; غربة وحنين | مجلة المجتمع

العنوان غربة وحنين

الكاتب أبو محمد إقبال

تاريخ النشر الثلاثاء 30-ديسمبر-1986

مشاهدات 72

نشر في العدد 798

نشر في الصفحة 45

الثلاثاء 30-ديسمبر-1986

رحلت عن الديار وكل ذنبي * بأن الله في الدنيا شعاري

وقد فارقت إخوانًا وأهلًا * بدير الزور مفخرة الديار

أفكر فيهم ليلًا – ونهارًا * فلا ليلي يطيب ولا نهاري

أحاول وصلهم والدهر يأبى * موافقتي ويرفض لي اعتذاري

وكم أملت أن أحيا بأرض * يكون ترابها الزاكي دثاري

فهل لي أن أصبحهم بيوم * وأجلو ناظري بعد انتظاري

وأسكن قرب إخواني وأهلي * وأنعم بالفرات إلى جواري

قد طال التغرب والتنائي * وصار القلب مكويًا بنار

لا قلبي سيهدأ في ابتعادي * ولا حالي سيهنأ دون داري

ما أرسلت شكوى القلب إلا * إلى الرحمن كي يرعى صغاري

يلفظ إخوتي من كل سوء * ويرحم حالتي بعد انكساري

فكل حوادث الأيام تحكي * قضاء الله لا محض اختياري

وكل أخ سيهجره أخوه * ويرجع بالودائع والعواري

فما شيء من الدنيا بباقٍ * وليس على البسيطة من قرار

***

رد على أبي القاسم الشابي

إذا الشعب يومًا أراد الحيا * ة وجاء بمقتضيات القدر

من فعل ما قضى علينا ربنا * في شرعه من يقظة ومن حذر

وبغض من خالف دين أحمد * مع امتياز عنهم وبين البشر

برفض تقليد وكل خصلة * لهم من استحسنها قد انصهر

لله في رفع لواء دينه *  ليجعل الحكم له إذا ظهر

عبد الرحمن الدوسري

***

إلى الشاعر أحمد الخاني

شعر: أحمد حسن القضاة

عضو رابطة الأدب الإسلامي

 

«في ديوانه الخامس «مع الشعراء» أهدي إلى الأخ الشاعر أحمد الخاني –مثلما أهدي إلى عدد من الشعراء غيري– قصيدة عصماء، وهأنذا بدوري أهدي إليه قصيدتي التالية آملًا أن تحظى لديه بالقبول.. مع خالص تقديري وحبي له».

يقولون: هيا للخمائل وارتجز * بأفيائها الأشعار والقول والنظما!

فهذي المغاني حول «عجلون» جنة * وتسبي سوي الناس والصم والبكما[1]

ألا انظر يمينًا للثمار تنوعت * مطاعمها والطير تشدو بها نغمًا!

أو انظر شمالًا للجداول قد سبت * عقولًا بما تحوي لجينًا صفا دومًا!

وتنساب عبر الحقل تروي زروعه * كأفعى إذا ما اجتازت الحقل والكرما

مغاني من يطلب يقيم بحضنها * تقل: مرحبًا نعطيك من حضننا سهما

كساها من الحسن الإله فأصبحت * كمثل جنان الخلد.. تصغرها حجما

أليس بهذا يا ابن «عجلون» حافزًا * لترسم هذا الحسن شعرًا لنا اليوما؟

***

فقلت: ذروني والمغاني وما بها * فشعري قد عاهدت أن يردع الظلما!

وأن أجعل «الإصلاح» همي وديني * لأمتنا مذبات إصلاحها «جرما» 

فأدعو كل الناس – أمتي وأخوتي – * لما ينفع الأوطان أو يخدم العلما

فواعجبًا من بعض قوم تبلدت * حجاهم كأني ما عهدت بهم شهما!

فإن تدع للإصلاح حوربت جهرة * وأن تدع للإفساد في عرفهم أسمى

وماتت أسود الغاب يا ويح أمة.. * تموت بها الأساد أو ترتضي الضيما!

***

أيا «أحمد الخاني» إليك تحيتي * من القلب... والشكران ما طاول النجما!

