العنوان بين شارون وأرناط ووعد صلاح الدين
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر السبت 25-أغسطس-2001
مشاهدات 172
نشر في العدد 1465
نشر في الصفحة 47
السبت 25-أغسطس-2001
أبطال الحروب والمعارك، كما أن لهم شجاعة قلب، وذكاء، عقل، وكبر همة لهم شرف كلمة وصدق وعد، وأمانة عهد، فهم ليسوا صعاليك في الأمم ولا غوغاء في الشعوب ولا لصوصًا في أقوامهم وذويهم لأن الإقدام والقوة النفسية والعزيمة والشجاعة القلبية تتنافر مع هذه الصفات الهابطة، والأفعال المرذولة والأبطال دائمًا تجد فيهم الجانب الإنساني، رغم ما يكون فيهم من شدة وبأس.
روى ألكسندر ويرث وهو كاتب إنجليزي قضى سني الحرب العالمية الأخيرة في روسيا، قال: ربما لا يكون ستالين منزهًا عن الأخطاء، ولكن لن أنسى أبدًا هذه الواقعة التي تكشف عن الجانب الإنساني في نفسه، فقد فاجأ مرة مركز قيادة «زوكوف» بزيارة غير مرتقبة في أحلك أيام الحرب الروسية.. وكان زوكوف، قد عاد من الميدان مرهقًا، فاستلقى على فراشه بثيابه، واستغرق في النوم.
ودلف ستالين على أطراف أصابعه، فوجد حذائي القائد مبتلين، وخشي أن يصاب من جراء ذلك بضرر فخلعهما برفق عن قدميه وحملهما إلى ياور القائد قائلًا: من العار أن تترك عظيمًا مثله ينام بحذاءيه مبتلين جففهما في الحال وأخبره عندما يستيقظ، إنني انتظره.
وارتبك الياور، وما إن انصرف ستالين حتى أيقظ «زوكوف»، وأنبأه بما تم في الزيارة والرسالة، فأسرع القائد «زوكوف»، فلبس حذائيه ولما يجفا وبادر إلى موسكو، وإذ دخل على ستالين ألقي نظرة على الحذاءين، ثم قال: ما زالا مبتلين إن ياورك مهمل يا صديقي، وجدير بك أن تتخلص منه، ثم أرسل يستحضر له حذاءين جديدين، ولله در القائل:
ولم أر أمثال الرجال تفاوتًا لدى الفضل حتى عد ألف بواحد
والزمان يحكي الكثير عن شهامة الرجال وإنسانيتهم، كما يحكي كذلك عن قادة صعاليك سطروا صحائف خزى يندى لها الجبين، فأخزاهم الزمان ولعنهم وشيعهم بالعار والوبال من هؤلاء «أرناط» القائد الصليبي الخسيس الذي كان لا يثبت في معركة أمام صلاح الدين، ثم إذا أحيط به يطلب الصفح، ثم يعاهد ويغدر، ولا ذمة له ولا شرف يحجزه عن الدنايا، كان يتربص للقوافل ويهاجم المسافرين وينهب أموالهم ومتاعهم ويتربص للحجاج المسلمين ليسلبهم أقواتهم وأرزاقهم ورواحلهم، وكان ذلك يؤذي صلاح الدين، ثم توجه إلى مقدسات المسلمين وأراد أن يغزو الحرمين الشريفين، وفعلًا أنزل جنوده قرب رابغ وكان بينه وبين مدينة رسول الله ﷺ يوم واحد، فارتعد صلاح الدين لهذه الجرأة، خوفًا على حرم رسول الله ﷺ، وعظم البلاء، وأعضل الداء، وصار أهل المدينة النبوية على خطر عظيم. وقد دهش المسلمون لتلك الجرأة، إذ لم يسبق أن وصل رومي إلى ذلك الموضع، بل إن المقريزي يؤكد أن الصليبيين صاروا على مسيرة يوم واحد من المدينة، ويتفق المؤرخ أبو شامة مع المقريزي في روايته، فيقول إن أرناط ومن معه من الصليبيين نزلوا على ساحل الحوراء قرب ينبع حيث أغاروا على القوافل، ولكن بعض الخونة من البدو أرشدهم إلى داخلية البلاد.
