العنوان أفغانستان.. الوطن الإسلامي المظلوم
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 29-ديسمبر-1981
مشاهدات 90
نشر في العدد 554
نشر في الصفحة 24
الثلاثاء 29-ديسمبر-1981
صفحة من التاريخ:
في بداية حديثه عن أفغانستان.. قلعة الإسلام وثغره الحصين على الجناح الشرقي من العالم الإسلامي. قال الأمير شكيب أرسلان في كتابه حاضر العالم الإسلامي:
«هنا موقف عظيم من أعظم مواقف الإسلام في العالم، ومعترك شهير من أجل مقاماته.. والعمري!! لو لم يبق للإسلام في الدنيا عرق ينبض، لرأيت عرقه بين سكان جبال الهملايا والهندكوش نابضًا، وعزمه هناك ناهضًا.. ومن هناك غزا الفاتح العربي محمد بن القاسم الثقفي في صدر الإسلام الهند وفتح السند.. ومن تلك الجبال انحدر ذلك المجاهد الكبير إسكندر الإسلام السلطان محمود بن سبكتكين العنزنوي في أوائل القرن الحادي عشر للميلاد ودوخ الهند من أقصاها إلى أقصاها» ثم تتابع انطلاق الفاتحين المسلمين من أفغانستان فكان عملهم «مقدمة لسلطنة إسلامية عظمى بسطت جناحيها على الهند بحذافيرها واستتبت من القرن العاشر للميلاد إلى أوائل القرن التاسع عشر» وليس المراد هنا ذكر تاريخ الأحداث الإسلامية المنطلقة من أفغانستان.. وإنما المراد كما يقول الأمير شكيب «ذكر العلاقة الشديدة بين الإسلام وبلاد الأفغان التي انحدر منها الفاتحون المسلمون.. وإثبات أن تلك الجبال كانت ولم تزل.. مستوقد الحماسة، ومثار الحمية، وموطن فتوة، ومعدن فروسة.. إلى يومنا هذا». للتوسع- راجع: حاضر العالم الإسلامي- ج 4 ص 177 وما بعدها.
التاريخ يشهد أن:
أفغانستان موقف عظيم من مواقف الإسلام ومعترك شهير من أجل مقامات هذا الدين
أفغانستان على الخارطة:
على الخارطة الجغرافية التي تمثل سطح البسيطة تقع أفغانستان في وسط آسيا تحدها من الشمال الجمهوريات الإسلامية السوفياتية على حدود طولها «1200» كيلومتر، وتحدها من الجنوب باكستان الإسلامية ومن الغرب إيران. وتبلغ مساحة أفغانستان «720» ألف كيلومتر مربع. أما سكانها فهو يزيد على «18» مليون نسمة. ينتمون إلى أجناس مختلفة وقبائل متعددة، أكبرها قبيلة الباسشتون التي تشكل حوالي 60% من سكان أفغانستان، ويقطن هؤلاء في شمال شرقي البلاد في جبال هندوكش ويعملون غالبًا بالزراعة وتربية الماشية. ويوجد منهم قسم ممتد إلى باكستان وهؤلاء يقطنون في إقليم بشاور الباكستاني ويعرفون هناك بقبائل الباتان.
وإلى جانب قبيلة الباسشتون توجد قبائل أفغانية أصغر حجمًا منها:
1- الطاجيك ويعود عنصر هذه القبيلة إلى أساس إيراني يقطنون حول مدينة هرات ويشكلون ما نسبته 30% من السكان.
2- نورستاني وكونار: وهما مجموعتان قبليتان مقرهما في الشمال الشرقي من البلاد وبينهما ما يشبه الاتحاد الفدرالي.
3- البلوش: ويسيطر أفراد هذه القبيلة الأفغانية على مقاطعة «هلماند» وعلى بعض أجزاء مقاطعة هرات.
4- التركمان: ويتمركزون غالبًا من شمال قرب قبيلة التاجيك ذات الأصل الإيراني.
5- الهازاراس: وهي قبيلة منفردة يخالف أبناؤها القبائل الأخرى في المذهب حيث يأخذون بالمذهب الشيعي ويقطنون في وسط البلاد.