بماذا يجيب الشعر – والشعر عاجز – * يفي حقك المطلوب يا راقيًا نظما؟

أليست – رعاك الله – داعية الهدى * وصانعة الأمجاد بالثورة العظمي؟

أحن إليها أفتديها بمهجتي * وأبذل نفسي ما استطعت بها عزما

سألت إلهي يجمع الشمل واحدًا * لأمتنا والدين يضحي لها «حكما»

***

  • قصة قصيرة

المشهد الثاني

العشاء مع المدام يا أستاذ!

لا تذهبوا اليوم إلى الدروس العملية، فتبقون في المعسكر؛ لترتاحوا من سهر الليل في الخيام.. في الساعة الحادية عشرة تستدعون إلى تفقد استثنائي، فيخالطك شيء من الحذر والوجل... تقرأ الأسماء حتى يأتي دورك.

_ أين كنت البارحة؟

_ في الخيمة مع رفاقي.

_ بل كنت غائبًا.

_ رفاقي موجودون ويمكنك أن تسألهم.

_ لا تجادل.. قف جانبًا وسنناقش الأمر فيما بعد.

تقف خارج الصف، فتتلى بقية الأسماء بسرعة.. يزداد توجسك، تسترجع الذكريات والأسماء والأرقام.. تتوقع السيئ والأسوأ.. تتفقد الاحتياطات.. تتفحص عزيمتك، تتأمل نفسك.. تسائل روحك.. تخاطب والدك ووالدتك وأخوتك وأخواتك، أترابك ورفاق مسجدك.. تتطلع نحو مستقبل تتيقن من قدومه ناصعًا رفقًا بالخير والعطاء.. تعيد بعض حسابات، تتريث قليلًا ثم تستغفر به وتستعيذ به من وسوسات الشيطان.

قرب مبنى الضباط كانت سيارة الجيب بانتظارك، وعدد من المدنيين المسلمين ببندقيات بكلاشينكوف يتأهبون لقدومك.. تدعى إلى دخول السيارة فتجادل نتج: لا يحق لكم هذا.. إلى أن تأخذونني؟ ماذا فعلت؟ أنا طالب جامعة، وأنا الآن بمثابة جندي لا يحق إلا للشرطة العسكرية التعامل معي.. ابعد يدك عني.. ابعدوا.. يقترب منك أحدهم بتهذيب: أنت طالب جامعة وتفهم الأصول، اصعد وحدك فهو أفضل من الصعود بالقوة.. تقتنع وتصعد إلى السيارة في الخلف، ويحيط بك المسلحون من جانب.

تمضي السيارة متوجهة نحو العاصمة تنهب الطريق نهبًا.. الحر شديد والحرس المحيطون بك يزيدون الجو حرارةً وضيقًا، تشعر بالاختناق.. ترجوهم فتح النوافذ يفتحون أحد بابي السيارة الخلفيين، تزداد سرعة السيارة فجأة تعطف نحو اليسار، تتجاوز سيارة صغيرة ثم تمشي أمامها سادة عليها الطريق، يعلو الضجيج والقهقهات تطلع مستفسرًا.. رجل يقود سيارته وإلى جانبه زوجته محجبة.. تشعر بالغيظ، تجاوزكم السيارة الصغيرة، ثم تتجاوزونها فتزداد الصرخات الفاجرة والإشارات المخجلة نحو الرجل وزوجته، تتململ في قعدتك، يزداد غيظك، تتجاوزكم السيارة الصغيرة ثالثة ورابعة..

يزداد الرجال المسلحون فجورًا، يغلي الدم في عروقك، تتشنج عضلات وجهك، تصطك شفتاك، لا تقدر على الكلام.. لا تقدر على الاحتجاج.. لا تقدر على شيء، عاجز.. عاجز تمامًا.

تتوقف السيارة الصغيرة فجأة وينزل منها سائقها محتجًا: عيب يا شباب.. عيب يا ناس عیب یا عالم.. ما في أخلاق.. ما في شرف.. ما في قانون.. ما في مروءة، ينزل قائد المجموعة وبعض المسلحين.

_ شو أستاذ ما عرفتنا!

