; تأملات تاريخية .. الأسد والثور الأبيض | مجلة المجتمع

العنوان تأملات تاريخية .. الأسد والثور الأبيض

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 22-نوفمبر-1983

مشاهدات 59

نشر في العدد 646

نشر في الصفحة 49

الثلاثاء 22-نوفمبر-1983

يكاد الذين اطّلعوا على كتاب «كليلة ودمنة» يخرجون بقناعة واحدة وهي أن القصص التي وضعت على ألسنة البهائم، وتوسلت الرمز الحيواني كانت تعبيرًا غير مباشر عما يجب أن يكون عليه الحكام، أو بمعنى آخر كانت أقرب إلى ما يسمَّى «بفن السياسة».

وموجز القصة التي نحن بصددها: أن أسدًا عاش في غابة مع ثلاثة ثيران: أبيض وأسود وأحمر، ولم يستطع وهم مجتمعون أن يفترس أيًّا منهم ولكنه بالحيلة والمكر والخديعة استطاع أن يُحَيِّد الأسْوَد والأحمر، ويفصلهما عن الأبيض، فافترسه وهما ينظران، ثم جاء إلى الأسود وفعل به ما فعل بالأبيض، بعد أن أطمع الأحمر ببقاء الغابة لهما واستقلالهما بها، ولم يلبث أن أنشب أظفاره في الأحمر الذي شعر في اللحظات الأخيرة أنه كان في حكم المأكول يوم تخلّى عن مساندة الثور الأبيض، فجعل يندب نفسه، وقال قولته التي جرت مثلًا: «أكلت يوم أكِل الثور الأبيض».

والسؤال: إلى أي حد تنطبق وقائع هذه القصة على الواقع العربي في هذه الأيام؟

  • الذي نراه نحن من خلال معاناة خاصة ومعرفة بتكوين النظام العربي الذي يعتدي اليوم على المقاومة الفلسطينية، ودوره المرسوم في المنطقة يشير إلى أن كثيرًا من مجريات الأحداث تأخذ في الانطباق على وقائع القصة الرمز، ولا سيما إذا لم تسرع أنظمة عربية معينة بتغيير المواقف والانتقال إلى مواقف أكثر جدِّية ومسؤولية، لئلا تجد نفسها تصرخ بعد فترة من الزمن «أكلت يوم أكِل الثور الأبيض».

وبإسقاط الرمز على الواقع نقول لكل الذين يهمهم هذا الأمر من قريب أو بعيد: عندما خاض شعب الشام بطلائعه المجاهدة معركته في ذلك الوقت وقف الإخوة الفلسطينيون وأنظمة معينة موقف المتفرج، رغم أنهما معنيان في هذا الصراع ولسان حالهما يردد: إنها قضية داخلية، ونحن لا نتدخل في شؤون دولة أخرى- وبينما كان الشعب السوري يلملم جراحه، نزلت النازلة نفسها بالفلسطينيين بشكل مكشوف، وبالتخصيص بعد معركة بيروت، واجتياح الصهاينة للبنان، وإذا كانت الخُطَّة تقتضي إنهاء المعركة أو هذه الجولة لصالح المعتدي ضد المقاومة الفلسطينية ولاسيما قبل انعقاد مؤتمر القمة العربي، فإن سقوط المقاومة يعني في حساب المعتدي، أن عدوين لدودين «الإسلاميون في الشام والمقاومة الفلسطينية» يكونان قد عطل دورهما، وأبعدا عن ساحة الصراع!

فماذا يمكن أن ينتظر الأنظمة التي غفلت من قبل عن معاناة شعب الشام وتعامت عن آلام الفلسطينيين؟ إنها لن تكون بعيدة عن مخالب المعتدي حتى ولو حسبت نفسها أنها خارج الساحة! ولن ينفعها يومذاك أن تصرخ وقد نشبت الأظفار فيها: «أكلت يوم أكل الثور الأبيض»، ولعلم الجميع نقول: إن شعب الشام لم يسقط- وإن كانت جراحه ثخينة وكثيرة، وأكثر ما يؤله في هذه الحال ألا يجد من يضمد معه بعضًا منها، وإن الفلسطينيين في صراعهم اليوم لن يستسلموا للأنياب بالسهولة التي يتصورها النظام المعتدي.

وإنه ليحزننا أن تنشب الأظفار في أجساد أولئك الذين تفرجوا طويلًا ولقد طالت أظافر المعتدي، وموقف المتفرج سيجعلها أطول وأكثر إيلامًا يوم أن تغرز في أجسادهم- لاسمح الله ولا قدر-

ونرجو بإخلاص ألَّا يصل بهم الأمر إلى أن يتمثلوا بالقول: «أكلت يوم أكل الثور الأبيض».

«ابن الشام»

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل