; الجهاد من أجل نهاية المأساة يا فلسطين | مجلة المجتمع

العنوان الجهاد من أجل نهاية المأساة يا فلسطين

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 22-ديسمبر-1987

مشاهدات 75

نشر في العدد 848

نشر في الصفحة 4

الثلاثاء 22-ديسمبر-1987

دخلت انتفاضة شعبنا المؤمن المرابط في فلسطين المحتلة أسبوعها الثاني دون أن يظهر أي مؤشر في الأفق يوحي بأنها سوف تتوقف عند حد معين، ولم تعد الانتفاضة عمليات فدائية محدودة يقوم بها مجموعة من المقاتلين فيقتلون ويقتلون ولا انتفاضة طلاب المدارس أو أطفال الحجارة.. ولا الشباب الملتزم بأطر سياسية وفكرية معينة، إنها أصبحت انتفاضة كل الشعب الفلسطيني بشبابه وشيبه، ونسائه، ورجاله، وأطفاله.

لقد ألقت «إسرائيل» بكل ثقلها من أجل إنهاء الانتفاضة ووضع نهاية لها، لقد استقدمت شرطة منع الشغب أولًا، ثم حرس الحدود، ثم الجيش النظامي بآلياته ودباباته، وأخيرًا استعانت بالطيران من أجل تعقب الجماهير ومحاولة إلقاء الرعب فيها من شارع إلى شارع، ولكن كل هذه المحاولات فشلت ولم تؤد إلى أية نتيجة.

لقد تعبت إسرائيل الجلاد المنتفش، المدفع الذي تعود أن يقذف الحمم.. ولم تتعب الضحية الجماهير المؤمنة المرابطة العزلاء المدافعة عن حقها في حياة حرة كريمة، المتشبثة بأرضها المباركة، وأثبتت للعالم أن الشعب الفلسطيني كله مصمم على تحرير أرضه والتخلص من كابوس البغي اليهودي الغاشم، ولذلك فإن زعماء الكيان الصهيوني مبهورون بالمفاجأة وبما تحمله من معان كبيرة واحتمالات خطيرة.

يوم الجمعة تحول إلى كابوس لدى اليهود، فأئمة المساجد وخطباؤها مازالوا قادرين على حشد الجماهير وشحنها بروح المقاومة، وما إن تنتهي الصلاة حتى يخرج الناس ليمارسوا واجبًا عباديًا آخر في الشارع بإطلاق الهتافات المدوية ضد الاحتلال، ورفع القبضات القوية الطاهرة المتوضئة العزلاء في وجه الباطل المتسلط، وأي سلطان أكثر جورًا من اليهودي المغتصب تقذف في وجهه كلمة الحق، وأي منكر أحق بالإنكار من احتلال ﴿أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أشركوا﴾ (المائدة:83).

وتحولت المساجد إلى غرف عمليات للحشد والتعبئة، باحاتها ساحات لرص الصفوف استعدادًا للانطلاق، ومحاريبها مستشفيات ميدانية لتضميد الجراح، ومآذنها منارات لتوجيه الجماهير وتسديدها، ومكبرات الأذان لإطلاق الهتافات والشعارات وقيادة الجماهير.

أي شيء تستطيع «إسرائيل» أن تفعل؟! أن تقتل.. لقد جربت ذلك طويلًا.. فكلما سقط شهيد عبد الطريق أمام طوابير الشهداء.. وكلما أصيب جريح تطهر بدمه الظاهر النازف آلاف المجاهدين، وهم يقرأون حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده لا يكلم أحد في سبيل الله -والله أعلم من يكلم في سبيله- إلا جاء يوم القيامة اللون لون الدم والريح ريح المسك». واعتمدت «إسرائيل» أساليب التهديد والوعيد، فطاردت طلاب المدارس والجامعات، وأنذرت أهليهم بطردهم منها.. فتظاهر الأهلون، آباء وأمهات، فماذا تصنع؟ عمدت إلى فتح متاجرهم بالقوة، ثم أقفلتها باللحام حتى لا يعاد فتحها مرة أخرى، ومع هذا فالمظاهرات مستمرة والانتفاضة في ازدياد.