هذه هي التركيبة السكانية لأفغانستان. ولكن مع ما قد يلاحظه البعض من فوارق بسبب الانتماء القبلي بين مسلمي أفغانستان، فإن الشعب الأفغاني كله صف واحد في مواجهة الحكومة العميلة والاحتلال الروسي البغيض. لأن العقيدة الإسلامية الراسخة في النفوس لا تسمح للفوارق السكانية أن تجعل من الشعب الأفغاني شراذم قبيلة متفرقة أمام العدو الشيوعي اللدود.
موجز لتاريخ الإسلام في أفغانستان:
تعرضت أفغانستان قبل دخول الإسلام إليها إلى غزو الإسكندر المقدوني الذي دخلها وبنى فيها بعض المدن ودام فيها وجود اليونان حوالي «200» سنة بعدها غزاها الفرس وصارت أرضها امتدادًا طبيعيًا لأرض فارس أما الديانة التي كانت منتشرة فيها آنذاك فهي «البوذية». وظلت كذلك حتى العصر الراشدي، حيث فتحت في عهد الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه عام «22» هـ وكانت أفغانستان تعرف آنذاك باسم خراسان، وفي العصر العباسي ظهرت في البلاد عدد من الدول والإمارات الإسلامية منها دولة الصفاريين والدولة الغزنوية التي أسسها سبكتكين في القرن الثاني عشر الميلادي، ومن أعظم ملوكها محمود الغزنوي الذي فتح كشمير ودهلي ووطد ملكه في البنجاب، وقد اقتفى أثر السلطان محمود خلفه محمد الأفغاني الذي آل إليه الحكم وغزا الهند. وفي موقعة واحدة ضمن حربه للهنود شتت «300» ألف فارس هندي و«3» آلاف فيل حشدت لقتاله.
وبعد حكم الغوريين حكم التيموريون الذين مدوا سلطانهم إلى فارس والهند وأقاموا إمبراطورية إسلامية في شبه الجزيرة العربية الهندية. وبهذا يمكن أن نقول: إن العصور السابقة- ومنذ القرن الحادي عشر إلى القرن الثامن عشر الميلادي تميزت المملكة الأفغانية بالظهور على من حولها بسبب الفتوحات التي قام بها مجاهدوها والذين يعود إليهم الفضل الأكبر في نشر الإسلام في شبه القارة الهندية.
أفغانستان في القرن التاسع عشر:
في بدايات القرن الماضي «التاسع عشر» بدأت أفغانستان تدخل كسائر أمصار العالم الإسلامي في مرحلة جديدة تتميز بالفوضى وذلك يعود لأسباب عديدة منها:
1- النزاع الدائم الذي كان يشب بين حكام مقاطعاتها المختلفة.
2- التنافس بين المغول والصفويين على حكم المملكة.
3- محاولات الدول الاستعمارية وعلى رأسها «فرنسا، بريطانيا» في إثارة الفتن والحروب القبلية داخل البلاد.
4- انطفاء جذوة العلم الديني وتفشي الجهل بين أفراد الشعب الأفغاني.
وكانت مقاطعات أفغانستان تهدأ تارة وتضطرب أخرى في القرنين الأخيرين. فيتقلص نفوذ ملوكها ويتسع تبعًا لذلك. لكن المملكة أخذت بالاستقرار الجغرافي النهائي وتركزت ضمن حدودها الحاضرة وبرزت شخصيتها الدولية المستقلة وسميت بأفغانستان وذلك في عهد «أحمد خان» الذي لقب «بدرة العصر».
