العنوان التوازنات الطبيعية
الكاتب ا. د. عماد الدين خليل
تاريخ النشر الجمعة 30-مارس-2012
مشاهدات 48
نشر في العدد 1995
نشر في الصفحة 66
الجمعة 30-مارس-2012
حذر «بيتر باريت» من جامعة «فكتوريا»، في ويلنجتون بنيوزيلندا، مؤخرًا، من ارتفاع مستوى مياه البحر ستة أمتار خلال أقل من قرن من الزمن بسبب ذوبان الغلاف الجليدي الغربي للقطب المتجمد الجنوبي
ولاحظ - لحسن الحظ - استقرار الغطاء الشرقي للمحيط الذي تبلغ مساحته خمسة أضعاف الغطاء الغربي وتعتبر الغازات الصادرة عن النشاطات الإنسانية والصناعية، والمسؤولة عن ارتفاع حرارة الأرض، وراء ذوبان الغطاء الجليدي الشديد الحساسية للمتغيرات المناخية.
وقال خبير آخر في معهد نيوزيلندا للعلوم الجيولوجية والنووية وهو «تيم نيش» بأن هذه التغيرات قد تؤدي - خلافًا لذلك - إلى إشاعة عصر شبه جليدي بسبب وصول المياه الباردة إلى تيارات المحيط.
وهكذا، وعندما دخل الإنسان باندفاعه، وغروره، وتجبره ورغبته العاتية في التكاثر بالأشياء، على صنع الله سبحانه، المحكم، الدقيق المنضبط، فتح بوابة الفساد الكبرى في فيزياء العالم والكون القريب، وهو آخذ في التوسع والازدياد حتى يؤذن بيوم الهول الذي لا ريب فيه!
فبسبب الأنشطة الصناعية المتورمة ارتفعت حرارة الأرض تلك التي ستقود إلى ذوبان الغطاء الجليدي شديد الحساسية للمتغيرات المناخية، وبالتالي تعرض العالم العشرات «التسونامي» الرهيبة التي ستغرق مساحات واسعة منه، وتأتي على الأخضر واليابس.
وقبل هذا، فإن ارتفاع حرارة الأرض فيما سماه العلماء بـ «الزحف الحراري»، قد ألحق بالناس كافة، في مشارق الأرض ومغاربها، من الأذى والخسائر في الأرواح ما تتحدث عنه وكالات الأنباء صباح مساء.
والأنشطة الصناعية المتكاثرة كالسرطان على سطح الكرة الأرضية، لا تقف عند حدود دفع درجة الحرارة وتذويب الجليد، وما يترتب عليه من مصائب وويلات، وإنما هي أيضًا من أشد عوامل تلويث البيئة، وتهيئة الظروف المواتية لتزايد الحالات المرضية النفسية والجسدية، ولتكاثر حالات السرطان التي أخذت تنتشر في صيغة متوالية هندسية قد تأتي على الكثير من سكان هذا العالم البائس المنكود.
وتجارب تدشين القنابل الذرية والهيدروجينية والنيوترونية، في أماكن مختلفة من العالم، دخلت هي الأخرى على خط إفساد فيزياء العالم منذ أربعينيات القرن الماضي، ثم ما لبثت أن راحت تزداد في الكم والنوع، فيما يؤذن بالمزيد من الخلل، ليس في بنية العالم فحسب، وإنما في الكون المحيط.
فها هو ذا الانكسار الخطير في طبقة الأوزون، يدخل عاملًا مضافًا على المتغيرات الحرارية في العالم، وينذر بالويل والثبور.
ليست هذه الكلمات دعوة للكف عن التقدم التكنولوجي ووقف المصانع عن العمل، فهذا لا يخطر على بال عاقل وإنما ترشيد التقدم التقني واللهاث الأسطوري الخطير وراء التكاثر بالأموال والأشياء، والتنامي بالقوة المسلحة، من أجل حماية العالم من الفساد الكبير.. والفساد الكبير هو هذا الذي نراه بأعيننا، ونلمسه بأيدينا، وتكتوي بويلاته الراهنة، وسنكتوي أكثر فأكثر في الزمن القادم الذي قد لا يبعد كثيرًا.
وصدق الله العظيم القائل في محكم كتابه: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (الروم:41).. لعلهم يرجعون إلى عالم محكم في هندسته، منضبط في حركته، موزون في معادلاته جميل في معطياته كما أراد له الله سبحانه أن يكون، وليس كما يريد أولئك الذين فقدوا «الحكمة» من وراء تعاملهم مع «التقنية»، واندفعوا لا يلوون على شيء، ومن ورائهم عالم يوشك على الخراب!