; فقه التطور والثبات في الفقه الإسلامي | مجلة المجتمع

العنوان فقه التطور والثبات في الفقه الإسلامي

الكاتب الدكتور محمد رواس قلعجي

تاريخ النشر الاثنين 01-يناير-1979

مشاهدات 89

نشر في العدد 426

نشر في الصفحة 36

الاثنين 01-يناير-1979

فهم الصحابة للتطور والثبات في الفقه:

١- نحن لا نشك بأن الصحابة رضوان الله عليهم أعلم الناس طرًّا بالإسلام، وأقدرهم على استجلاء أهدافه، وإدراك مراميه لأسباب:

أولها: أنهم شاهدوا أنوار النبوة، فأكسبهم ذلك فتحًا في فهم الإسلام وتمثل أهدافه.

ثانيها: أنهم تربوا على مائدة النبوة، وكان هم رسول الله أن يربيهم على الفكر السديد، وينمي فيهم المحاكمة الصادقة، وتقدير البعد الصحيح لكل حكم شرعي، حتى أصبحت المحاكمة الفقهية جبلة فيهم، ومعرفة هدف الشارع من أحكامه سليقة من سلائقهم.

ثالثها: أنهم أخذوا الإسلام عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مباشرة، ففهموا منه ما لم يفهمه من لم يأخذ الإسلام عنه، وكان رسول الله أفصح الناس لسانًا، وأبلغهم تعبيرًا، وأحسنهم لما يريد عرضًا، وأن المشاهد له عليه الصلاة والسلام قد يفهم من المعاني التي يفيض بها وجهه الشريف، أو توحي بها إشارته ما لا يفهمه من العبارة وقد توفر ذلك للصحابة ولم يتوفر لغيرهم.

رابعها: توفر لديهم التقوى الحقيقية التي رضيها لهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، والتقوى تورث فتحًا في الفهم لا يعرفه إلا من عاناه ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ ۗ﴾ (البقرة: 282).

 فإن قيل: إن التقوى قد توفرت في غيرهم أيضًا قلت: نعم، ولكنها ليست كتقواهم، فقليل أولئك الذين حفظوا التوازن بين الروح والجسد، وحق الله وحق الناس، كما فعل الصحابة: وعلى فرض أنهم قد أقاموا هذا التوازن كما فعل الصحابة فإن تقوى المتأخرين- على كل حال- هي كالتقوى التي رضيها رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه، وليست هي بالذات، والفرق بينهما كالفرق بين الصورة والأصل.

ومن هنا فقد ألزم الإمام أبو حنيفة نفسه بألا يخرج عن فهمهم للشريعة أحكامًا وأهدافًا، فكان رضي الله عنه يطلب الحكم في كتاب الله تعالى، فإن لم يجده طلبه في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فـإن لم يجده طلبه في اجتهادات الصحابة، فإن وجدهم فقد اتفقوا فيه على أمر أخذ به ولم يفلته، وإن وجدهم قد اختلفت اجتهاداتهم فيه اختار رضي الله عنه من هذه الاجتهادات ما يطمئن إليه قلبه، ولا يحل لنفسه الخروج عن اجتهاداتهم، فإن لم يجد الحكم عندهم أحل لنفسه أن يجتهد في استنباط الحكم كما اجتهد إبراهيم النخعي وعطاء بن أبي رباح وغيرهم من أئمة التابعين. 

وسنعرض لك فيما يلي بعض الأحكام المأثورة من أئمة الفتوى من الصحابة لنكشف لك عن مدى فهمهم للتطور والثبات في الشريعة الإسلامية.

ب- يعتبر عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- المرسي الأول لقواعد التفكير الفقهي بعد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، كما كشفنا لك مفصلًا في كتابنا «موسوعة فقه عمر بن الخطاب». وأننا سنعرض عليك هنا فهم عمر لبعض الأحكام التي نوهت بها نصوص شرعية.

  1. يقول الله تعالى مبينًا مصارف الزكاة  ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ (التوبة: 60)..