أفغانستان والصراع مع القوى الاستعمارية
الصراع الروسي والبريطاني:
القرن التاسع عشر بطوله كان مسرحًا للصراع الاستعماري المباشر على أفغانستان المسلمة. ويحدد المسيو «لومارشان» أحد ضباط الجيش الفرنسي في كتابه «حرب الإنجليز مع الأفغان» أطراف الصراع الأجنبي على هذا الإقليم بثلاث جهات هي «بريطانيا، روسيا، فرنسا» ويشير الكاتب إلى أن الإنجليز هم أول الدول الأوروبية التي تحدت أفغانستان. وذلك لسبق الفرنسيين إليها بعد أن فاوض «نابليون الأول» العجم في شقد حلف مع فرنسا بهدف فتح الهند والممالك المحيطة بها. ويقول المسيو «لومارشان»: «فلما بلغ ذلك الإنجليز أسرعوا بإرسال وفد إلى كابول ليتخذوا من الأفغان ردءًا ضد العجم. وكانت بلاد الأفغان يومئذ ثائرة على ملكها الذي انتهز فرصة الوجود الإنجليزي في الهند. ففر إليهم مستمدًا نصرتهم لاستعادة ملكه وهنا صار الإنجليز طرفًا من أطراف الصراع الاستعماري على أفغانستان، وأما «الروس» فقد وجدوا في الحاكم الجديد لأفغانستان «دوست محمد خان» حليفًا معاديًا للإنجليز الذين قرروا نصرة الملك السابق. وبالفعل عقد الحاكم الجديد حلفًا مع الروس. وكان عمله هذا كافيًا لتجهيز حملة إنجليزية تنطلق من الهند نحو أفغانستان عام «1839م».
الاحتلال الإنجليزي:
هنا دخلت أفغانستان في مرحلة الصراع الاستعماري الذي شق حكام المقاطعات الأفغانية بين الحاكم السابق والجديد. وقبل بداية الحملة الإنجليزية. حاول الإنجليز الدس فأرسلوا السائح المعروف باسم «بيرنس» ليقاوم دسائس الضابط الروسي «فيكوفيتش» ولما رجع «بيرنس» إلى الهند أقنع اللورد بوجوب الزحف إلى كابول لإعادة الملك المخلوع إلى عرش أفغانستان، وفعلًا تمت إعادة الملك المخلوع، وزيادة على ذلك جهز الإنجليز جيشًا عظيمًا ليحمي عميلهم وأرسلوه إلى أفغانستان التي انتشرت فيها الفوضى السياسية بسبب ردود الفعل الشعبية ضد جنوب الإنجليز لكن الشعب الأفغاني لم يمهل الإنجليز. ففي سنة 1941م شبت نار الثورة حامية في مجابهة الإنجليز لطردهم وطرد مليكهم العميل وتطهير الأرض من الاحتلال الذي نظر إليه الشعب الأفغاني على الرغم من جهله- على أنه عدو كافر.
سحق الأجنبي المستعمر:
اشتعل فتيل الثورة ضد الإنجليز في كابول وهب الشعب مرة واحدة وقتل المعتمد البريطاني وعددًا وافرًا من الضباط الإنجليز الأمر الذي اضطر القائد الإنجليزي إلى طلب الأمان على نفسه وعلى جنده على أن يخرج من البلاد دون توقف لا يلوي على شيء. وهكذا خرج وكان ما كان من الملحمة المشهورة التي استأصل فيها الأفغانيون 16 ألفا أو 17 ألف جندي إنجليزي وذلك في كمين نصبوه لهم في «خورد كابول» ولم ينج من الكمين سوى الطبيب العسكري للحملة، وما زالت هذه الملحمة محفورة في ذهن الإنجليز حتى الآن.
بعد ذلك تقدم جنود الأفغان نحو المقاطعات الأخرى مصرين على طرد الإنجليز منها وحصروا في جلال آباد حامية إنجليزية قاومتهم شهرين. وعلى الرغم من إرسال النجدة الإنجليزية من الهند إلا أن الأفغان المسلمين لم تفل لهم عزيمة حتى اعترف الإنجليز بحكم دوست محمد خان واضطروا لمصالحته وتقديم التعهد إليه وإلى شعبه المجاهد بعدم التدخل في البلاد الأفغانية.
وبعد خروج الإنجليز من أفغانستان حاول القيصر الروسي مرارًا أن يتدخل بجيشه في أفغانستان. إلا أن خوفه من مصير الإنجليز كان يردعه. لكن الروس فكروا جديًا ذات مرة باحتلال أفغانستان وذلك عام «1872م» وقد انتهز الإنجليز الموقف الحرج للملك الأفغاني لكن هذا الأخير وقف في وجه الروس كوقوفه الحازم في وجه الإنجليز الذين عرضوا عليه المساعدة لقاء إدخال حامية عسكرية إنجليزية إلى كابول حيث قوبل هذا العرض بالرفض.
