العنوان تفجيرات أمريكا.. هل تغير وجه العالم؟
الكاتب قطب العربي
تاريخ النشر السبت 29-سبتمبر-2001
مشاهدات 65
نشر في العدد 1470
نشر في الصفحة 18
السبت 29-سبتمبر-2001
توسيع مفهوم الإرهاب ليشمل دولًا وحركات سياسية معتدلة.. وفرصة حياة جديدة لأنظمة متهالكة
لم تكن التفجيرات التي تعرضت لها نيويورك وواشنطن وبعض المباني الفيدرالية الأخرى مجرد حدث ضخم هز كيان الولايات المتحدة، ولكنه يعد واحدًا من أهم أحداث العالم الكبرى التي تسهم في صنع خريطة جديدة للعالم على شاكلة ضرب الأسطول الأمريكي في بيرل هاربر أثناء الحرب العالمية الثانية مما تسبب في دخول أمريكا رسميًّا الحرب إلى جانب الحلفاء وحسم المعركة لصالحهم بعد أن كادت تحسم ضدهم، وقد نشأ بعد الحرب عالم جديد بأقطاب جديدة تركزت في الدول الأربع القائدة في الحرب وهي الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي وبريطانيا وفرنسا، في حين تم تقسيم ألمانيا ونزعت أشواك كل من اليابان وإيطاليا.
ومع انتهاء الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي بانهيار هذا الأخير انفردت أمريكا بقيادة العالم ولم يعد للدول الكبرى الأخرى: فرنسا وبريطانيا، وروسيا، والصين، واليابان والهند سوى أدوار هامشية، وسلم معظمها بالقيادة الأمريكية للعالم في حين حاول القليل منها أن يكون له دور إلى جانبها في قيادة العالم مثل فرنسا والصين، وبالطبع فقد كانت القوة الاقتصادية والعسكرية للولايات المتحدة سبب سطوتها وتفردها بقيادة العالم، فهي تمتلك السيف والذهب أو العصا والجزرة، وهي قد اشترت ولاء غالبية الدول عبر المساعدات الاقتصادية والقروض المالية، أما الدول الأخرى المتشددة فهي تتعامل معها بالعصا والسيف ولعل ما حصل مؤخرًا أثر على كبرياء هذه القوة التي تتعامل مع العالم بمعايير خاصة تحقق أولًا المصالح الأمريكية والريادة الأمريكية، وهو ما تسبب في تعدد وتنوع المضارين من السياسة الأمريكية، فقد شاهدنا تصاعد العداء لأمريكا في الدول العربية بسبب موقفها المنحاز للاحتلال الصهيوني لفلسطين وهو ما ينطبق على الدول الاسلامية أيضًا، إضافة إلى موقف أمريكا المنحاز ضد الشعوب الإسلامية الساعية للاستقلال سواء في كشمير أو الشيشان أو كوسوفا أو جنوب الفلبين، وهناك العداء الصربي لأمريكا بسبب الضربات الأطلسية التي قادتها واشنطن ضد صربيا قبل عامين، والعداء الصيني الذي فجره بقوة حادث طائرة التجسس الأمريكية فوق الصين، وهناك بالطبع أعداء الهيمنة الأمريكية والعولمة المنتشرون عبر ربوع العالم بكل أجناسه ودياناته. ورغم أن أصابع الاتهام الأمريكية أشارت منذ اللحظات الأولى إلى متهمين عرب أو مسلمين دون تقديم دليل على ذلك فإن التحقيقات النهائية قد تكون مفاجأة كما حدث من قبل في حادث أوكلاهوما سيتي عام ١٩٩٥م.
الحرب العالمية ضد الارهاب
وبعيدًا عن نتائج التحقيقات حول هوية الفاعلين فإن مناخًا عامًا مضادًا للإرهاب يعم العالم الآن وقد أوجد الحادث إرادة دولية قوية لمواجهة الإرهاب بصورة جماعية مؤسسية، ورغم أن الحرب على الإرهاب معلنة منذ فترة وهناك تعاون دولي عالي المستوى في هذا المجال إلا أن الجديد في الأمر هو التوسع في مفهوم الإرهاب ليشمل دولًا وحركات توصف بالاعتدال لمجرد أنها تبدي انتقادات للسياسات الأمريكية والغربية أو الصهيونية أو للعولمة باعتبار أن هذه الانتقادات هي نوع من الإرهاب أو التحريض عليه! كما أن دولًا مسالمة قد تصنف باعتبارها دولًا إرهابية لمجرد انتقادها للسياسات الأمريكية أو الغربية أو للعولمة واتفاقيات التجارة العالمية.
