العنوان لا حل إلا ببناء القدرة النووية المصرية والعربية لمواجهة القدرة اليهودية
الكاتب بدر محمد بدر
تاريخ النشر الثلاثاء 09-أبريل-1996
مشاهدات 102
نشر في العدد 1195
نشر في الصفحة 30
الثلاثاء 09-أبريل-1996
- 26 مليون عربي سوف يتأثرون بالإشعاعات إذا ثبت تسربها
- رئيس هيئة الطاقة الذرية السابق في مصر: الخطر قادم.. قادم.. ونحن العرب لا نفيق إلا عندما تقع الكوارث
- الدكتور عصمت عز: رغم أن مصر بدأت العمل في الطاقة الذرية قبل إسرائيل والهند إلا أن الجميع امتلك القنبلة النووية وبقي العرب لا يملكون شيئًا
أثارت تصريحات عالم الفيزياء النووية اليهودي «عوزي إيفيني» - وهو المستشار السابق لمفاعل «ديمونة» في التليفزيون الإسرائيلي قبل نحو أسبوعين - حالة من الفزع والقلق في المنطقة العربية المجاورة للكيان الصهيوني، قال «إيفيني» في حديثه: «إن أطنانًا من النفايات المشعة لمفاعل «ديمونة» مدفونة تحت طبقة صخرية هشة على عمق كيلو متر واحد من سطح الأرض، وإنه تم رصد تسربات إشعاعية من هذه النفايات الذرية في مياه الآبار المحيطة بالمفاعل»، وقال «إيفيني»: «إن أية هزة أرضية قوية كفيلة بتحطيم الحاويات والصناديق التي تحوي هذه النفايات النووية المشعة»، وأضاف: «إن عمر مفاعل «ديمونة» الافتراضي قد انتهى، ولا بد من إعادة ترميمه أو إحالته إلى المعاش.. إننا لا نريد أن نكرر كارثة مفاعل «هانفورد» الأمريكي الذي تسبب في واحدة من أسوأ كوارث التلوث النووي في أمريكا، وقد تكلف تنظيف هذا المفاعل الأمريكي نحو 1.7 مليار دولار، ونحن في «ديمونة» نستخدم نفس أسلوب التخزين النووي وقد آن الأوان لكي نتحرك قبل أن تقع الكارثة التي لا تحمد عقباها».
ومفاعل «ديمونة» هو أكبر مفاعلات إسرائيل الأربع، وربما أقدمها، وتم افتتاحه رسميًا عام 1957م، وهو الأكثر أهمية وخطورة في البرنامج النووي الإسرائيلي، حيث تم بناؤه في صحراء النقب، ويبعد عن الحدود المصرية من سيناء بحوالي 60 كم فقط، وهو مقدم كهدية من فرنسا، وحصلت فرنسا بمقتضاه على حق الاستعانة بطريقته لإنتاج الماء الثقيل كيميائيًا، وهي الطريقة التي توصل إليها علماء ذرة يهود، ويقول الدكتور هشام فؤاد رئيس هيئة الطاقة الذرية في مصر: إن مفاعل «ديمونة» مفاعل سري غير مسجل في الوكالة الدولية للطاقة النووية، وتبلغ طاقته حوالي 150 ميجاوات، ويستطيع إنتاج ما بين 7 - 8 قنابل ذرية مثل التي ألقيت على هيروشيما في نهاية الحرب العالمية الثانية عام 1945م، وذلك في السنة الواحدة، وهو موجود تحت الأرض، وفوقه قبتان من الأسمنت المسلح، لو تأثرت واحدة لا تتأثر الثانية، ويمكن أن تتحمل سقوط طائرة فوقها أو إلقاء قنابل عليها، وقد أشرف على بنائه وقتها شيمون بيريز - رئيس الوزراء الإسرائيلي الحالي.
خطورة الإشعاع
وقد تحركت الأجهزة المصرية للكشف عن حقيقة هذا التسرب ورصده، وبالتالي اتخاذ تدابير مناسبة ضده، وقد أعلن الدكتور هشام فؤاد - رئيس هيئة الطاقة الذرية - أنه تم إيفاد بعثة علمية تضم أكبر خبراء معهد الأمان النووي في مصر، لقياس المستوى الإشعاعي على الحدود المصرية - الإسرائيلية، ومن المقرر أن تنتهي من عملها هذا الأسبوع، كما تحركت الدبلوماسية المصرية ووزارة الخارجية لرصد كافة التفاصيل حول هذا الموضوع الذي يصفه الخبراء بالخطورة البالغة، لأن الكارثة النووية سوف يتعرض لها حوالي ستة ملايين عربي يدخلون في نطاق إشعاع «ديمونة» في مصر، وسوريا، ولبنان، والأردن، والسعودية، إلى جانب أكثر من عشرين مليونًا سوف يطولهم الإشعاع النووي على مدى ربع القرن القادم على الأقل في صورة أمراض - قرابة 70 نوعًا - في مقدمتها سرطان الجلد والعقم وإجهاض الحوامل، وتشويه الأجنة في الأرحام، وظهور أجيال متخلفة ومعاقة من الأطفال... إلخ.