سر المناعة والانتصار:
يعيد الكاتب سر مناعة الأفغان وانتصارهم على العدو وبشتى أشكاله إلى أسباب عديدة منها:
1- ما عرف عن الشعب الأفغاني من كرهه للأجنبي الطامع.
2- شدة البأس والعزيمة في المواجهة لدى الإنسان المسلم في أفغانستان.
3- اعتماد الجيوش المستعمرة على أفراد الجيش الوطني لتوفير عناصرهم وهذا ما علق عليه الأمير شكيب أرسلان بقوله:
«وما يستلفت النظر من كون كتائب العساكر الأفغانية التي كان الإنجليز قد كتوبها واستخدموها وظنوها أصبحت من جملة جيشهم قد انقلبت عليهم، وكانت أشد أعدائهم وطأة في تلك الحرب» راجع- حاضر العالم الإسلامي- ج 4 ص 200.
درس لأشكال الاستعمار:
إن صلابة الأفغان المسلمين أمام الإنجليز والروس أعطت الأطراف الاستعمارية جميعًا درسًا عجبًا لعله شبيه بالدرس الذي يناله الروس الشيوعيون في الوقت الحاضر على يد المجاهدين الأفغان والتي وصفها الأمير شكيب أرسلان خير وصف بقوله:
«والإنجليز قد تعلموا من تلك الواقعة أن ينظروا إلى الأفغان بغير العين التي ينظرون بها إلى جيرانهم الهنود، وعرفوا أن الأفغاني لا ينام على النار، ولا يقبل أن يطأ الأجنبي وطنه، ولا يواطئ العدو على استقلال بلاده كما حصل من كثير من أمراء المسلمين الذين كان الواحد منهم يسعى بين يدي القوة الأجنبية وبذلك أمامها مناكب قومه طمعًا في أن تلبسه تاجًا موهومًا».
إن الأفغان منذ أول احتكاكهم بالإنجليز أفهموا بأعمالهم أنهم ليسوا من طينة غيرهم من الجيران، وأن المنافسة فيما بين أمرائهم على الملك لا تصل إلى حد المجازفة بالاستقلال.. وقد حاول الإنجليز أن يتبعوا في أفغانستان طريقتهم في استعمار الهند فلم تتسق لهم الأمور لا أولًا ولا آخرًا. ولو كان الأفغان مثل الهنود أو غيرهم من الأمم التي علقت في الحبائل الأوروبية لكانت أفغانستان اليوم ولاية من ولايات الهند أو إمارة يليها بالاسم أمير من أهلها والحكم فيها للوزير المقيم أو للمعتمد الأجنبي.
وأخيرا:
هل وعى الروس الشيوعيون هذا الدرس الذي لقنه الجندي الأفغاني للإنجليز؟
وهل لدى الكرملين اليوم الاستعداد لمراجعة الدرس الذي لقنه الأفغان للقيصر عام «1872م» عندما دخلت حامية روسية إلى «خيوه» الأفغانية على الحدود الروسية؟
بل هل للروس أن يفكروا بواقعهم اليوم، والذي يشبه واقع الإنجليز إلى حد بعيد من قبل؟
إن العدو الروسي يفقد اليوم أكفأ خبراته القتالية في المقاطعات الأفغانية وليته عاد إلى التاريخ لمراجعة الدرس من جديد.
أفغانستان بين أمواج الانقلابات العسكرية الأخيرة والهدف الشيوعي
لعل أهمية هذا القطر المسلم دفعت بالتنافس الدولي إلى ركوب موجة التناقضات في المجتمع الأفغاني واتجاهاته السياسية والحكومية ولعل الانقلاب الذي جرى في صبيحة السابع عشر من يوليو 1973م وضع أفغانستان على كف عفريت ليلعب بساستها كل من الروس والأمريكان.
انقلاب «محمد داود»:
وكان وراءه الشيوعيون. ففي غياب الملك محمد ظاهر شاه قام «السردار» محمد داود بانقلاب استولى فيه على مقاليد الحكم. وقد سلم الشيوعيون محمد داود الحكم كمطية مرحلية يضعوه فيها على رأس الجبهات السياسية التي يتسترون وراءها. وقد اشترك الشيوعيون في الحكومات التي ألفها وأحاطوه بثلة من الضباط الذين أكملوا دراستهم العسكرية في روسيا الشيوعية. وقد اتصف محمد داود بمحاربة التيار الديني وبتعاطفه مع الروس.
