العنوان خبرة سابقة في جهنم!
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 11-سبتمبر-1973
مشاهدات 80
نشر في العدد 167
نشر في الصفحة 16
الثلاثاء 11-سبتمبر-1973
خبرة سابقة في جهنم!
أربع وعشرون ساعة مضت ونحن واقفون دون أن يتغير الحال، لا ليل ثمة ولا نهار، الشمس جامدة كما هي فوق الرؤوس، درجة حرارتها واحدة لا تتغير، البشر يقفون جميعا في حالة تعاونية غريبة!!
وكل الأشياء قد فقدت وظائفها ومعناها
ظهر الموت للناس فجأة، أبصره بعض الواقفين واندفع واحد من الواقفين يسأل جاره:
- أهذا الموت قد ظهر للناس؟
أجاب الآخر:
نعم, هو، وليته يستطيع القيام بوظائفه فنستريح لقد فقد هو الآخر معناه، صار مثلنا تماما.
عاد الأول يتكلم:
لقد كان موت- الموت- حدثا غريبا، لقد تسبب موته في كشف كل الحقيقة, ولو أنه ظل يعمل الدمار والموت في الناس لاستمرت الحياة، وهذا كذلك أمر غريب نعم, أمر غريب، أن ترتبط الحياة بالموت هذا الارتباط الوثيق، يبدو أن الموت كان يسهم في صنع الحياة دون أن ندري.
قاطعه الآخر:
أجل، شيء غريب حقا أن يكون رحيل الموت سبب كل ما نحن فيه الآن من البلاء.
عاد الأول يستطرد:
هل سمعت عن جبابرة التاريخ، نيرون وستالين وهتلر وموسوليني وفرعون مصر في منتصف القرن العشرين؟
- نعم.
- لقد كان موتهم جميعا سببا في نكسة.
- لكن حياتهم كانت بلاء كذلك.
- هناك ناس يستوي بلاؤهم في حياتهم ومماتهم، إن شرهم مكثف!!
وانطلق صوت رهيب هز كل المجتمعين في صعيد واحد، اهتز التاريخ البشري كله في لحظة واحدة وتلقفت الآذان الصوت القادم المجلجل، كأنما يصب الكلام فيها صبا، كان صوت ملك يقتحم الآذان وهو يشير بيده:
- من سبق له دخول جهنم فليجتمع في هذا الصعيد.
وساد الناس جو من الدهشة، والصمت، وبعضهم سيطرت عليه دهشة عدم
الفهم.
- إن الحساب لم يتم بعد، فما معنى هذا السؤال إذا؟
وأعاد الملك الأمر:
- من له خبرة سابقة في جهنم فليخرج هنا؟
ويبدو أن بعض الناس قد فهم السؤال، فاندفع صوب الجهة التي حددها الملك.
كانت الجهة صوب الشرق, لكن الذين خرجوا كانوا قلة جدا وتبرم الملك من سوء فهمه هذا الصنف من الأحياء، إذ وجد أنهم لا يزالون في حاجة إلى إعادة السؤال أنه لا يمكن أن يكون الذين لهم تجارب جهنمية في الدنيا هم هذا العدد الهزيل فقط.
ورأى الملك أن يوضح السؤال بطريقة عملية، فسأل أحد المتجهين صوب الشرق:
- يا هذا - من أي الأجناس أنت؟
أجاب الرجل: من أحفاد سام ابن نوح.
فسأله الملك: في أي العصور عشت؟
أجاب الرجل: في العصر الانقلابي الثوري.
فأشار الملك إليه بأن يسرع في سيره مع السائرين!!
لم يكد الرجل ينتهي من إجابته حتى حدث هرج كثير في الساحة الضخمة التي يجتمع فيها البشر، لقد تدافعت أعداد ضخمة تكاد تكون أمما بأكملها متجهة صوب الناحية الشرقية، وراحت تأخذ دورها في الجانب الشرقي الذي كاد يضيق بالرواد.
واستراح الملك، لأنه ظن أن أمره قد فهم، وأهم بإصدار أمر آخر لولا أن رأى أيادي كثيرة مرتفعة فهم أن أصحابها لا يزالون يريدون الاستفهام وأشار الملك لأقرب رجل يرفع يده بأن يتكلم, فقال الرجل:
أنا من العصر الحجري القديم، عشت في الغابات مع الأفيال والأسود، أكلت العشب واللحم النيء، عانيت من مظاهر الطبيعة الكثيرة الصعبة، لم أتمتع بشيء مما عرف بعد في أطوار الحضارات فهل تحتسب هذه خبرة في جهنم؟
قال الملك:
لا، فعصرك عصر الإنسان الباحث عن إنسانيته، الإنسان الحر الذي لا تحده إلا قوانين الله، أنت المسؤول عن كل أمورك، وهذه هي الإنسانية، لقد عشت في أول مراحل الحياة الحقيقية عيش الكدح والكشف، أما جهنم، فهي عصر ارتكاس الإنسانية عصر فقدان الحرية ولو باسم الحرية، عصر القيود والسدود التي ليست من قوانين البقاء، إنك من الذين يتحملون قدرهم فأثبت مكانك.
