; دروس تربوية في آيات القرآن الكريم (3)- آيــة الوضــــوء | مجلة المجتمع

العنوان دروس تربوية في آيات القرآن الكريم (3)- آيــة الوضــــوء

الكاتب أ. د. محمد بديع

تاريخ النشر السبت 20-فبراير-2010

مشاهدات 69

نشر في العدد 1890

نشر في الصفحة 52

السبت 20-فبراير-2010

  • آية الوضوء تتضمن أحكاما شرعية وتعالج قضايا عميقة في ثناياها وتربي العقل البشري على إعمال الفكر والاستنباط
  • الموت مقدر ولا يصلح أن يكون الهرب منه وسيلة للنجاة كما أن البقاء على الحياة منحة من الله عز وجل الذي ندبنا لنفدي دينه بأرواحنا وننال الجنة مكافأة على ذلك
  • من «تخاريف» العلمانيين أنهم يتصورون في الوقوف عند حدود الله تقييدا لحرية العقل والفكر ولم يدركوا أن الله حث العقل البشري وحفزه على إعمال الفكر وإطالة النظر في الكون كله

يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ (المائدة: 6) آية الوضوء هذه تتضمن أحكام ً ا شرعية عن فرائض الوضوء، لكنها تعالج قضايا أخرى عميقة جدا في ثناياها، وتربي العقل البشري على إعمال فكره والاستنباط، وفي نفس الوقت تضبطه بضوابط الشرع حتى ال يضل، وتوقفه عند حده؛ ليعرف قدره، فال يتعدى حدوده، ويقدر ربه حق قدره، فهو وحده صاحب الأمر والنهي: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ۗ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (الأعراف: 54)

الجانب التربوي يؤكد المهمة الأولى والأساسية التي نزل من أجلها القرآن الكرمي؛ ليصنع الفرد المسلم، والأسرة المسلمة، والمجتمع المسلم، والأمة المسلمة على عين الله عز وجل، وذلك بالتزام القرآن والسن ْ ة اللذين إن مستكنا بهما لن نضل بعد رسول  الله أبدا، ومع خواطر تربوية متفرقة حول بعض آيات الكتاب الكرمي المعجز. 

فمن خلق ملك، ومن ملك أمر، ومن تخاريف العلمانيين أنهم يتصورون أن في الوقوف عند حدود الله والانتهاء عند نواهيه تقييد لحرية العقل والفكر، ولو كانوا يعقلون لعلموا أنهم خلطوا الأمور، فإن الله حث العقل البشري وحفزه إلى إعمال الفكر وإطالة النظر  في الكون كله، واستنباط العَبر والعظات، بل واكتشاف السنن الكونية، وابتكار المخترعات، وتقليد الكائنات المبثوثة في الكون، لتعلمه الطيران والسباحة والغوص، بل ودفن الموتى: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ ۚ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَٰذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي ۖ فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾ (المائدة: 31).

وهذا هو المجال الذي يستطيع العقل فيه أن يبدع وأن ينتج ما ينفع، وعندما يقال لك: إن عينيك لن تستطيع أن تنظر إلى ما وراء الجدار؛ فإن من احترامك لقدرات عينك ألا تقحمها فيما لم تخلق له، أو فيما فوق طاقاتها، ولذلك كانت الآلية التي نصحبها محددة لما حدده الله ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ۚ﴾ (المائدة: 6) عندما أراد الله أن يحدد بمعالم لا يختلف عليها اثنان، أما عندما أراد أن يوسع قال: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ (المائدة: 6).

ويقول الشيخ محمد متولي الشعراوي يرحمه الله: إن الباء لها عشرة معان، وكلها صحيحة، وكلها بمعانيها تسعها الآية، ليحدث التحديد والتوسعة في آية واحدة، بل تدريب مللكات العقل، وتنمية للذكاء؛ قالت الآية: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ (المائدة: 6) بفتح اللام، ليكون حكم الأرجل معطوفا على حكم الأعضاء المغسولة حكما، المنصوبة إعرابا، ويكون ذكرها هنا لمكانها من الترتيب، ثم يأتي أمر سيادة أوامر الله على العقل المسلم المسلم لربه بالطاعة والإذعان، فعندما ال يجد ماء يتطهر بالتراب، وهنا يتوقف العقل ليقول لصاحب الأمر والنهي  وطاعة، كما يقول الإمام علي رضي الله عنه: لو سمعا كان الدين بالرأي لكان مسح بطن اخلف أولى من ظهره، هنا يكون العقل في قمة ذكائه وفطنته، كما يكون عبدا لله وحده سبحانه في قمة حريته ﴿للهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْمُسْلِمِينَ﴾ (الأنعام: 162- 163).

وصدق من قال: «العجز عن الإدراك إدراك، فقف أيها العقل عند منهاك».وجاء الأذان في الرؤيا هدية لعبدالله بن زيد؛ لأن الأذان جائزة لمن حمل هم دينه  ودعوته ثم لم يقدر أن يفعل شيئا.