ويعتبر الإخوة الأفغان انقلاب محمد داود كان وبالًا على أفغانستان ففي خطاب ما يسمى «بقائد الثورة!» عام 1975م والذي اتخذت منه الحكومة دستورًا نجد أن الحكم الجديد قام على المبادئ الآتية:
1- القضاء على الإسلام باسم القضاء على الرجعية.
2- محاربة الإسلام من خلال الاهتمام البالغ بإحياء الآثار الوثنية والمجوسية والبوذية.
3- صرف الناس إلى الاهتمام بالفنون الشعبية.
4- التركيز «مبدئيًا» على الأيديولوجية القومية.
5- استخدام أسلوب الإرهاب في فرض الثورة على الشعب.
ومن هنا بدأ محمد داود بمجابهة الحركات السياسية المختلفة وأعلن عن تشكيل حزب حكومي جديد سماه «الحزب الوطني الثوري». ولما شعر محمد داود بأن الخطر قد يأتيه من الشيوعيين أنفسهم هم بإبعادهم، إلا أنهم كانوا أسرع منه في الانقلاب عليه.
الانقلابات الشيوعية:
بعد أن أطيح بنظام محمد داود «1980م» دخلت أفغانستان مرحلة الحكم الشيوعي المباشر تحت المظلة الروسية. ونصب على رأس الدولة عميل الروس الشهير نور محمد تراقي ثم تبعه انقلابان آخران يعرف الأول بانقلاب حفيظ الله أمين وهو من جناح «خلق» في الحزب الشيوعي الأفغاني ويعرف الثاني بانقلاب بابراك كارمال «من جناح بارشام» والذي يرافقه دخول الروس بعساكرهم الزاحفة إلى أفغانستان قبل عامين من الآن.
على أنه يصعب الفصل بين الانقلابات الثلاثة، فهي حلقات ثلاث متداخلة تتصف بصفة واحدة هي حكم الشيوعيين لأفغانستان.
أسباب الانقلاب الشيوعي:-
للانقلاب الشيوعي والتدخل الروسي في أفغانستان أسباب جوهرية ترد على من ذهب إلى أن هذا التدخل أخل بلعبة الوفاق الدولية. فأمريكا وروسيا متفقتان حتى اليوم على معظم مناطق النفوذ والمهام الدولية التي منها عملية أفغانستان.
ولعلنا لن نجانب الصواب إذا رصدنا الأهداف من الغزو في النقاط الآتية:
1- صحوة الإسلام: يذكر المحللون السياسيون أسبابًا كثيرة للتدخل الروسي في أفغانستان ولكن الحقيقة كل الحقيقة هي أن أول وأهم هدف للروس من تدخلهم ضرب الوجود الإسلامي في قلعته التقليدية «أفغانستان المتاخمة لجمهورياتهم الإسلامية».
2- الخوف من الخطر على الجمهوريات المحتلة: احتل الروس بالقوة البلاد الإسلامية التي تقع شمال نهر جيحون، وآخر ما سقط بأيديهم إمارة بخاري، وجعلت من البلاد جمهوريات تابعة لاتحاد الجمهوريات السوفيتية وهي مناطق شاسعة جدًا ومهمة لأنها غنية بالمعادن والنفط عدا عن إنتاجها الزراعي، ومن الضروري إذًا منع قيام دولة إسلامية في أفغانستان المجاورة للجمهوريات الإسلامية المحتلة من قبل الروس.
3- الوصول إلى المياه الدافئة:
يحلم الروس منذ عهد القياصرة بالوصول إلى بحر العرب والمياه الدافئة في المحيط الهندي، حيث إن بلادهم مغلقة رغم اتساعها يحيط بها المحيط المتجمد الشمالي. وعندما سقط حكم القياصرة واستلم البلاد الحزب الشيوعي 1917م وقد زادت منابع البترول في الشرق الأوسط ومنطقة الخليج بالذات أهمية المنطقة استراتيجيًا، فأصبح الوصول إلى المياه المنشودة الهاجس الأكبر للسوفييت.