وانخفضت أيد كثيرة كانت مرتفعة عند انتهاء الملك من توضيحه، لكن أيد أخرى كثيرة لا زالت مرتفعة، وفي تبرم ظاهر أشار الملك إلى رجل آخر بالكلام، فقال الرجل:
عشت في العصر التتري، كنت مجرد تابع لجيش ضخم من أنصاف البشر، لقد اشتركت في عمليات كثيرة تم فيها تدمير حضارات وإزهاق نفوس، ونهب أموال، فهل أنا بهذا من الذين دخلوا جهنم الدنيا؟
أجاب الملك: لقد تمكنت الهرب من تلك الجيوش، لقد كنت تمشي بإرادتك تسلب وتقتل وتنهب بإرادتك، كنت مسؤولًا عن خطيئتك، كنت حرًا والأهم من ذلك، كنت مؤمنا بما تفعل، وكنت راضيا عن قيادتك، وتعتقد أنك تعمل عملًا عظيمًا, إنك مسئول ومسئول، وسوف تعرض على اللجنة المشكلة لحسابك أنت وأمثالك، وانتظر مكانك، أنت لست ممن دخلوا جهنم الدنيا.
ما أن انتهى الملك من كلامه حتى ارتفعت أياد كثيرة، تريد هي الأخرى أن تسأل، وكان الضيق قد بلغ بالملك مبلغه حتى كاد يصيح في وجوه السائلين صيحة نكراء تعبر عن برق وضيق بهم.
وقبل أن تخرج الصيحة من فمه وصل إلى سمعه صوت إنسان يتكلم, قال الإنسان:
إننا جميعا ذوو حالات مختلفة, وكما تعلم فنحن ننتمي إلى شرائح تاريخية وتركيبات حضارية متباينة، وبدلا من أن يسألك كل إنسان منا عن حالته اقترح أن تذكر لنا بجلاء خصائص- جهنم الدنيا- حتى يقيس كل إنسان نفسه عليها، كي لا نثقل عليك بالأسئلة التوضيحية المتكررة.
لم يكن أمام الملك إلا أن يستجيب ويبدو أنه شعر بشيء من الراحة لهذا الاقتراح، فبدأ يشرح للجموع المنصتة خصائص جهنم الدنيا، قال الملك:
● جهنم الدنيا هي سجن كبير يتنفس فيه الناس، ويحسون معه بالعبودية والذل، ثم يقال لهم: إنكم أحرار في أرض الحرية، إنها سجن الحرية!!
● جهنم الدنيا هي منع الناس من أن يتكلموا وتعذيبهم إذا تكلموا، ثم القول لهم مع ذلك بوجوب أن يتكلموا، إنها امتهان القول!!
● جهنم الدنيا هي التي يعذب فيها الإنسان دون أن يعرف لماذا يعذب ويسجن دون أن يعرف لماذا سجن، إنها الظلم!!
● جهنم الدنيا هي الشعارات الجميلة التي يقتل باسمها الناس، ويشعرون بأنها طوق في أعناقهم، إنها الغوغائية!!
● جهنم الدنيا منع الإنسان من أن يتصرف في أمر نفسه، ومنعه من أن يتصرف في أمر ضميره، ومن أن يحب كما يشاء ويكره كما يشاء، ويعتقد ما يشاء أنها العبودية!!
● جهنم الدنيا هي التي اقتربت فيها وسائل التعذيب من وسائل تعذيب جهنم الآخرة، والفرق بينهما، أن تعذيب الآخرة بحق، وتعذيب الدنيا بالباطل, وإن تعذيب الآخرة من صاحب التقرير في الحق، الخالق، وتعذيب الدنيا من بشر كالناس مجرد مخلوقات، إن جهنم الدنيا هي ظلم الإنسان للإنسان، إنها اللاإنسانية!!
● جهنم الدنيا هي التي يحس فيها الإنسان بالضياع، وبأنه موسوم بصفة لا يستطيع التخلص منها، وبأنه مذنب- رغم أنفه- وبأنه يوصم بما ليس فيه، وبأنه لا يستطيع الدفاع عن نفسه، إنها الاختناق!!
● جهنم الدنيا هي، تسلط الجهل على العلم، والتخلف على التقدم، والإلحاد على الدين، والفوضى على النظام، والحقد على الحضارة، والأهم من كل ذلك هو إلباس هذا الاختلال ثوبًا جميلًا براقًا.
إن جهنم الدنيا هي قلب المعايير، وتحويل المعروف منكرا والمنكر معروفًا.
● فمن عاش في عصر استعباد الناس باسم الحرية، وامتهان القول باسم التقدمية، وظلم الناس واستعبادهم دون أن يعرفوا سببًا لما يحدث بهم، وفرض الاختناق على الناس، وتحويل المعروف إلى منكر والمنكر إلى معروف.
من عاش في عصر هذه سماته، فليعتبر نفسه من أصحاب الخبرة السابقة في- جهنم الدنيا-!!! لقد استراح الملك وأراح، فاتجه صوب الناحية الشرقية ناس من الناس، وكأنهم ليسوا منهم، إنهم بقايا آدمية محطمة، عليهم علامات الانكسار، وفي عينيهم بريق الخوف إنهم لا يعرفون كيف يسيرون، وكأنهم خارجون من القبور دون أن يمروا بمرحلة الحياة الدنيا!
أبو سمية