وإذا كانت التفجيرات قد أحدثت دمارًا غير مسبوق للمنشآت الأمريكية والاقتصاد الأمريكي فإن الأمر لا يخلو من فائدة للبعض وفقًا للمثل «مصائب قوم عند قوم فوائد»، فكثير من الحكومات المتهالكة التي فقدت مبررات استمرارها وجدت في هذه الأحداث فرصة لتجديد شبابها واستمرارها، استنادًا إلى دور تقوم به في معركة الإرهاب الكبرى.
لكل طرف.. غرض
لقد بدأ هذا التحالف الدولي يتشكل فور وقوع التفجيرات لشعور الجميع بالخطر حيث سارع العديد من الدول الكبرى بإعلان التأييد والدعم للولايات المتحدة في أي رد تقوم به، ولم يقتصر الأمر على دول حلف شمال الأطلسي التي ترتبط مع الولايات المتحدة بواجب الدفاع المشترك، ولكن الأمر تجاوز ذلك إلى دول كانت تحاول سابقًا أن تظهر تميزها عن الولايات المتحدة الأمريكية بل وربما منافستها في العالم مثل الصين وروسيا والهند التي أعلنت جميعها رغبتها في الانضمام للحلف الدولي الجديد.
ومن الواضح أن القاسم المشترك بين هذه الدول هو العداء للإسلام ووجود مشكلات حقيقية لهذه الدول مع أقليات أو شعوب إسلامية تطالب بالاستقلال مثل الشيشان مع روسيا وكشمير مع الهند وإقليم تركستان الشرقية ذي الغالبية المسلمة مع الصين، وتحاول هذه الدول أن تستفيد من الغضب الدولي المتصاعد ضد الإرهاب لتحسم معاركها مع المسلمين بحجة أنها تقاوم إرهابيين، كما أنها ستطلب مساندة دولية في مواجهتها للمسلمين بحجة التضامن الدولي لمواجهة الإرهاب، وهو أسلوب سبق الكيان الصهيوني الجميع إليه بإعلاناته المتكررة أنه يقاوم الإرهاب الفلسطيني ومحاولاته الدائمة تقديم العمليات الاستشهادية على الساحة الفلسطينية باعتبارها عمليات إرهابية ضد مدنيين أبرياء وهو ما يقتنع به فعلًا غالبية الرأي العام الغربي. وقد كان هذا الكيان سباقًا بعد التفجيرات الأخيرة في تحميل العرب والمسلمين المسؤولية باعتبارهم إرهابيين! كما سارع بعرض خدماته وخبراته، وبالطبع فإن الدول التي كانت تبدو مستقلة عن السياسة الأمريكية من قبل لن تترك الفرصة تفوتها، وها هي روسيا تتهم المجاهدين الشيشانيين بأنهم إرهابيون وتحاول إيهام العالم الغربي والإسلامي بأنها تقاوم الإرهاب الإسلامي الذي تجمع في الشيشان، وها هي الهند تدعي نفس الشيء عن مجاهدي كشمير والصين عن مسلمي تركستان الشرقية، وهناك دول أخرى تدعي الشيء نفسه مثل مقدونيا وصربيا والفلبين.
من الواضح إذن أن الحرب الدولية ضد الإرهاب -التي وصفها المعلق السياسي الأمريكي توماس فريدمان بأنها حرب عالمية ثالثة- سنتوجه أساسًا ضد العالم الإسلامي سواء بعض الحكومات المناوئة للغرب أو الحركات الإسلامية، وقد بدأت الرصاصات الأولى لهذه الحرب تنطلق من الشعوب الغربية سواء في أمريكا أو أوروبا ضد المسلمين في الغرب، ولم تُجد شيئًا دعوات الرئيس الأمريكي أو وزير عدله أو وزير خارجيته للأمريكيين بضرورة احترام العرب والمسلمين المقيمين في أمريكا وعدم تحميلهم مسؤولية ما يجرى، كما لم يفلح البيان الذي أصدره الكونجرس لوقف الهجمات المسعورة ضد المسلمين في أمريكا والذي أكد أن كثيرًا من الضحايا في التفجيرات هم من الأمريكان ذوي الأصول العربية والإسلامية أيضًا، وأن كثيرًا ممن يقومون بجهود الإنقاذ هم من ذوي الأصول العربية والإسلامية، لم تفلح هذه الدعوات في تهدئة ثورة الأمريكيين ضد المسلمين، وبالطبع فإن مثل هذه الاعتداءات سوف تستفز المسلمين في كل مكان وقد تدفعهم للرد ليتحول العالم إلى ساحة مواجهة بين المسلمين والغرب .
الرابط المختصر :
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل «الأتـربـــة النـــادرة».. هل تصبح محور الصراع القادم بين كبـــــار العالـــــــم؟ ولمــــــــــاذا؟
نشر في العدد 2176
91
الأربعاء 01-فبراير-2023