلي:
سيتوجه الرئيس المصري لطهران للمشاركة بقمة دول عدم الانحياز، ولهذه الخطوة معارضون ومؤيدون.. سأنقل لكم وجهتي النظر:
فمعارضو زيارة الرئيس المصري لطهران يقولون، وهم صادقون بذلك إن النظام الإيراني داعم مباشر للجزار بشار بالمال والرجال والسلاح.. ومجرد المشاركة بمؤتمر دول عدم الانحياز هو إعطاء غطاء لطهران في دعمها لـ بشار، وخيانة لدماء السوريين - كما يزعمون - ويطالبون د. مرسي بالمقاطعة إذ إن مقاطعة رئيس أكبر دولة عربية وهي مصر للمؤتمر تعبر عن رسالة احتجاج قوية لدعم طهران الصريح للنظام الأسدي.
أما من يؤيد مشاركة الرئيس د. مرسيبقمة طهران فهو ينطلق من أن تكوين جبهة مضادة لإيران من مصر والسعودية وتركيا يشكل وسيلة ضغط قوية على إيران، كما أن المشاركة تكون بهدف إيصال رسالة احتجاج قوية لإيران في عقر دارها بأن دعمها لـ الأسد، خاصة وتدخلها بالخليج عمومًا مرفوض قطعًا، ولو لم تستجب إيران الرسالة مصر الاحتجاجية فلن تكون هناك علاقات طبيعية مع إيران التي هي بأمس الحاجة لها، ولن تقوم للعلاقات قائمة، كما أن خيار التواصل وأنت تملك أوراق القوة والقدرة على التأثير عربيًا - حالياً ومستقبلًا - خير من المقاطعة والانزواء.
السياسة هي «فن الممكن»، فإذا تمكنت من التأثير الإيجابي على الأقل عربيًا، على الثورة السورية، فلم السلبية والتراجع.. مم الخوف؟ كما أن السياسة وإدارة الدول ليست كخطبة الجمعة أو درس الفقه، إنما هي تعامل مع الجميع كل بما يناسبه وفق مصالح الدولة والأمة العليا.
وينوه الفريق المؤيد للمشاركة بأنه لا مجال للمزايدة على الثورة السورية، ولا تجوز المتاجرة بدماء السوريين فمصافحة نجاد ليست تطبيعًا أو تأييدًا، ولو كانت مصافحة نجاد والابتسامة له تطبيعًا وتأييدًا له وخيانة للثورة السورية لكان ملك السعودية أول مؤيد لـ نجاد بمؤتمر مكة الأخير وحاشاه!
انتهيت من عرض وجهات نظر الفريقين، ومغردكم مع المشاركة بالقمة المنعقدة في طهران بشرط إيصال رسالة إنكار شديدة لطهران حيال دعمها الأسد، وتدخلها بالخليج.
وجاءتني ردود مختلفة ومتباينة حول تلك التغريدات مؤيدة ومعارضة، وفي الحقيقة كنت متفائلًا بزيارة الرئيس المصري لطهران ولكن بـ حذر، والفيصل الذي كان بين من يؤيد الزيارة ومن يعارضها هو: ماذا سيفعل ويقول الرئيس المصري بالقمة؟ الكل منتظر.
ولله الحمد، وكما كنت متيقنًا، جاء خطاب د. مرسي، في القمة قويًا وواضحًا في نصرة الثورة السورية، والوقوف إلى جانب طلاب الحرية هناك وفي كل بقاء الأرض، وإدانة النظام السوري فاقد الشرعية، كما أنه ولأول مرة في تاريخ الزعماء المسلمين يترضى زعيم على أبي بكر وعمر وعثمان وعلي والصحابة الكرام رضوان الله عليهم في عقر دار من يسبهم!
ولم تملك الشعوب العربية والإسلامية إلا أن تصفق لخطاب الرئيس المصري بحرارة، وانقلب معظم معارضي الزيارة من علماء ومشايخ وسياسيين وشباب غيور، انقلبوا المؤيد لها بعد الخطاب الذي زلزل طهران و البعث القاتل.
أخلص من هذه التجربة إلى ما يلي:
- عدم التسرع في تبني وجهة النظر السائدة حول موضوع ما حتى وإن تبناها رموز كبار وأشخاص فضلاء، أعمل عقلك وتفكيرك واستشر واسأل وناقش ثم تبن رأيك، وبعد ذلك لا تخش أن تكون وحدك أو معك القليل من الناس.
- السياسة علم بحد ذاته، والعلاقات الدولية تخصص منه، وحضور الرئيس المصري لقمة طهران يدخل من هذا الباب.. لذلك لا تتردد أن تسأل أهل الاختصاص عن هذا الأمر كما قال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (النحل:43).
- عدم جعل العاطفة أساسًا وحيدًا لبناء رؤيتنا للأمور، ومن جميل ما قيل في ذلك ما قاله الإمام حسن البنا رحمه الله: «الجموا نزوات العواطف بنظرات العقول، وأنيروا أشعة العقول بلهب العواطف، وألزموا الخيال صدق الحقيقة والواقع، واكتشفوا الواقع في أضواء الخيال الزاهية البراقة ولا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة..».
- تقديم إحسان الظن بالرئيس د. مرسي»، وهو ابن الجماعة الربانية التي ربت وزرعت فأحسنت الزرع فطاب الثمر.
- الرئيس المصري ليس ساذجًا بالذهاب لإيران، في هذا الوقت بالذات، دون أن يكون له موقف قوي من سورية، وأجندة واضحة وقوية ضد طهران.. ولله الحمد كان ما كان.
- أن تعتزل وتبتعد عن المواجهة لأنك ضعيف فهذا حقك، لكن أن تعتزل ولا تواجه وأنت قوي فهذا ليس من حقك وهو قمة الضعف! لذلك قرر د. مرسي، رئيس أكبر دولة عربية، مواجهة البعث و الصفويين... فأصاب.
وختامًا أقول: السباحة عكس التيار الجارف ممتعة وتثري العقل، ولكن ليس على إطلاقها؛ لأنها تحتاج للياقة، فكن مستعدًا إذا لزم الأمر.. والحمد لله الذي علم الإنسان وفهمه.