; صفحات من دفتر الذكريات «٤٣» المؤامرة التخريبية | مجلة المجتمع

العنوان صفحات من دفتر الذكريات «٤٣» المؤامرة التخريبية

الكاتب الدكتور توفيق الشاوي

تاريخ النشر الثلاثاء 11-أبريل-1995

مشاهدات 87

نشر في العدد 1145

نشر في الصفحة 46

الثلاثاء 11-أبريل-1995

مذكرات 

المؤامرة التخريبية

* المخابرات الناصرية تعودت إلقاء التُهم جزافًا، ودون دليل ضد كل من تريد إزاحته عن طريق عبد الناصر لينفرد بالسلطة.

لي اعتراض كبير على العبارة التي نقلتها عن كتاب السفير فتحي الديب، وذكر فيها أنه باعتقاله السيدين «ميزغتة والشاذلي مكي» ووضعهما في السجن الحربي مع الإخوان المسلمين- وكنت معهم في ذلك السجن الرهيب، وأعرف ماذا يعني هذا الاعتقال- لا يتورع عن أن يتباهى بذلك، زاعمًا أنه بهذا نجح في إبعاد أنصار مصالي حاج عن الميدان نهائيًا، وأنه قضى على ما يسميه مؤامرة أنصار مصالي التخريبية، وأنا أقول له وللقراء ولكل من يسمع قولي: إنه لا حق له في اتهام مصالي وأنصاره بأنهم دبروا ما يسميه مؤامرة تخريبية دون أن يقدم دليلًا واحدًا على صدور أي رد فعل أو قول من جانبهم يبرر هذا الاتهام.

لقد تعودت المخابرات في عهد عبد الناصر وبعده على إلقاء تهم جزافية لا أساس لها ضد كل من يريدون إزاحته من طريق انفرادهم بالسلطة في مصر، وهذا موضوع داخلي في مصر لا محل لمناقشته هنا، لكنني أعتقد أن استعمال هذه الافتراءات لإزاحة زعماء وطنيين- في بلاد عربية شقيقة مثل الجزائر- كانت سياسة تخريبية باغية، أدت إلى ما وصل إليه العالم العربي الآن من تمزق وانهيار أمام أعدائه.

إنه لم يقدم دليلا واحدًا على اتهامه لمصالي وأنصاره، أما أنا فإنني أتطوع بأن أقدم له أدلة عديدة على أن الأسلوب اللا أخلاقي الذي استعمله لاعتقال مساعدي مصالي حاج لإقصاء الزعيم مصالي وأنصاره عن ميدان الجهاد هو الذي كان مؤامرة تخريبية، وأنه في نظري وضع بذور الفتنة الحالية التي يدفع ثمنها شعب الجزائر من دماء أبنائه، الذين تعلن السلطة الانقلابية قتلهم يوميًّا، وتتباهى بذلك بصورة رسمية وعلنية.

انحرافات المخابرات الناصرية

إنني آمل أن يعترف السيد السفير بالانحرافات التي ارتكبتها المخابرات الناصرية في هذه القضية، بل وحبذا لو اعتذر عنها، لأن الظروف التي اقتضتها في ذلك الوقت قد زالت، ومن واجبنا أن نواجه الفتن الخطيرة التي أدت إليها هذه السياسة التخريبية بمبادرات إنسانية وموضوعية وعادلة، لا بترديد ادعاءات ابتكرت لأهداف إعلامية في ذلك الوقت، وأهم هذه الانحرافات ما يلي: 

١- إنني أول من له الحق في مناقشة ادعاءات السيد السفير؛ لأنني اعتبر نفسي قد ساهمت- عن غير علم- في خطتهم للإيقاع بهؤلاء الزعماء الوطنيين الجزائريين، وأن هدفهم كان إخلاء الساحة من كل من له شخصية أو دور وطني- يحتمل مجرد احتمال- أن يكون عائقًا في سبيل خطتهم للدعاية لمن يريدون أن يكون هو الزعيم العربي الأوحد للعالم العربي كله، بعد إخلاء الميدان ممن يحتمل- مجرد احتمال- أن ينافسوه في هذه الزعامة، ولا أن يدعي أن مندوبي مصالي الذين دبر لهم الكمين يدبرون مؤامرة تخريبية، ثم لا يقدم دليلًا واحدًا عليها، لا أعتقد أنه لم يعرف من صديقه بن بللا- وما زال بن بللا حيًّا- أنه هو الذي طلب مني أن أسافر إلى فرنسا لمقابلة زعيمه مصالي حاج، وأنني التقيت به فعلًا في صيف ١٩٥٤م، وأقنعته بإرسال من يثق فيهم إلى مصر لكي يلتقوا بإخوانهم الذين يمثلون حزب الشعب لدى الجامعة العربية، ويشاركون معهم في تدعيم الكفاح الوطني بالوسيلة التي يتفقون عليها.