علاج الخوف من الموت

 يقول جل وعال: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾ (البقرة: 243) في الآية الكريمة السابقة علاج جذري لقضية الجبن والخوف من الموت.. رغم أن كل الناس يموتون إلا الشهداء فهم أحياء، ورغم أن كل الناس تعاني من آلام الموت أشد المعاناة إلا الشهيد فإنه لا يجد من ألم القتل إلا كما يجد الإنسان العادي أثر القرصة كما أخبر الصادق المصدوق، فلماذا الجبن والخور؟ وأنت عندما تنوي الشهادة بصدق، أنزلك الله منازل الشهداء وإن مت على فراشك، وهكذا قال خالد بن الوليد رضي الله عنه وهو يموت على فراشه، رغم كل معارك النزال خاضها زهاء تسعين معركة، فلا نامت أعين الجبناء، ويقول الإمام علي رضي الله عنه:

أي يـومي من الموت أفـر؟

يوم لا يقدر، أم يوم قدر

يوم لا يقـدر لا أرهبه

ومن المقدور لا ينجو الحذر

نعود إلى الآيات.. ألوف خرجوا هلعا ال يريدون أن يموتوا، ويخافون على 

وفزعا حياتهم، فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم، أي أن الموت مقدر ال يصلح الهرب منه وسيلة للنجاة، كما أن الإحياء والإبقاء على الحياة منحة من الله عز وجل الذي ندبنا؛ لنفدي دينه بأرواحنا، وننال الجنة مكافأة على ذلك، رغم أن الأجل سينتهي في موعده المسمى ﴿فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ﴾ (البقرة: 243).

خالصة القضية كلها، ثم ما بعدها من الآيات يستمر في عالج القضية من جذورها باحلث على الإنفاق للجهاد بإملال والنفس، ثم بإعداد قيادة للجهاد، ثم تصفية الجنود مرة بعد مرة باختبارات للقدرات الجهادية والإيمانية؛ ليتم في النهاية اختبار من يقع عليه شرف نزول نصر الله عليه وقد كان.

القرآن روح تسري في الأرواح

الإنسان وهو يقرأ القرآن تتغير فيه تغيرات خفية داخلية، مثل من يدخل مجالا يؤثر عليه.. وهذه هي التجربة مغناطيسيا التي أجراها د. أحمد القاضي في والية فلوريدا؛ تجربة علمية تقاس بالأجهزة العلمية القياسية والبيولوجية لفسيولوجيا الأعضاء والسوائل، مجموعات من والمتوترين جربت معهم المضطربين نفسيا وسائل عديدة ومن ضمنها سماع القرآن بانتظام، وأيضا سماع اللغة العربية بانتظام، كإحدى صور العلاج، وهم ال يتكلمون العربية وال يعرفونها، وبالطبع ال يعرفون القرآن؛ فكانت نسبة جناح عالج القرآن فيهم 97% وأكثر من هذا يتسرب في النفس علاجا لبعض الأمراض السلوكية بدون أن يشعر الشخص نفسه أو حتى يقصد.

إن تشابه آيات في ختامها أو في بدايتها، وأمر تكرار قصة بأكثر من صورة ليكون لها لفت للأنظار لكل زاوية على حدة، وكذلك كي تبحث عن أجزاء القصة في كل سور القرآن فتتربى العقلية التجميعية لا التفتيتية أو التجزيئية، والعقلية التجميعية هذه عقلية ناضجة رشيدة، تتمكن عند كل قضية أو مشكلة، أن تجمع أطرافها ولا تكون ضيقة الأفق، فتصل إلى حل حكيم شامل، يحقق كل النجاحات في جميع الاتجاهات، كذلك هذا التشابه يوحد الانتباه ويطرد الغفلة، والإنسان المنتبه المتربي على القرآن ال يسهل استدراجه من باب غفلته، وحتى لو حدث فسيجد نفسه يقرأ في سورة غير السورة، وآيات غير الآيات، فيعود من قريب، ويتعود على الرجوع إلى احلق وليس التمادي في الخطأ، والعقل الذي لم يكن يعرف الأرقام تتناول سور القرآن العديد من الأرقام، وأجزاء الواحد الصحيح، وكأنه تدريب خفي على علوم الحساب، بل على أصول علوم  الحسابات والحاسبات والإحصاء قبل العد العجيب ﴿لَّقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا﴾ (مريم: 94).

البحث العلمي في القرآن

يتيه علينا الغرب بما حققه من تقدم علمي مادي اكتشف مفرداته هو بالتجربة والمشاهدة والاستنتاج، كمنهاج للبحث العلمي منذ عشرات السنين فقط، وصدقناه بل وأحسسنا بالهزيمة الداخلية التي هزمنا بها أنفسنا قبل أن يهزمنا غيرنا، كما يقول الأستاذ سيد قطب عجبنا بالمنهج، يرحمه الله.. بل أكثر من هذا أو ربطنا بينه وبين التقدم في مقابل التخلص من الدين، وذلك عن قصد أو دون قصد، أو عن سوء قصد أحيانا.

فطالبوا بفصل الدين عن الدنيا؛ لتخلص الدنيا من أغلال الدين، وتنطلق وتحقق التقدم الذي حققه غيرنا، وخابوا وخسروا، لم يخسروا دنياهم فقط، وال آخرتهم فقط، بل بتعبير القرآن المعجز: ﴿خَسِرُوا أَنفُسَهُم بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ﴾ (الأعراف: 9).

تعال أخي لنصحب سورة الحج، ولا يفوتنا أن نلمح هنا بريق هذا الوقت الذي يجتمع فيه الجميع تلبية لنداء الله- عز وجل- في مكان واحد، في صعيد واحد، بملابس أشبه ما تكون بالكفن، لذلك كانت أول آية في سورة الحج: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ ۚ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ (الحج: 1).

ثم نعود لموضوعنا وهو البحث العلمي في القرآن، القضية التي يطرحها القرآن ليرد على المكذبين بالبعث المعاندين، بل على المنكرين أن يكون للإسلام منهجًا، فض ًال عن أن يكون تجريبي أصل هذا المنهج التجريبي يزداد به المؤمن يقينا بالغيبيات.

الرابط المختصر :