_ لا والله ما عرفتكم!

_ أظن أننا معروفون أستاذ.

_ ما حصل الشرف بعد.. من أنتم؟

_ يظهر أنك غبي تمامًا يا فهمان.. العمى يضربك.. أما رأيت سيارة مخابرات في حياتك.

يجفل الرجل بتأدب، يزداد تهذيبه.. تحمر وجهه.. يتطلع خلسة نحو زوجته: العفو يا جماعة والله ما عرفتكم.. المعذرة يا إخوان.. أخطأت بحقكم، أرجو المعذرة.

لا يكتفي قائد المجموعة بهذه الاعتذارات، وينادي على عناصره الآخرين ليتفرجوا على المنظر:

_ ما رأيك بها أبو الجوج؟

_ والله أحلى من العسل يا أبو الداد.

_ ألا تراها أحلى من زوجتك أبو الليل؟

_ بل هي أصبى من ابنتك يا أبو الجوج، مع إنها أكبر منها بعشر سنوات؟

_ والله يا شباب أقنعتني زوجة الأستاذ بأن الإيشارب يزيد الجمال.

_ فكيف لو رأيتها بلباس النوم أبو الليل.

_ مستعد أن أهدي بندقيتي ومسدسي للأستاذ إذا رأيناها بلباس النوم.. شو رأيك أستاذ؟

_ ما فيها شيء... الأستاذ كريم «ونحنا بنستاهل» أليس كذلك يا أستاذ؟

_ النتيجة أستاذ.. ألن تدعونا الليلة إلى سهرة مع المدام؟

_ خذ عنوانه بالتفصيل يا أبو الجوج مع بقية المعلومات وموعدنا الساعة العاشرة ليلًا.. أسرعوا يا شباب..

كان الأستاذ محاطًا باثنين من الرجال الأشداء، وزوجته الذبيحة تقف مقابله تبكي بكاءً مرًّا وقد غطت وجهها بيديها، فيما أنت مقيد اليدين الى ظهرك تتصبب عرقًا.

أما أبو الليل وأبو الجوج وأبو الداد فكانوا في أحسن حالاتهم بهجة وفرحًا.. أخذوا رقم سيارة الرجل ونوعها، وعنوانه بالتفصيل مع اسم زوجته وعنوان أهلها وانطلقوا إلى سيارتهم.. وعلا صراخهم:

_ سنمر عليكم الليلة أستاذ..

_ العشاء عندكم الليلة أبو الشباب..

_ الرجاء أن تشتري المدام فستان سهرة خصوصي.. على حسابك أستاذ.

_ يسلم لي القمر.. الليلة سأرى القمر.. أموت في القمر..

تنطلق سيارتكم بسرعة جنونية وتخلفون سيارة الرجل وراءكم.. الرجال المسلحون في فرح غامر..

_ ما رأيك أستاذ؟

_ .....

_ هل ما فعلناه حرام يا شيخ؟

_ .....

_ أنت شرعي وتفهم... هل يجوز لنا أن نسهر الليلة مع زوجة الأستاذ؟

_ .....

نريد رأيك يا شيخ... بلا دلال يا شيخ..

تجد نفسك مضطرٌا للكلام.. تنتقي كلماتك.. تفكر بها جيدًا..

تنطق بها بصعوبة: تخيل نفسك مكان الرجل..

لا تدري إن كانت صفعة، أم ضربة بعقب البندقية، أم دفعة برجل أحدهم في بطنك.. الذي تعرفه أنك أفقت في باحة السجن معصوب العينين، خائر القوى، تجر رجليك جرًّا، ثم تزاح العصابة عن عينيك، وتدفع دفعًا إلى إحدى الزنزانات.

محمد وليد سليمان

***


 

[1] عجلون: اسم مدينة في الأردن.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2121

109

الأحد 01-يوليو-2018

حُداءُ الشِّعْرِ محمودُ

نشر في العدد 2114

143

الجمعة 01-ديسمبر-2017

حضارتُنا عِلْمٌ وإبداعٌ

نشر في العدد 42

384

الثلاثاء 05-يناير-1971

رِسَالَةٌ إِلَى الْحَجِيج (شعر)