وأنني أقنعته بأن إتمام اللقاء في القاهرة أفضل من لقاء في أي مكان آخر، لأنها توفر للجميع ضمانات الأمن والكتمان.

والآن فقد كشف لي السيد فتحي الديب في كتابه عن أنني خدعت الرجل، وساهمت- بطريق غير مباشر وعن غير قصد- في مؤامرته، وأنني مكنته هو ورجال المخابرات الناصرية من اعتقال اثنين من أكبر أنصار مصالي، وربما من قتل الثالث «عابد»؛ لأنه كان أهم الشخصيات التي يعتمد عليها مصالي حاج. 

إنني لم ألتق بالزعيم مصالي حاج بعد ذلك، وأحمد الله على ذلك؛ لأنني أتصور الآن شعوره بعد هذا الغدر الذي أقدمت عليه المخابرات المصرية، ولو كنت قابلته لكان من حقه أن يلومني، ويعتب عليَّ وعلى جميع الإخوة المصريين، ويقول لي: إنني خدعته، وغررت بأصدقائه وأصدقائي، وساهمت في وقوعهم في هذا الكمين. 

وناحية أخرى هي أنني لا أشك في أن المخابرات الفرنسية قد استطاعت أن تستغل هذا الحادث، وأن ترسم صورة رهيبة لما حدث للوفد الذي أرسله مصالي للقاهرة، وأن تنشر ذلك في صفوف المجاهدين، وذلك زيادة في حصارهم لمصالي، وأنهم حاولوا زعزعة ثقته بالرجولة والشهامة العربية، بل وبالعربية كلها، وأنها ليست كما يعتقد الجزائريون جميعًا في ذلك الوقت. 

لو كان عندي شبهة- مجرد شبهة- في أن ذهابي إلى مصالي حاج لإقناعه بإرسال وفد يمثله في القاهرة هو جزء من مؤامرة تخريبية لتمزيق الحزب الوطني الجزائري الأصيل، بقصد إبعاد أنصار مصالي نهائيًا  من الميدان كما يقول فتحي الديب، ما قبلت القيام بهذه الرحلة، والمساهمة في هذه المؤامرة التخريبية.

وعزائي الآن أنني ما زلت اعتقد أن بن بللا عندما طلب مني السفر كان مخلصًا وصادقًا في رغبته في إعادة وحدة الحزب، وأنه يعرف أن مصالي وحده هو الذي يمكنه أن يحقق هذه الوحدة، وأن وحدة الحزب هي ضرورة لنجاح مشروع الكفاح المسلح، وإذا كان حضور أنصار مصالي للقاهرة قد حرف نوازع الشر لدى البعض، وزين لهم شياطين السوء أن يغدروا بهم دون اكتراث بما تمليه قيم الإسلام والعربية والرجولة والشرف؛ فإن ذلك في نظري لم يكن من ابتكار بن بللا ولا تفكيره، وأقصى ما يمكن أن ينسب إليه هو أنه علم به وسكت عنه، أو قبله مضطرًا.

خدمة المخابرات الفرنسية

إنني اتذكر ما قاله لي مصالي، أن المحقق العسكري الفرنسي قد سأله عن سبب تعلقه بعروبة الجزائر، وأنه أجابه قائلًا: إن الدم الذي يجري في عروقه هو دم عربي، وأن العروبة هي وعاء الإسلام، وهو عقيدة الجزائر كلها، ولذلك لا يمكن أن يتخلى عن هذه الصفة، والآن أتصور أنهم دسوا له من يقول له: إن عروبة اليوم قد تدنت وفسدت، وبعدت عن أصولها الإسلامية، وأصبحت تبيح لمن يرفعون شعارها الغدر والقتل حتي لمن جاؤوا إليهم سفراء ومبعوثين يعطيهم العالم كل حصانة وحماية، حتى ولو كانت الجهة التي أرسلتهم جهة معادية؛ فإن قوانين الحرب ذاتها- حتى في عهد الجاهلية- لا تبيح قتل الرسل الذين يرسلهم الأعداء، فما بالك بالرسل الذين يرسلهم الوطنيون الأصلاء؟!