لقد جعل الله سبحانه في هذه الآية الكريمة سهمًا من الزكاة يصرف للمؤلفة قلوبهم، وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وبعده أبو بكر يصرف لهم هذا السهم، ولكن لما آل الأمر إلى عمر، نظر في الآية مستبينًا هدف صرف هذا السهم لهذه الفئة من الناس، ولم يطل به النظر حتى عرف أن الله تعالى لم يعط المؤلفة قلوبهم هذا السهم لأنهم من الفقراء، ولا لأنهم من العاملين عليها، ولا لأنهم من الذين يعملون لرفعة الإسلام وإعلاء شأنه، ولكنه أعطاهم إياه اتقاء لشرهم أو تألفًالقلوبهم، حين كان كيد هؤلاء له أثره في تأخير مسيرة الإسلام، أما وإن المسلمين قد كثروا، وصارت لهم الغلبة في الأرض، وعلت راية الإسلام خفاقة فوق قصور الطغاة والجبابرة، وأصبح الإسلام قادرًا على حماية نفسه من هؤلاء وغيرهم، بعدالة مبادئه، وكثرة المؤمنين به لذلك رأى عمر أن التصرف الطبيعي أن يوقف إعطاء هؤلاء المؤلفة قلوبهم ما خصصته الآية لهم من سهم، لزوال الظروف التي استدعت صرفه اليوم. فقد جاء مشرك إلى عمر يلتمس منه مالًا، فلم يعطه عمر، وقال له: «فمن شاء فَليُؤمِن ومن شاء فليكفر».

وجاء عيينة بن حصن والأقرع بن حابس إلى أبي بكر فقالا: يا خليفة رسول الله إن عندنا أرضًا سبخة، ليس فيها كلأ ولا منعة، فإن شئت أن قطعنا إياها لعلنا نزرعها ونأكل ثمرتها فأقطعهما إياها أبو بكر، وكتب لهما بذلك كتابًا، فقال طلحة بن عبيد الله «أو غيره» لعيينة: إنا نرى أن هذا الرجل- يعني عمر- سيكون من هذا الأمر بسبيل، فلو أقرأته كتابك، فأتى عيينة عمر، فأقرأه كتابه، فقال عمر: أهذا كله لك دون الناس؟ ومحا الكتاب وقال له: إن رسول الله كان يتألفكما والإسلام يومئذ ذليل، وإن الله تعالى قد أعز الإسلام، فاذهبا واجهدا جهدكما «2»

٢- المعروف أن دية القتل غـير العمد تتحملها العاقلة، وكانت العواقل هي العشيرة في عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وفي عهد أبي بكر، وفي العهد الأول من عهد عمر بن الخطاب، ولما دوّن عمر الدواوين ونصب الروايات جعل الدية على أهل الديوان «۳» قال الحاكم في الكافي معلقًا على هذا التغيير الذي أحدثه عمر رضي الله عنه: «ولم يكن ذلك من عمر تغييرًا لحكم الشرع، بل تقريرًا له، لأنه عرف أن عشيرته كانوا يتحملون ما يتحملونه من الدية بطريق النصرة، فلما كان- أي أصبح- التناصر بالرايات جعل العقل عليهم.

«1» المغني لابن قدامة 6/ 427

«۲» انظر موسوعة فقه عمر بن الخطاب مادة زكاة /٨ والمراجع التي أشرنا اليها فيها.

«۳» أنظر موسوعة فقه عمر بن الخطاب مادة: عائلة/2 والمراجع التي أشرنا اليها فيها.

٣- يقول الله تعالى ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِّنَ اللَّهِ﴾ (المائدة: 38) وكان عمر يعلم تمام العلم أن المال مال الله ﴿وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ (النور: 33) وأن الخلق كلهم عيال الله «الخلق كلهم عيال الله، وأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله»وأن الله تعالى قد فرض في أموال الأغنياء بقدر ما يكفي فقراءهم، فإن جاع الفقراء أو عروا أو جهدوا فيمنع الأغنياء «1» ولذلك رأى عمر أن الفقير إذا سرق بدافع الحاجة لا تقطع يده، ولذلك لم يقطع أيدي عبيد حاطب بن أبي بلتعة عندما سرقوا ناقة لرجل فذبحوها، لأنه قد تبين لعمر أن الذي دفعهم إلى ذلك إنما هو الجوع، وقال لمن أجاعهم-وهو سيدهم- لأغرمنك غرامة توجعك «2». 

وجاء رجل إلى عمر وقد سرقت ناقته فقال عمر: هل لك في ناقتين بها عشارتين مربغتين سمينتين؟ 

فإنا لا نقطع في عام سنة «۳».

