العنوان قراءة في نتائج انتخابات المجالس المحلية في العراق
الكاتب محمد صادق أمين
تاريخ النشر السبت 28-فبراير-2009
مشاهدات 66
نشر في العدد 1841
نشر في الصفحة 20
السبت 28-فبراير-2009
ساهمت في تفتيت تحالفات قامت على أسس طائفية وعرقية
مجالس المحافظات بمنزلة سلطات محلية تتمتع بصلاحيات إدارية ومالية واسعة... أهمها اختيار حكومة محلية على رأسها المحافظ ونوابه
تم التصويت على أساس الانتماء الوطني وليس الطائفي كما في انتخابات عام ٢٠٠٥م.. بعد أن أدرك العراقيون أخطار الطائفية وتوظيفها من وراء الحدود
تشهد الساحة السياسية العراقية حاليًا مفاوضات ومشاورات بين الكتل والكيانات السياسية التي فازت بالانتخابات المحلية بهدف إنشاء تحالفات جديدة لتشكيل الحكومات المحلية وخوض الانتخابات العامة نهاية العام الجاري، وهو ما يمكن عده من أفضل نتائج هذه الانتخابات التي ساهمت في تفتيت التحالفات التي قامت على أسس طائفية وعرقية؛ بما يتيح الفرصة لتشكيل تحالفات وطنية أوسع تخرج العراق من عنق زجاجة الحرب الأهلية.
اظهرت نتائج انتخابات مجالس المحافظات. العراقية مفاجات ستغير الخارطة السياسية العراقية، فقد شهدت الانتخابات صراعا من اجل رسم أحجام جديدة للقوى السياسية المشاركة في العمل السياسي منذ احتلال العراق عام ٢٠٠٢م، وتكتسب هذه الانتخابات أهميتها من جانبين.
أولهما: أنها تأتي قبيل الانتخابات العامة المقرر إجراؤها نهاية العام الجاري التي ستختار مجلس نواب عراقي جديد يخلف المجلس الحالي الذي بدأت ولايته عام ٢٠٠٥م. الذي اختار الناخب العراقي ممثليه في ظل ظروف أمنية سيئة للغاية؛ وفي ظل استقطاب طائفي وقومي وديني كاد يصل إلى حد الاقتتال بحيث قسمت العاصمة بغداد والمحافظات المختلطة إلى مناطق نفوذ للطوائف والمذاهب وأصبح التنقل بين تلك المناطق خطرًا داهمًا ينذر بالموت، وهو الأمر الذي لم يسمح للناخب. بالتصويت واختيار الأحزاب التي تمثله بناء على البرامج والرؤى السياسية، بل على أساس طائفي في تلك المرحلة.
وثانيهما: الأهمية البالغة لمجالس المحافظات التي تعد بمنزلة سلطات محلية تتمتع بصلاحيات إدارية ومالية واسعة، وأهم السلطات الإدارية هي اختيار حكومة محلية وعلى رأسها المحافظ ونوابه، لكن الأجهزة الأمنية ترتبط بالحكومة المركزية في بغداد ويكون دور المحافظة في اختيار القادة الأمنيين دورًا استشاريًا، ومن الناحية المالية تخصص الحكومة المركزية جزءاً من الموازنة لأغراض تنمية المحافظات وقد خصصت الحكومة ملياري دولار للاستثمار في المحافظات هذا العام يسيطر عليها مجلس المحافظة، الذي من صلاحيته إطلاق المشاريع الإعمارية والإنمائية وتمويلها، مثل: الكهرباء والمستشفيات والبنية التحتية، ومن الصلاحيات المهمة: تشريع القوانين والتصويت عليها وتنفيذها.
من هذا المنطلق تكتسب مجالس المحافظات أهمية بالغة في تحديد سير العملية السياسية داخل المحافظة، حيث يتاح للحزب المسيطر على الحكومة المحلية فرصة التصرف في مواردها وقراراتها الإدارية، التي قد تستغل من قبل المكون المهيمن على المحافظة في ظل غياب الضوابط، وتهميش الأطراف السياسية المناولة لتلك الأحزاب التي تستخدم نفوذها البسط الهيمنة، وأحيانًا ممارسة البطش ضد الجهات السياسية المناولة كما حصل في مناطق مختلفة من جنوب العراق.
من الأهمية بمكان عرض واقع المحافظات العراقية التي خاضت الانتخابات الأخيرة قبل إجراء أي قراءة لها، نظرًا لتعلق إرادة الناخب بمجربات تجربته مع مجالس المحافظات التي تولت مهامها منذ احتلال العراق عام ٢٠٠٣م إذ يجمع المراقبون على أن المرحلة الماضية كانت مرحلة انتشار الفوضى الأمنية والفساد المالي والإداري التي جعلت العراق ضمن المراتب الأولى في تصنيف الفساد العالمي.
ولا يمكن وضع جميع المحافظات في خانة التصنيف نفسها نظرًا لتفاوت الوضع الأمني والسياسي لهذه المحافظات، فمحافظات الجنوب والوسط تتسم بالأمن والاستقرار النسبي بسبب تجانس المكون الطائفي لهذه المحافظات التي توافقت في معظمها على عدم مقاومة قوات الاحتلال والتأييد المطلق للحكومة العراقية.