والغريب أن يتم ذلك الغدر بعد أن أقنعوهم بتأييد كل ما اقترحوه، وتعاهدهم معهم على تأسيس جبهة التحرير، وتوقيعهم على ذلك، وإعلان صوت العرب بانضمام مصالي وجماعته إلى الجبهة، الأمر الذي جعل بقية الهيئات والأحزاب تسارع للانضمام لها كما يعترف بذلك في كتابه.

بعد ذلك كله، وبعد أن أخذوا منهم كل ما يريدون، يغدرون بهم بهذا الأسلوب المخابراتي الغادر، ويتباهى الآن السيد السفير بنجاح العملية في اعتقالهم سرًا بالسجن الحربي، وإيهام أعوانهم وأصدقائهم في مصر والخارج بأنهم وصلوا إلى ليبيا، ببرقية أرسلها عميل لهم كان مكلفًا باستقبالهم، وتصفيتهم جسديًا لو كانوا أفلتوا، مما مكن المخابرات الفرنسية أن تذيع أنهم قتلوا غدرًا.

لا شك أن مخابرات السيد السفير بهذه السرية التي يتباهى بها إنما قدمت للمخابرات الفرنسية خدمة كبرى، وفتحت لهم الباب ليبلغوا مصالي أنهم غدر بهم وتم اغتيالهم، ولا يعرف أحد في أي أرض دفنوا.

تصور- يا سيدي السفير- حزبًا عريقًا يُبلغ أنصاره العديدون في كل مكان بالجزائر وفرنسا بهذه الصورة المفزعة للحادث، لا شك أنهم سيهبون للانتقام ممن يظنون أنهم كانوا وراء هذا الكمين، وخاصة أنصار بن بللا، وبذلك بدأ مسلسل الاغتيالات المتبادلة، التي راح ضحيتها من المجاهدين أعداد لا تحصى، وكل هذا أنتم الذين فتحتم بابه، وحرضتم عليه، وبدأتم به، وسنعود لهذه النقطة في موضع آخر. 

2- أنه لا يشير إلى الكيفية التي جعلت عبد الله الفلالي يفلت من قبضتهم، لأنها تقطع بالأسلوب الدنيء الذي استعملوه، والذي ذكره لي محمد خيضر شخصيًّا، وأشرت إليه، وهو أن المخابرات المصرية هي التي أرسلت إلى أحد عملائها من الجزائريين في طرابلس بليبيا؛ لكي يرسل لهم دعوة لزيارته في ليبيا وفعل ذلك، وليس الأمر كما يزعم أنهم هم الذين قرروا الذهاب إلى ليبيا أو فرنسا للعمل ضد ما يسميه الثورة.

يذكر سيادته- بالحرف الواحد- أنه بعد اعتقال میزغتة والشاذلي أرسلنا برقية باسم ميزغتة والشاذلي من ليبيا إلى معاوني ميزغتة والشاذلي بالقاهرة تفيد بوصولهما سالمين، وهذا يؤكد رواية محمد خيضر أن هذا العميل الذي أرسل برقية إلى معاونيهما بالقاهرة تفيد بوصولهما سالمين كذبًا وافتراء حتى لا يعلم أحد بما حدث لهما من اعتقال بالمطار بالطريقة المخابراتية التي يتباهى بها، ويتغنى بدقة التدبير لهذا الكمين، هو ذات العميل هو الذي دعاهما لزيارته في ليبيا، وأن ذلك ربما كان هدفه تكليفه باغتيالهما إذا فرض وأقلنا من الكمين المعد لهما في القاهرة، وأعتقد أن هذا حدث فعلا بالنسبة لاغتيال «عابد» كما سنوضحه فيما بعد.

اغتيال الفلالي

3- إنني أطالب السيد السفير أن يبين لنا في طبعة تالية، أو بأية وسيلة أخرى كيف أفلت «عابد» عبد الله الفلالي وحده من هذا الكمين البوليسي الذي يبتاهى بدقته وإحكامه، وأقول له ما قاله لي محمد خيضر: إن عابد كان أكثر ذكاءً وحذرًا من زميليه الآخرين، ويظهر أنه شم رائحة التآمر، فتوجه إلى المطار، ووجد طائرة متوجهة إلى باريس، وسافر فيها قائلًا لصديقيه إنه لا عمل له في ليبيا يبرر استجابته للدعوة التي وصلتهم، وأنه فيهما الكفاية. 

وكان جزاؤه على إفلاته من قبضة المخابرات في مصر أن أرسلوا له من اغتاله في فرنسا، وسوف أعود لذلك فيما بعد.