فأقسم صلاح الدين لإن ظفر بأرناط ليضربن عنقه، ثم أوعز صلاح الدين إلى أخيه أن يتولى أمر أرناط فقام جيش كبير من مصر بقيادة حسام الدين لؤلؤ، وظفر بمراكب الإفرنج في البحر الأحمر فحرقها وأسر من فيها ثم أسرع يتعقب السفن الصليبية على شواطئ الحجاز وأخذ الصليبيين على غرة فتركوا سفنهم ولاذوا بالفرار فتعقبهم وأسرهم جميعًا.
وكان موسم الحج قد أزف فأرسل حسام الدين بعض الأسرى الذين كانوا يريدون مهاجمة الحرمين إلى منى فذبحوا أمام المسلمين ليكونوا عبرة لغيرهم حتى لا يتجرأ أحد على مهاجمة الحرمين الشريفين، ثم أرسل باقي الأسرى إلى القاهرة وطيف بهم في الطرقات وكان يومًا مشهودًا فرح فيه المسلمون بنصر الله.
أما أرناط فكان صلاح الدين يتربص به حتى يبر قسمه بضرب عنق ذلك الشرير الدموي الخسيس، وجاءت معركة حطين بين صلاح الدين وبين الصليبيين ودارت الدائرة على الصليبيين، ولم يلبث أن سيق الملك جاي لوزجنان وأرناط اللئيم وغيرهما من أكابر الصليبيين إلى صلاح الدين في مخيمه فاستقبلهم صلاح الدين استقبالًا حسنًا، وأجلس الملك إلى جانبه وقد أهلكه العطش وقدم له صلاح الدين الماء المثلج فشرب منه وأعطى ما تبقى لأرناط فشرب، وعندئذ غضب صلاح الدين، وقال: هذا الملعون لم يشرب الماء بإذني فيناله أماني وبعد ذلك التفت صلاح الدين نحو أرناط وذكره بجرائمه وخيانته، وقرعه بذنوبه، وعدد غدراته وقال له كم كنت وقحا حين قصدت إلى حرم رسول الله وكم تحلف وتنكث ثم أمسك صلاح الدين بسيفه وأطاح برأسه فجاء ذلك وفاء لنذره، وقال صلاح الدين لملك الفرنجة الذي خاف أن يفعل به كما فعل بأرناط: لم تجر عادة الملوك أن يقتلوا الملوك وأما هذا فتجاوز حده فجرى عليه ما جرى.
ويمضي التاريخ، ويأتي صلعوك آخر من اليهود وهو شارون يفعل بالمسلمين الأفاعيل ويدخل مخيم صبرا وشاتيلا ويقتل من فيه عن بكرة أبيهم بغير رحمة ولا هوادة ثم يحرض على المسلمين هنا وهناك ثم يقتحم حرم المسلمين ومسجدهم الأقصى ويريد هدمه، ووضع حجر الأساس لهيكلهم المزعوم على أنقاضه ولم يتورع هذا السفاح اللئيم عن هدم البيوت صباح مساء على العزل، ولا عن قتل الأطفال والنساء والشيوخ بغير رحمة، أو إنسانية ويتوعد اليوم الدول العربية والإسلامية بالحرب، وقد ضرب بالعهود والمواثيق عرض الحائط وركل الخطوط الحمراء والخضراء، وصار كالثور الهائج لا يعرف الشرف ولا المواثيق والمعاهدات، ولا يريد السلام فهل يخرج من الأمة صلاح الدين الذي يرد هذا الخبيث وينتصر لشرف الأمة، أم أن خبيث اليوم لن يصادف قسم صلاح الدين أو يوافق نخوة المعتصم؟! أظن أن الأمة ما زالت بخير وإن شاء الله سيبرز ركب صلاح الدين، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.