العنوان ماذا وراء التحرك البربري في الجزائر؟
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 06-مايو-1980
مشاهدات 87
نشر في العدد 479
نشر في الصفحة 20
الثلاثاء 06-مايو-1980
● الحركة البربرية القومية تعود إلى جذور زرعتها فرنسا في المغرب العربي الكبير
كتبت «لوموند» الفرنسية خبرًا ينقل بعض ما يحدث في الجزائر من اضطرابات فقالت: «في الجزائر تدخلت قوات الأمن ليلة السبت والأحد من أواخر الشهر الماضي ضد الطلبة الذين كانوا يعتصمون داخل جامعة تيزي- أوزو منذ ٧ أبريل».
وأشارت لوموند إلى أن عددًا من الضحايا قد سقطوا في صدامات مسلحة في الوقت الذي منعت فيه السلطات الجزائرية جميع الصحفيين الأجانب المقيمين بالجزائر العاصمة من الذهاب إلى المناطق دون تصريح.
ومن ناحية أخرى عقبت مجلة نوفيل اوبسير فاتير عدد ۲۱- ۱۹۸۰ على أحداث الجزائر بعد أن عزتها إلى تحرك البربر. فأشارت إلى أن السلطات لم تنجح هذه المرة في السيطرة بالطريقة العادية، حيث إن المظاهرات استمرت في ثلاث مدن كبيرة بالمنطقة البربرية، مما يدل على أن المواطنين كانوا يؤيدون الطلبة.
أما كنه هذه الاضطرابات فلعله سيعود بجذوره إلى زمن استقلال الجزائر ١٩٦٣ حيث حاولت قبائل البرير الانفصال تحت قيادة حسين آية أحمد. أحد مؤسسي جبهة التحرير الجزائرية، لكن مجلة نوفيل اوبسير فاتير عزت عدم نجاح الحركة البربرية في ذلك الوقت إلى أسباب منها:
-عدم استعداد الشعب الجزائري للدخول في حروب أهلية بعد الاستقلال مباشرة. ولعلنا إذا رجعنا إلى تاريخ الجزائر نجد أن الاستعمار الفرنسي خطط أثناء احتلاله الجزائر لقسم هذه الدولة قسمين «عرب وبرابرة». ولعل ذيول الاستعمار الفرنسي التي ما زالت موجودة في الجزائر تعمل جاهدة لتضخيم النزاع بين العرب والبرابرة المسلمين بغية تقسيم البلاد إلى قوميتينمتناصرتين وذلك بعد فشل فرنسا منالاستعمار بهذه المهمة.
ومعروف أن الاستعمار الذي اتبع سياسة فرق تسد احتفظ لنفسه بعد خروجه من أرض الأمة الإسلامية بعصابات عملية تمثل ما يسمى بقوميات الأقليات «اللاعربية» كالأكراد والتركمان في المشرق العربي والبرابرة في برد المغرب، والاستعمار الذي لعب لعبة القومية العربية ليفرق بين العرب وشعوب الأمة الإسلامية. يلعب على الناحية الأخرى داخل بلاد العرب بأوراق الأقليات القومية على أساس نظريته التي ذكرناها «فرق تسد» وهذا ويحاول الاستعمار استثماره الآن في الجزائر، فالدعوة البربرية منذ منشئها استعمارية الأصل.. حيث قام الاستعمار الفرنسي منذ الثلاثينات في إنشاء مراكز التبشير النصراني في جبال الأطلس بتونس والجزائر والمغرب، وفي جبال تبشي بالتشاد وصحاري موريتانيا والنيجر والسنغال.
وهذه المراكز كانت تعمل بخط متواز مع الاستعمار العسكري متبنية الاستعمار الثقافي للمنطقة.. وكان برنامجها يعتمد على:
1- تبني اللقطاء والأيتام وتعليمهم وصب ثقافاتهم في القوالب الغربية والنصرانية ثم تزويجهم وتمكينهم من المناصب العليا داخل الأجهزة الرسمية.
2- تنصير من تستطيع تنصيره.
3- وضع قواعد نحوية ولغوية للهجات البربرية وتوحيدها.
ومن هذه المرتكزات انطلق المستعمر لإيجاد أمة داخل أمة. وفعلًا فقد قامت محاولات استشراقيه عدة لوضع تاريخ قومي للبربر، ووضع أدب وثقافة منفصلة للهجة البربرية بل إن كتابات المستشرقين تصر دائمًا على أن البربر لم يكونوا مسلمين مخلصين، وإنهم لم يتبعوا القرآن في عاداتهم وسلوكهم، وكما تقول دائرة المعارف الإسلامية وهي من وضع المستشرقين:
«لكل قبيلة أو جماعة من جماعات البربر دستور خاص بها يسمونه «أزرف» تتفق أحكامه في الغالب مع التعاليم القديمة وتنفذها جماعة الشيوخ في القرية وتسمى «انفالز».
