; نهاية الدولة القومية | مجلة المجتمع

العنوان نهاية الدولة القومية

الكاتب داود حسن

تاريخ النشر الثلاثاء 14-يوليو-1998

مشاهدات 70

نشر في العدد 1308

نشر في الصفحة 51

الثلاثاء 14-يوليو-1998

يعيش العالم اليوم ثورة حقيقية في كل مجالات المعرفة، أبرز مظاهرها الانفجار المعلوماتي، وما تبعه من نقلة رهيبة في الاتصالات جعل العالم وكأنه قرية صغيرة.. فهل هذا النمط الجديد يمكن أن يؤثر على أشكال سياسية وأيديولوجية كانت قائمة لحساب أشكال أخرى جديد؟

في هذا الكتاب نهاية الدولة القومية «للكاتب الأمريكي» Kenichi Ohmal الذي صدر في الولايات المتحدة عام ۱۹۹٥م تبشير ببعض المقولات والأفكار التي نشأت مع سقوط الاتحاد السوفيتي وبداية ما يسمى بالنظام الدولي الجديد، أقول: إنه «تبشير» لا يستند إلى حقائق علمية أو بحثية راسخة، وإنما إلى بعض الحقائق وبعض القراءات للواقع وتطوراته، فالمؤلف يؤكد أن أهم متغير في عالم ثورة المعلومات هو اتجاه الدولة القومية نحو الموت بكل ميراثها من السيادة، والمحافظة على الحدود، والدفاع عن الأيديولوجيات والقومية لصالح الدول المناطقية ذات الاقتصاد الحر المرتبط بالاقتصاد العالمي وحرية تدفق المعلومات.

ويرى المؤلف في كتابه الذي ينقسم إلى مقدمة وتسعة فصول وخاتمة وثلاثة ملاحق أن الدولة القومية بكل مشتملاتها أصبحت في ذمة التاريخ ويوجه المؤلف كلامه إلى قادة الدول القومية قائلاً: إنكم على خطأ .. سارعوا إلى التكيف مع حكم انفجار المعلومات العالمي، وبخاصة في مجال الاقتصاد، واتركوا عشق التحكم المركزي، والصالح القومي، حيث أصبحت هناك حرية لرباعي مقدس هو الاستثمار، ورأس المال، واليد العاملة والمعلومات، وسقوط شعارات القومية والولاء الوطني والعرقي والديني، والمؤلف بذلك يبشر ويروج لأيديولوجية النظام الدولي الجديد الاقتصادية.

ويقول المؤلف: إن الأطر التقليدية للدولة القومية لم تمت بعد بل مازالت تلفظ أنفاسها، ولن تخرج روحها إلا بشق الأنفس، وقد يكون موتها بالغ القسوة بدون مقدمات، لكن الإشكالية هي: هل الاقتصاد العالمي اللا محدود لا يجتمع هو والدولة القومية؟ وهل الخير والرفاهية الحاليين والمستقبليين رهن بالانحياز إلى هذا الاقتصاد؟ وهل انهيار الدولة القومية حتمي؟ وهل ثورة المعلومات هي النعمة التي ينبغي النجاة من خلالها؟

يجيب المؤلف بأن هناك سابقة قريبة هي انهيار الاتحاد السوفيتي السابق عام ۱۹۹۰م مقابل بقاء الدولة الديمقراطية الليبرالية على النظام الغربي، والسبب بسيط كما يرى، فإن ثمة فجوة يزيد مداها على قرن من الزمان بين الطريقة التي تفكر بها تلك الحكومات والحقائق العابرة للحدود في عالم اليوم والتي لن تستطيع تلك الحكومات مد هذه الفجوة ولا فهم حقائق الواقع طالما ظلت متمسكة بالمبادئ والمفاهيم القديمة البالية، وأغمضت أعينها، وأصمت آذانها عما يجري في ساحة نمور آسيا، وكل من فتح أبواب الجغرافيا المحلية للمنطق العالمي للاقتصاد بلا حدود والأدهى والأمر أن البعض يقدم للدولة القومية وساساتها قراءات خاطئة تزيدهم إمعاناً في التفكير المنبت الصلة بحقائق الواقع المتطورة، ففرانسيس فوكاياما يقرأ انتهاء الحرب الباردة بين النمط السوفيتي من الشيوعية والنمط الغربي من الديمقراطية الليبرالية على أنه نهاية التاريخ، في حين أن وضع تلك الحرب أوزارها، هو البداية الحقيقية لدخول جمهرة من الشعوب من كل أرجاء المعمورة إلى ساحة التاريخ ولهؤلاء الناشطين الجدد مطالب اقتصادية لتحقيق حياة كريمة لهم ولذرياتهم من بعدهم، فعند من ينبغي أن ينشدوا ضالتهم؟

فالدولة القومية لم يعد لديها بئر موارد لا قاع لها لسد هذه المطالب، في عالم احتدمت فيه المنافسة العالمية، فالدول القومية تواجه بما فيها اليابان مشكلة عدم توفر فرص استثمارية مناسبة في حيزها الجغرافي، وتتفنن في ابتداع آليات لنقل رؤوس الأموال عبر الحدود القومية، ولم يعد تدفق رأس المال يتم بين حكومات بل بين شركات خاصة همها الوحيد البحث عن الفرص الاستثمارية الجديدة.