إن السيد السفير نفسه لم يستبعد فكرة الاغتيال في كتابه، بل إنه يمن علينا أنه بهذا الكمين الذي مكنه من اعتقالهما بالسجن الحربي قد حقق رغبة «من صاحب هذه الرغبة بالضبط؟» في عدم اللجوء إلى ما يسميه التصفية الجسدية، وهذا يزيد قولي بأن هذه التصفية كانت مقررة لو أفلتا من الكمين ومن الاعتقال، كل ما هنالك أنها كانت ستتم في ليبيا لإبعاد الشبهة عنهم، والادعاء بأنها تصفية حسابات شخصية كما يدعي فعلا بالنسبة لعبد الله الفلالي الذي قتل في فرنسا بعد أن أفلت من الكمين بطريقة لم يوضحها في كتابه.

4- إنه يلمح في كتابه إلى أن بن بللا كان ضالعا في هذه المؤامرة الدنيئة، وكنت أتمنى أن يرجع إلى بن بللا قبل نشر هذا الاتهام، وهو ما زال قريبا منه، وأشك كثيرًا في أنه هو الذي طلب ذلك كما يدعي صديقه السيد السفير. 

5- إن ذلك كله كان في بداية الثورة، وإن كان سيادته لم يذكر لنا تاريخ هذا الكمين بالضبط، ولكنني أعتقد أنه كان أول حادث استخدمت فيه التصفية الجسدية بين فئات المجاهدين، واستمرارها طوال مدة الثورة بصورة مفزعة صورها في كتابه في مواضع كثيرة، سأشير لها فيما بعد.

سأذكر للقارئ تفسيري لهذه الوقائع، على أنه لن يجهد نفسه ليجد تفسيرًا أقرب منه إلى الصواب أو الحقيقة، دون تحامل أو تحيز، لقد تجاوب مصالي الحاج، وممثلوه في القاهرة مع كل ما يؤدي إلى وحدة الحركة الوطنية، وتضامن الجميع في إطار جبهة التحرير لنجاح القضية الجزائرية منذ اندلاع الثورة الجزائرية المباركة على حد تعبيره في خطابه. 

من جانب المخابرات الناصرية يشير فتحي الديب إلى أنهم قرروا قبل أن يلتقوا بهم ما يلي: «المبادرة باستقبال مندوبي الأحزاب الجزائرية، ومجاراتهم فيما سيطرحونه من آراء بالنسبة لأهمية تحقيق وحدة الشعب الجزائري، على أن نبدأ بتجميع كل فروع حزب الشعب أولاً، ثم تجميع باقي الأحزاب بما فيها جمعية العلماء بعد ذلك في بوتقة الثورة، في إطار فتح صفحة جديدة، مع اتخاذي وزميلي عزت سليمان موقفًا حياديًّا، مع تركيز كامل على المبادئ الرئيسية التالية كأساس جوهري لقبول انضمام أي فرد في إطار تشكيل جبهة التحرير الجزائرية «الجهاز السياسي للثورة».

قوله: «إنهم قرروا مجاراتهم فيما يقترحونه لوحدة الصف» يفهم منه أن اتجاههم الباطن غير الظاهر، وأن وحدة الصف ليست- في نظرهم- إلا وسيلة لاستدراجهم، لكن إلى حد معين، فما هو؟ إنه لا يريد أن يصرح به، ولكنه يشير إليه بقوله: إنه هو وزميله عزت سليمان سيلتزمون موقفًا محايدًا، بمعنى أنهم متفرجون، لا ينوون أن يلتزموا بما يتم الاتفاق عليه بين الطرفين.

أعتقد أن الشيء الوحيد الذي لم يكن محل مناقشة، وكان مفهومًا ضمنيًا بين الطرفين، هو أن مصالي حاج هو رئيس الحزب، ورئيس جبهة التحرير، والرئيس الأعلى لكل مؤسسات الجبهة؛ لأن مصالي حاج باعتباره الزعيم الوطني الذي أسس الحزب والحركة كان معلومًا للجميع.

بقاء مصالي زعيمًا يتعارض مع سياسة الاستعمار

لكن بقاء مصالي على رأس الحركة كان يتعارض مع استراتيجية الاستعمار الفرنسي؛ لأن المخابرات والحكومة الفرنسية يعرفون عنه تمسكه بأصالته الإسلامية والعربية، وأنه لا يمكن بحال من الأحوال تحويله عن هذا الاتجاه الذي يصممون على اقتلاعه من شمال إفريقيا، سواء كانت تحت حكمهم، أو حصلت على استقلالها الوطني، ولو وجدوا منه مرونة كما وجدوا عند بورقيبة لاتفقوا معه مباشرة كما فعلوا مع بورقيبة.