فعل هذا كله عمر بن الخطاب- وهذا غيض من فيض- والصحابة كثر متوافرون، فلم يعترض عليه في ذلك معترض منهم، ولم يروا في عمله هذا خروجًا على نص القرآن الكريم أو حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ولكنهم رأوا فيه عملًا بأهداف النص الشرعي- من قرآن أو سنة- فأكبروا في عمر عمله، وارتفع في نظرهم علي. 

جـ- ويعتبر علي بن أبي طالب رضي الله عنه باب مدينة العلم بشهادة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وكان عمر لا يستغني عن مشورته، وكان لا يخرج في فهمه للتطور والثبات في الشريعة عن فهم عمر رضي الله عنه.. 

يقول رسول الله- صلى الله عليه وسلم- مبينًا عقوبة الزاني غير المحصن «البكر بالبكر جلد مائة وتغريب سنة «٤»».

فلا يشك من يقرأ هذا الحديث الشريف أن نفي الزاني سنة عن البلد الذي وقع فيه الزنى عقوبة فرضها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-. وكان الخلفاء من قبل علي بن أبي طالب رضي الله عنه يغربون الزاني غير المحصن بعد جلده مائة جلدة، فلما كان عهد علي كان ينفي في أول خلافته، فنفی امرأة زنت قبل أن يدخل بها زوجها إلى نهر كربلاء، ونفى جارية من همدان زنت إلى البصرة «٥». 

ولكن لفت نظر علي شيوع الفتنة، وانتشار السوء في العراق، ولفت نظره بشكل خاص تعرض الذين ينفون إلى ألوان من الفتنة بسبب ضعف الرقابة من جهة، وضعف الوازع الديني من جهة أخرى، ولذلك رأی أن حكم النفي لم يعد يحقق أهداف النص، وفي هذه الحالة لا بد من تطوير العقوبة بشكل يحقق أهداف النص، فاستبدل النفي بالسجن وفي السجن تتاح للإمام المراقبة ويتاح له التوجيه فقال علي كرم الله وجهه: «إذا زنى البكر بالبكر يجلدان مائة ويحبسان. ومن الفتنة أن ينفيا».

د- وعائشة، -رضي الله عنها- سيدة فقيهات الصحابة، تربت في بيت النبوة، وعلمت دخائل أمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وهي في فهمها للتطور والثبات لا تقل عن فهم عمر وعلي، قال -عليه الصلاة والسلام: «لعن الله النامصة والمتنمصة و...» الحديث. لقد فهم بعض الفقهاء من هذا الحديث تحريم نتف المرأة ما نبت في وجهها من شعر إلا أن يفحش فيجعلها أشبه بالرجال.

ولكن السيدة عائشة رضي الله عنها فهمت من هذا الحديث غير هذا، لقد عرفت السيدة عائشة أن الهدف من هذا الحديث هو منع الغش بنتف الشعر النابت في الوجه- النمص- فيظن من يراها أنها ممن لا ينبت في وجوههن الشعر- وهي صفة مرغوبة في النساء- فيقدم على الزواج منها، فتظهر له بعد الزواج أنها ليست كذلك، وأن الشعر في وجهها كثير منفر.

وهذا هدف لا يتحقق في المرأة المتزوجة، إذ لا يتحقق الغش من قبلها، لأن زوجها يعرفها، وهو يطالبها بالتزين له، ومن التزين إزالة الشعر من الوجه، وهي مطالبة باتخاذ كل سبيل لإدخال السرور إلى قلب زوجها، ولتكون الوحيدة في قلبه.

وإذا كانت إزالة الشعر في وجه المرأة غير المتزوجة غشًا وخداعًا، وإزالته من وجه المرأة المتزوجة تزينًا، فلا بد من أن يفترق الحكم. 

ولذلك رأت السيدة عائشة أنه لا بأس أن تتنمص المرأة لزوجها، فقد قرأت في مصنف عبد الرزاق أن امرأة أتت السيدة عائشة فقالت: يا أم المؤمنين إن في وجهي شعرات أفأنتفهن، فقالت السيدة عائشة: تزيني لزوجك أطيعي زوجك.

وهكذا تكون السيدة عائشة فهمت النص التشريعي لا بألفاظه ولكن بأهدافه، وهكذا يفعل الفقيه المتمكن.

الرابط المختصر :