«المجتمع» التقت اثنين من كبار الخبراء النوويين في مصر والعالم العربي، وهما: الأستاذ الدكتور عزت عبد العزيز - رئيس هيئة الطاقة الذرية الأسبق والحاصل على جائزة الدولة التقديرية هذا العام، واللواء دكتور نووي عصمت عز - ممثل مصر في مفاوضات الحد من الأسلحة النووية - لتسأل عن حقيقة ما يجري على حدود مصر الشرقية، ومدى خطورته، وكيفية مواجهته، يقول الدكتور عزت عبد العزيز:
لقد نبهت مرارًا وفي أكثر من مناسبة لخطورة القدرات النووية الإسرائيلية، وضرورة مواجهة التحدي النووي الإسرائيلي، بغض النظر عن مدى توقيع إسرائيل على معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية من عدمه، لأنني أعتقد في الحقيقة أنه حتى ولو وقعت إسرائيل على المعاهدة، فلن نستطيع أن نثنيها أو نرغمها على التخلي عن برنامجها النووي العسكري ولا تملك ذلك حتى الوكالة الدولية للطاقة الذرية.. أنا مقتنع بهذا.. القضية إذن هي تعاظم القدرات النووية الإسرائيلية منذ سنة 1945م وحتى الآن، وطالما نبهنا إلى الخطر الإسرائيلي في هذا الميدان، وطالما نادينا بحتمية بناء قدرات نووية مصرية وعربية لمواجهة التحدي الإسرائيلي، ونادينا بضرورة بناء محطات نووية، ليس فقط من أجل توليد الطاقة، وليس فقط لأن مصر ليس لديها مخزون كبير من البترول أو الفحم، ولكن أيضًا بهدف الدخول في المجال النووي ولبناء استراتيجية قوية عربية بصفة عامة، ومصرية بصفة خاصة.
من أين التسرب؟!
ويؤكد الدكتور عزت عبد العزيز أن ما حذر منه قد وقع فعلًا.. وها نحن اليوم نتحدث عن التسرب الإشعاعي النووي، هذا التسرب من أین؟! من تضخم وتزايد كمية النفايات المشعة الناتجة عن الصناعة النووية العسكرية الخاصة بإسرائيل، وتصنيع أسلحة نووية، ومعالجة الوقود النووي المحترق، تؤدي إلى نفايات مشعة بالغة الخطورة، شديدة الإشعاعية، وتخزين المواد المشعة والتخلص منها هي قضية دولية وليست قضية إسرائيل وحدها، ففرنسا مثلاً تنتج 80% من احتياجاتها من الطاقة الكهربائية عن طريق الطاقة النووية ونتاج التشغيل هو نفايات مشعة، فكيف يتم التخلص منها؟. هناك أنواع لهذا التخلص من النفايات، وإسرائيل تستخدم التكنولوجيا الأمريكية التقليدية وهي حفظ النفايات المشعة في أماكن تخزين تحت الأرض، بعد وضعها في كتل خرسانية أسمنتية وفي كتل زجاجية، إلا أن تكاثر النفايات وضيق الأماكن، يشكل مصدر خطورة كبيرًا جدًا، وأعتقد أن ذلك هو ما يحدث الآن بالنسبة لمفاعل «ديمونة».
وحول احتمالات أن يكون هدف الخبير الإسرائيلي سياسيًا ودعائيًا أكثر منه علميًا وواقعيًا بهدف استمرار الضغط السياسي الصهيوني في المنطقة، أو لاستثماره في الانتخابات القادمة في إسرائيل، يقول الدكتور عزت عبد العزيز: لا ينبغي التهويل من المشكلة، كما لا يجوز التهوين منها، ونحن في انتظار ما يمكن أن تسفر عنه نتائج التحليلات التي يجريها خبراء المعمل المركزي للقياسات الإشعاعية البيئية، وهو من أهم المعامل الموجودة في هيئة الطاقة الذرية، ويضم أفضل الخبرات في هذا المجال، فإذا اتضح أن المستوى الإشعاعي ارتفع أو زاد عن المستوى القاعدي «المستوى العادي المقبول دوليًا» فقد صار الخطر ويجب أن ندق ناقوس الخطر، ويجب أن نفيق فنحن العرب - للأسف - لا نفيق إلا عندما تقع الكوارث، ثم من يقول بأن هذا ربما له أهداف سياسية، هذا جائز، ولكن نحن نقوله كحقائق علمية ثابتة الخطر قادم.. قادم.. لكن هل هو قادم اليوم أو في الغد؟ وهل بدأ التسرب فعلًا أم لا؟ هذا ما يمكن أن يؤكده تقرير هيئة الطاقة الذرية، وعندما تظهر الحقيقة المرة، وأرجو ألا تكون كذلك، فلابد من صنع أي شيء.. وكفاية إلى هذا الحد!!