يتضح لي أن الهدف الاستعماري في هذه المرحلة هو إيجاد وطنيين، يقتنعون بأن بعدهم عن الإسلام- أو عداءهم له- هو الذي يمكنهم من التفاهم مع القوى الأجنبية، وجني ثمار هذا التفاهم كما جناها أتاتورك وأصحابه في تركيا. 

هذا هو الهدف الاستعماري الاستراتيجي الذي ما زال قائمًا وواضحًا ومؤكدًا حتى اليوم، وعلينا أن نتساءل: هل سايرت المخابرات المصرية السياسة الفرنسية في هذا الهدف؟ وإلى أي حد سارت في هذا الطريق؟ وما السبب الذي دعاه لذلك؟

في نظري أنه سبب حزبي أو شخصي لا أكثر، فهم يريدون إزاحة الإخوان المسلمين من طريق النظام الناصري بسبب أن زعماءها- على الأقل- يعارضون احتكارهم للسلطة، وانفرادهم بالحكم، وتحويله إلى دكتاتورية عسكرية.

من الناحية الشخصية فإن عبد الناصر بعد انفراده بالسلطة في مصر، تطلع إلى زعامة المنطقة العربية كلها، ورفع شعار القومية العربية، وتسلل لصفوف مستشاريه وأعوانه من زينوا له أن نجاحه في هذا الهدف القومي، لا يمكن أن يتم إلا إذا فرغت القومية العربية من الإسلام، وأنه بذلك سيحظى بدعم لا حدود له من الكتلة السوفييتية، فضلًا عن تشجيع مستتر أو خفي من جانب إسرائيل، وحلفائها الأمريكان والأوروبيين، وفي مقدمتهم فرنسا. 

كان المنطق المستتر للمخابرات المصرية إذن أنها لا تتعاون إلا مع من يعلن ولاءه للزعيم الأوحد، ولا تقبل ولاءً لأي زعامة أصيلة أخرى، إنها تريد أعوانا وأتباعًا، لا شركاء وأندادًا.

رغم أن هذا كان في ضمير رجال المخابرات، إلا أنهم قرروا أن يمروا بمرحلة مجاراة أولية، فيها يفتحون صدورهم للأحزاب والزعماء حتى يصلوا إلى القاعدة الشعبية المؤيدة لهم، ثم لا مانع من استبعادهم بعد ذلك، وقد حاولوا مع كل زعماء المغرب العربي بأقطاره الثلاثة، ولم ينجحوا في إزاحة من تساندهم قوى أجنبية مثل بورقيبة، أو من تساندهم قوى شعبية استعصت عليهم، مثل ملك المغرب الذي رفض حزب الاستقلال التخلي عن مطالب إعادته للعرش، ولم ينجحوا في إزاحة الزعيم الأمير مصالي حاج، إلا لأن السياسة الفرنسية ساعدتهم في ذلك.

والظاهر أنهم وجدوا من الجزائريين المنتمين لحزب الشعب ذاته من قبل التخلي عن مصالي حاج، ولو كان هذا التخلي نتيجة للضغط والإغراء.. واستغلال حاجتهم للسلاح لمواصلة الكفاح.

ولذلك دبروا هذا الكمين الذي يتباهى به، وغرسوا به عداوات لا تنتهي بين أعضاء الحزب الوطني الذين بقوا على ولائهم لزعيمهم، والآخرين الذين سايروا سياسة الاستخبارات المصرية من أجل الحصول على المال والسلاح، وبذلك ترى أن هذه الاستخبارات هي التي دبرت المؤامرة التخريبية للقضاء على حزب الشعب ونجحت فيها.

ولكن نتائجها ما زالت تهدد كيان الجزائر وشعبها العربي المسلم كما نرى الآن.

فإذا كان اتهام أنصار «مصالي» بتدبير مؤامرة تخريبية لا دليل عليه، فإن تدبير المخابرات المصرية لمؤامرة تخريبية ضد حزب الشعب الجزائري ورئيسه مصالي مؤكد، تدل عليه دلائل كثيرة..

في العدد القادم :

الإسلام والجهاد والدولة الإسلامية


 

(*) أستاذ القانون الدولي السابق بجامعة القاهرة.

الرابط المختصر :