أما محافظات شمال وغرب العراق فهي محافظات مضطربة أمنيا لأنها حاضنة الفصائل المقاومة العراقية، كما أن مكوناتها توافقت على مقاطعة العملية السياسية في المرحلة التي أعقبت احتلال العراق عام ٢٠٠٣م، مما جعل الحكومة لا تتمتع برضى وقبول السواد الأعظم من الناس، وهو ما تغير سريعًا عقب إدراك هذه المكونات أن سلبيات المقاطعة أكبر من الإيجابيات.
وعلى الرغم من التفاوت في أوضاع هذه المحافظات إلا أن مجالس المحافظات فيها لم تنجح في تقديم الأمن والخدمات للمواطن، لا في المناطق المصنفة كمناطق آمنة ومستقرة في الجنوب، ولا في تلك المصنفة على أنها مناطق توتر ومواجهة في الشمال، وهو ما شكل دافعًا قويًا للناخب العراقي من أجل التغيير في مناطقه حيث فقدت أحزاب كبرى مناطق نفوذها لصالح قوى أخرى.
أهم المؤشرات
هناك جملة تغيرات أفرزتها صناديق الاقتراع يمكننا أن نلاحظها من خلال المؤشرات التالية:
أولًا: تراجع التيار الداعم لتقسيم العراق على أساس فيدرالية إدارية: متمثلًا في تيار المجلس الإسلامي الأعلى بزعامة عبد العزيز الحكيم، حيث تراجع الحزب في أهم معاقله في المحافظات الجنوبية لصالح ائتلاف دولة القانون الذي يقوده رئيس الوزراء نوري المالكي، وتيار الأحرار. المدعوم من التيار الصدري، كما تراجع في محافظة ديالى وسط العراق أحد أهم معاقله الصالح، الحزب الإسلامي، العراقي، وهو ما عده المراقبون تصويتًا جماهيريًا ضد مشروع تقسيم العراق وهو مشروع أمريكي طرح بقوة بصورة مباشرة منذ سنوات على لسان جوزيف بايدن، نائب الرئيس الأمريكي باراك أوباما، فهو صاحب خطة التقطيع الناعم للعراق، التي تنص على إنشاء شرطة محلية في كل محافظة كما تنص على بناء قوات أمنية خاصة، وعلى رسم حدود المحافظات، وهذه هي الوصفة الكاملة للفيدرالية التي أقرت في الدستور العراقي.
ثانيًا: تراجع الخطاب الطائفي: حيث لاحظ المراقبون أن التصويت ثم على أساس الانتماء الوطني وليس الطائفي كما في انتخابات عام ٢٠٠٥م، وذلك بعد أن أدرك العراقيون أخطار الطائفية وتوظيفها من وراء الحدود بهدف عرقلة مسيرة العملية السياسية في العراق وإفشال المشروع الأمريكي وتحويل الساحة العراقية إلى ساحة مواجهة، وهو ما يفسر نجاح تيار ائتلاف دولة القانون بقيادة رئيس الوزراء نوري المالكي الذي واجه النفوذ الإيراني من خلال الاصطدام المباشر مع الجماعات المسلحة التي يطلق عليها المجاميع الخاصة التي تؤكد التقارير الحكومية والأمريكية ولاءها لإيران، وعملها على زعزعة الأمن في العراق.
ثالثًا: استخدام الشعارات الوطنية في القوائم الانتخابية: التي ركزت على الانتماء العراقي، وإن كانت بعض هذه القوائم ذات طابع ديني كما فعل حزب الفضيلة الشيعي في مدينة البصرة.
رابعًا: الانتماء العشائري: الذي يشكل عاملًا محوريًا مهمًا في تشكيل الديموجرافيا العراقية، وقد ساهمت الانتخابات في إحياء القبلية لدى الناخب العراقي حيث دخلت العشائر في المنافسة الانتخابية بقوة خصوصًا في مناطق غرب العراق، ونجحت القبائل العربية في طرد تنظيم القاعدة وجلب الأمن والاستقرار لمناطق كانت تعد أكثر مناطق العراق اضطرابًا، وهو ما دفع هذه المشائر إلى الدخول كمنافس سياسي على أصوات الناخبين وقد حققت نجاحات لافتة في ويرى المراقبون أن الانتماء القبلي لدى محافظة الأنبار.
بعض الناخبين عامل مهم في اختيار المرشح بغض النظر عن برنامجه الانتخابي وشخصيته القيادية وكفاءته العلمية، وهو ما دفع الكثير من الساسة إلى اللقاء بالمشائر وكسب ودها خلال الحملات الانتخابية.
خامسًا: تراجع التصويت لصالح التيارات الإسلامية: الشيعية والسنية على حد سواء، فعلى الرغم من كون ائتلاف دولة القانون يدخل فيه حزب الدعوة، في المرجعية الدينية الشيعية، إلا أن تيار المالكي نفذ خلال مرحلة فرض القانون سياسة علمانية لا صلة لها بالخطاب الديني.. وعلى سبيل المثال لا الحصر، يشير المراقبون إلى أن محلات بيع الخمور فتحت أبوابها في مدينة البصرة بعد عملية صولة الفرسان التي قادها المالكي وبحماية المؤسسة الأمنية.
ويرجع المراقبون تراجع التصويت للأحزاب ذات المرجعية الإسلامية إلى أسباب عديدة من أهمها تحميل الناخب العراقي المسؤولية لهذه الأحزاب - التي سيطر بعضها على الحكومات المحلية - عن تردي الخدمات وانجراف البلد إلى مزالق الحرب الأهلية في فترة تصاعد التوتر بين الطوائف العراقية المختلفة.