طاردت المتظاهرين في الشوارع فلجأت جموعهم إلى المستشفيات ترابط فيها وتطوقها لمنع قوات الغزو من اعتقال الجرحى أو الإجهاز عليهم، فطاردتهم داخل باحات مستشفيات غزة وممراتها.. لجأت الجموع إلى المخيمات وتحصنت فيها، وسدت مداخلها بالسواتر الترابية والمواد المشتعلة، فوقفت الآلة العسكرية اليهودية عاجزة حائرة أمام الإرادة المؤمنة المصممة على التحدي.

حسبت «إسرائيل» أنها حاصرت الظاهرة في مدينة غزة فامتدت إلى كل مدن القطاع وقراه ومخيماته.. ثم انتقلت إلى الضفة الغربية المجاهدة وسادت معظم المدن والمخيمات.. وأخيرًا انتقلت الشرارة إلى حيث ظنت «إسرائيل» أنها لن تؤتي إلى مناطق احتلال عام ١٩٤٨ فامتدت إلى المثلث والجليل والناصرة، وبدأت «إسرائيل» حملات اعتقال وتقييد الحريات.. ولا ندري مع صدور هذا العدد أين تبلغ الانتفاضة.

ومع كل هذا العناء لا يجد وزير دفاع «إسرائيل» إسحق رابين ما يقوله لليهود مطمئنًا ومهدنًا إلا «أنه يتوقع أن تستمر الأحداث حتى أول يناير المقبل على الأقل» وهو اليوم الذي يجري الاحتفال فيه بانطلاقة حركة «فتح».

وبعد، فإن الواجب يقضي بأن نتوقف عند انتفاضة الأرض المحتلة، لأن الدم الطاهر الذي يراق يستدعي أن نقابله بوقفة متأنية واعية.

النقطة الأولى تتعلق بنا نحن جماهير المسلمين الذين نتحسس العبء الملقى على عواتقنا تجاه إخوتنا المرابطين في الأرض المحتلة.. إن بإمكاننا أن نفعل من أجلهم الكثير فبالإضافة إلى الثناء والدعاء علينا واجب دعم صمود هؤلاء الإخوة.. وتسألون كيف ذلك؟ ونجيب بأن المعركة مع اليهود في الأرض المحتلة ليست عسكرية بعد، وبالتالي فإن دعم المؤسسات الفلسطينية التربوية والصحية والمشاريع الخيرية..

كل ذلك يصب في بوتقة دعم صمود إخوتنا المرابطين.. فضلًا عن تقديم الدعم المادي والمعنوي للحركات المجاهدة العاملة على الساحة الفلسطينية في الداخل.

النقطة الثانية هي أن أفضل ما نقدمه للمجاهدين الصامدين داخل الأرض المحتلة هو تماسك الصف الفلسطيني في الخارج، وأن تتوجه كل الجهود لدعم المعركة والإعداد لمتابعتها، وليس إصدار بيانات التبني وتجيير كل فصيل فلسطيني هذا المنحى أو ذاك لمصلحته أو جماعته.. فالانتفاضة ملك لكل الشعب الفلسطيني وهي أكبر من أي تنظيم بمفرده وقدرته على الشحذ والتحريك.

النقطة الثالثة هي أن يستحي المقاتلون المتصارعون الذين يستنزفون دماء المسلمين وطاقاتهم في قضايا جانبية أو معارك عبثية، ولاسيما الحرب العراقية الإيرانية التي لو بذلنا واحدًا على مائة مما بذل فيها من طاقات بشرية وإمكانات مادية في النازفة في فلسطين فيقلعوا عن غيهم ويعودوا إلى رشدهم.. ميدان الجهاد الأصيل في فلسطين لكان ذلك كفيلًا بأن تنتهي “إسرائيل” من الوجود.. ولا أقل من أن يخجل المصرون على إزهاق أرواح مئات الألوف من المسلمين أمام دماء الشهداء.

وختامًا، فإن أملنا كبير بأن تكون انتفاضة الأرض المحتلة أول الطريق إلى التحرير الناجز لكامل التراب الفلسطيني، لا أن توظف في سبيل الضغط لتحريك الموقف السياسي باتجاه مؤتمر دولي أو دعم محور إقليمي مهما كانت المبررات.. فالدم الذي يبذل بسخاء أطهر وأكبر من أن يساء إلى قضيته، والقضية تستحق أن يكون رجالها ملتزمين بها مجاهدين في سبيلها، لا متاجرين بها ولا مناورين، ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ(الحج: ٤٠).

الرابط المختصر :