وأفغانستان تعتبر عقبة أساسية في طريقهم، ولذا فقد عملوا على تذليلها منذ عشرات السنين عن طريق المساعدات الاقتصادية والعسكرية وعن طريق تشكيل الأحزاب الشيوعية وإيجاد مناخ سياسي واقتصادي واجتماعي مناسب لتدخلهم في ظرف كانت الحركات الإسلامية المنظمة لم تدخل الساحة بعد.
4- البترول:
حيث البترول حديث ذو شجون وخاصة بالنسبة للعالم العربي والإسلامي حيث إن خيراته غرم عليه غنم لغيره شرقًا وغربًا.
تشير التقارير الصادرة عن المراكز العلمية ومراكز الاستخبارات في العالم أن الاتحاد السوفيتي الذي هو الآن في حالة اكتفاء ذاتي بالنسبة للبترول سيعاني أزمة في الطاقة في المستقبل القريب، وهو التوقيت الذي سيصل فيه برنامجه في التسلح ذروته، كما أنه الموعد الذي يبدأ فيه إنتاج النفط بالتراجع.
وقد وضع السوفييت منذ 5 سنوات بعيدة مخططات تساعدهم على الوصول إلى منابع النفط في الخليج العربي فأقاموا القواعد العسكرية وعقدوا معاهدات الصداقة والتعاون بشكل يسمح لهم بالتدخل المباشر بحيث تلف قواتهم على عنق الجزيرة العربية وتحيط بمنطقة الخليج أفغانستان من الشرق اليمن من الجنوب العراق من الشمال قواعد بحرية في مياه المحيط الهندي، تمتين الصداقة مع حكومة الهند ومدها بالمساعدات التي تجعلها تقف على قاعدة صلبة في اتجاهها نحو السوفييت.
وإن كشفًا بسيطًا بالاستعداد العسكري السوفيتي يكشف لنا الخطر المحدق بمنطقة الخليج ومنابع النفط.
نظرة روسيا إلى الجزيرة العربية:
يقول بعض المراقبين إن الشيوعية تريد وضع الجزيرة العربية بين فكي كماشة بعد الغزو الذي حصل لأفغانستان، ففي جنوب الجزيرة يعزز الروس قواعدهم في اليمن الجنوبي والمحيط الهندي. وفي أفغانستان محاولات لتحطيم الشعب المقاتل من إيجاد النظام الشيوعي المستقر. ليتمكن بعد ذلك الانقضاض على الجزيرة العربية قلب الإسلام وصاحبة أكبر مخزون احتياطي من نفط العالم.
على أن أخطر تقرير في هذا الصدد ما ورد في الوثيقة المحضرية الروسية حيث أفاد الرئيس الروسي بريجينيف بأن النفط هو أحد الدوافع الأساسية في الغزو الروسي لأفغانستان. ففي مساء الجمعة الموافق 4/1/1980م «بعد عشرة أيام فقط من الغزو» حضر رجال الكرملين إلى قاعة الاجتماعات بناء على دعوة عاجلة من الأمين العام وذلك لتدارس الموقف في أفغانستان، فوقف بريجينيف متكلمًا وقال: بعد أن تحدث عن أسباب الانقلاب على حفيظ الله أمين وإعدامه: نحن نحتاج النفط اعتبارًا من منتصف الثمانينات ونحن منذ الآن نستطيع أن نرفع الصوت لماذا النفط العربي للعالم الغربي وحده؟
وختم بريجينيف قوله مخاطبًا رفاقه في الكرملين: أما القول بإن وجودنا في أفغانستان على مرمى حجر من آبار النفط العربية فهذا يستوجب مني استدعاءكم إلى جلسة سرية أخرى!!
وسواء احتاجت روسيا إلى البترول قريبًا أو لا، نفط الخليج- كمصدر هام للطاقة يحتاج إليه الغرب حاجة ملحة- جعل الاحتلال الروسي لأفغانستان عامل ضغط قوي على منطقة منابع البترول العربي، وقد صدق بريجينيف، فباحتلال أفغانستان أصبح الروس أقرب من طهران نفسها إلى مياه الخليج، وأصبحوا يهددون مضيق هرمز الذي يمر من خلاله جزء هائل من البترول الذي يستخدمه الغرب واليابان.