وأصبح المحك الرئيس لحركة الشركات متعددة الجنسية هو خدمة الأسواق الجذابة والتواصل مع معين الموارد حيثما يوجد، وتنقل الشركات الوافدة معها -بجانب رأس المال الاستثماري- التقنية والدراية الإدارية، وتمتطي صهوة تكنولوجيا المعلومات لتخترق بها كل حصون العقبات التي تحول دون المشاركة والتحالف الاستراتيجي عبر الحدود.

وأصبح المستهلكون في ظل ثورة المعلومات أكثر رغبة في أفضل وأرخص السلع والخدمات العالمية، وأقل ميلاً للتضحية بذلك إرضاء لحكوماتهم، أو استجابة للوازع القومي، وبات عمل آليات السوق العالمي بفضل الإطلاق النسبي بحرية هذه المدخلات الأربعة، رهناً بتوقف الدولة القومية عن التدخل المباشر أو غير المباشر في حركة اليد الخفية للسوق.

لذلك فقد ولى عهد صلاحية الدولة القومية وبدأ عصر الدول المناطقية، التي تلتمس الرخاء في جعبة الاقتصاد العالمي برفع شعار: «المنطق العالمي أولًا» ويرى أن المحور الفاعل في عالمنا الجديد هو الدول المناطقية الناشئة كبديل للدولة القومية التي يعتبرها تحفر قبرها لنفسها لعدة عوامل منها:

- العقم الاقتصادي للسياسة الانتخابية  فالقادة السياسيون الذي يصلون للحكم بالانتخابات يأتون مقابل خدمات الناخبين لا يهمهم العطاء بقدر ما يصرون على الأخذ.

- زيف الاتفاق والتشابه فالدولة القومية تتضمن توليفة من المناطق المتباينة في قدرتها على المساهمة في الناتج القومي، وفي احتياجاتها على نحو أصبح الحديث فيه عن أي دولة ككيان اقتصادي واحد بمثابة أكذوبة كبرى.

- ميوعة العلاقة التجارية ولعن البديل المحلي فمن الغريب أن الشعوب تستطيع الحصول على السلعة بأرخص الأسعار إذا لم يكن لها بديل محلى في الدولة القومية في حين أنها تكون غالية الثمن إذا كانت منتجة محليًا.

- عبرة منظمة الآسيان: فقد أثبتت فاعلية كبيرة في التعاون الاقتصادي بين طوائف مختلفة الأعراق والدين.

- استحالة التحكم الحكومي في المعلومات فالارتباط بالتدفقات العالمية للمعلومات أصبح الحقيقة المحورية الفارقة في العالم اليوم، ويؤدي هذا التدفق إلى عولمة مطردة لأسواق السلع والخدمات وتحقيق الترابط بين الشعوب مهما كان بينها من مسافات جغرافية أو تباين ثقافي.

ويرى المؤلف أن الدولة المناطقية أو دولة المستقبل هي التي يصل نصيب الفرد فيها من الناتج القومي الإجمالي إلى 3 آلاف دولار، فالأفراد يشترون الدراجات إن قل نصيبهم عن ذلك، أو يشترون السيارات إن زاد عن ذلك، وإن وصل إلى ۱۰ آلاف دولار فإن رمز الإنجاز يكون تنظيم دورة الألعاب الأولمبية مثلًا «تأمل المعايير التي يقدمها المؤلف ترويجاً للأبعاد الاقتصادية المادية في فلسفة التنمية الغربية».

ویرى المؤلف أن الوصول للدولة الناطقية يتم من خلال شفافية المعلومات وتدفقها، فحيثما تصل المعلومات، يتدفق الطلب، وحيثما ينمو الطلب تصب خيرات الاقتصاد العالمي.

ولذلك فإن المعرفة وليس الموارد هي قاطرة النمو الوحيدة في عالم اليوم، ووقود تشغيلها هو دعوة الاقتصاد العالمي إلى المساهمة في تحقيق الرخاء والتخلي إلى غير رجعة عن الدعم والحماية والتعتيم المعلوماتي.

لكن المؤلف ينهي كتابه مطالباً بإصدار شهادة وفاة للدولة القومية ومطالباً بشهادات ميلاد للدولة المناطقية مثل هونج كونج وسنغافورة وويلز وتايوان وماليزيا، دون أن يعطينا إجابة عن ضوابط حركة الدولة المناطقية التي بشرنا بها وشروط ضمان تحقيقها لوظيفتها، وقدرتها على التعامل مع المستجدات العالمية.

الرابط المختصر :