ويشير الدكتور عزت إلى أنه عندما تسلم جائزة الدولة التقديرية لهذا العام، قال للرئيس مبارك: «يا ريس.. بعد المد اللانهائي للمعاهدة، صار من المحتم تنفيذ البرنامج النووي المصري ويجب أن يتم ذلك على يديك...»، ويضيف: «إنني لم أترك مناسبة إلا وناديت بأنه يجب أن نبني تكنولوجيا نووية لمواجهة التحدي الإسرائيلي.. نحن اليوم ندفع ثمن هذا الإهمال وهذه السلبية ثم نأتي ونصرخ، ونحن خائفون ومرعوبون!!».
كيف نشعر بالأمان؟!
ويؤكد اللواء دكتور نووي عصمت عز أن المنطقة التي أقيم فيها مفاعل ديمونة هي منطقة زلازل، وأنها تدخل في نطاق الفالق العظيم في البحر الأحمر، وفي خليج العقبة توجد بؤرة للزلازل، ومن البديهي إن كان هناك مخازن للنفايات المشعة الناتجة من مفاعل «ديمونة» أن تتهدم، ويمكن أن تتسرب هذه النفايات إلى الهواء أو إلى المياه الجوفية، ومفاعل «ديمونة» تم بناؤه بتكنولوجيا قديمة تشكل خطورة، وربما تكون إسرائيل قد جددته لكن كيف أستريح وبجواري «عفريت»؟! إن من حقنا أن تكون المنطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل ومن بينها السلاح النووي، وبديهي ألا نشعر بالأمان، حتى ولو تم اتخاذ كل الإجراءات المطلوبة لتأمينه.
وحول الاحتمالات السياسية لتصريحات خبير الطاقة اليهودي يقول د. عصمت عز: هذا محتمل، لأن عملية السلام ليست مقبولة من كل الجهات في إسرائيل، وبالتالي كل فترة يتم الإعلان عن شيء يؤدي إلى القلق والتوتر وإثارة المتاعب مثل موضوع قتل الأسرى المصريين في حربي 1956، 1967م، لكن ذلك لا ينفي الحقائق العلمية، التي تشير إلى خطورة التسرب الإشعاعي.
وحول إمكانية استخدام إسرائيل للسلاح النووي ضد العرب والمسلمين بشكل عام، ومدى تأثرها هي بهذه الأسلحة، يقول اللواء دكتور عصمت عز: إن الواقع على مستوى العالم الآن، حتى الأمريكان يقولون إن السلاح النووي هو سلاح سياسي ولم يعد صالحًا للاستخدام، بمعنى أنه عند استخدام الأسلحة النووية على نطاق كبير، فإن العالم كله سيتأثر، وإسرائيل تقول إنه سلاح للردع، وإنه طالما لديها هذا السلاح، فلن تجرؤ دولة عربية على مواجهتها، لأنها تستطيع أن تضرب أية عاصمة عربية من المحيط إلى الخليج.. ولكن يبقى السؤال: متى تستخدمه؟ وأين؟ وتحت أية ظروف؟ إنها لو ضربت بغداد مثلًا فلن تتأثر، ولو ضربت القاهرة فمن الصعب أن تتأثر لكبر المسافة بينها وبين تلك العواصم.. كأن تلقي حجرًا في الماء، فتصنع دوائر، كلما اتسعت الدوائر قل التأثير وهكذا.. إسرائيل سوف تتأثر ولكن بأية درجة؟
وحول الحل يقول اللواء دكتور عصمت عز: هذا هو نظام الضغط على «الدمامل».. نحن بدأنا العمل في مجال الطاقة الذرية قبل اليهود.. وقبل الهند.. أين نحن الآن وأين هؤلاء؟! ثم أين الأمة العربية؟! أين هي؟ إنها للأسف غير موجودة، بل إن الدول التي لا مصلحة لها مع إسرائيل، تسارع بالارتماء في أحضانها، ومن يملك المال لا يملك الرغبة في فعل شيء، ومن يملك العلماء والخبراء لا يملك المال.. مصر مثلًا لديها 60 مليون مواطن وأحوالها الاقتصادية صعبة.. فماذا تصنع؟!