ويتضح من هذه اللقطة الموجزة من العمل الاستعماري القديم في الجزائر وغيرها من الأمصار التي يقطنها البرابرة المسلمون- أن الاستعمار الذي كسرت سكاكينه في البلدان الإسلامية عاد الآن ليطل برأسه عبر الدعوات القومية والنزعات الإقليمية وفق أشكال مختلفة منها:
1- الشكل الثقافي:
فالفرنسيون الذين غزوا النزعة البربرية بدفعات «قديمة - جديدة» من الإقليمية. لن ينسوا تحريك البرابرة تحت اسم الثقافة لتصعيد النزعة الانفصالية القومية لدى البرابرة، ولعل الكاتب البربري «مولود ماماري» يقوم بمثل هذا الدور، حيث نزور محاضراته التي يلقيها في جامعة «يزي اوزو» مركز قبائل البربر، وتدور تلك المحاضرات حول أدب قبائل البربر، وقد ألف هذا الكاتب كتابًا خاصًّا في الأدب البربري، ولا شك أن حظر نشر هذا الكتاب أثار البرابرة ولا سيما الطلبة الذين ثاروا غاضبين واعتبروا موقف السلطات الجزائرية ضربة ضد أدبهم، وينظر الطلبة من منظار إقليمي مضاف للدعوة إلى القومية العربية في الجزائر فيقولون: «بينما توجد كراسي لتدريس الأدب البربري في أنحاء العالم، لا يوجد كرسي لتدريسه في الجامعات الجزائرية، وهذا الأمر وحده أخرج الشباب في مظاهرات صاخبة وهم يصيحون: «لا للقمع الثقافي».
2 - الجانب الاجتماعي:
وعلى هذا الجانب نقف على شيء خطير جدًّا لعل مسببه ومعمقه في نفوس بعض القبائل البربرية هو الاستعمار الفرنسي، حيث إن من أهم الخصائص البارزة على هذا الجانبهو تأثير العادات الاجتماعية في التشريع، والقرآن ليس هو المصدر التشريعي عند بعض عشائر البربر، ومع أن هؤلاء يعتنقون الإسلام إلا أن عقيدة بعضهم صارت بعيدة عن تحكم الشريعة، فكتاب الله هو المصدر الذي لا ينازع في كل ما يتصل بالإيمان وسلامة الدين، ولكنه لا أثر له في التشريع المدني أو الجنائي إلا بمقدار عدم لغاتها الأصلية هناك.. تمكنت خلال ما يزيد على قرن وربع القرن من الوصول إلى الخلط بين ما هو اجتماعي وما هو عقدي في التشريع. وهذا أخطر ما توصلت إليه فرنسا في عالم المسلمين، الأمر الذي يدخل الأسى على قلب المسلم الذي بات يقارن الآن بين هذه المنازع وشخصية القائد المسلم طارق بن زياد الذي فتح الأندلس على الرغم من أصله البربري.
3- الجانب السياسي:
من الجانبين السابقين «الثقافي والاجتماعي» تحاول أصابع الاستعمار أن تلعب دورًا سياسيًّا قذرًا في تحريض فئات الشعب المسلم في الجزائر بغية تحقيق الهدف الذي ذكرنا أن فرنسا عجزت عن تحقيقه في فترة الاستعمار وهو محاولة قسم الجزائر إلى قسمين «عربي- بربري» ويتضح أن أصابع الاستعمار هي التي تحرك المظاهرات التي بدأت تنمي شعور الصراع السياسي بين العرب والبربر، فقد قامت مؤخرًا مظاهرات اشترك فيها ما يزيد عن ٣٠٠ أو ٤٠٠ من الطلبة البرابرة بهدف إثارة المواطنين بالعاصمة حيث أطلقوا فيه شعارات تحمل المغزى السياسي الهادف إلى تكوين كيان بربري مستقل في الجزائر ورسميًّا في الأماكن التي تسكن فيها أغلبية بربرية مثل مدينة تيزي أوزو.
وهنا يلاحظ أن المستعمر الذي فشل في محاولات التنصير التي أشرنا إليها بدوافع سياسية. عاد الآن ليرتب أوراقه من جديد معتمدًا على إثارة النعرة الإقليمية والنزعات الأقلية في نفوس كل من العرب والبرابرة في المغرب العربي بعامة والجزائر بشكل خاص.