; الديمقراطية بين الشكل والمضمون | مجلة المجتمع

العنوان الديمقراطية بين الشكل والمضمون

الكاتب محمد عبدالله الخطيب

تاريخ النشر السبت 06-مارس-2004

مشاهدات 64

نشر في العدد 1591

نشر في الصفحة 39

السبت 06-مارس-2004

مدار الديمقراطية اختيار ممثلين للأمة ثم اختيار التشريعات والقوانين التي ستحكم الدولة. وتعمل الديمقراطية على فصل السلطات الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية، وضمان احترام صوت الأكثرية واحترام حقوق الإنسان الشخصية والدينية والعقائدية وحرية التعبير، وعلى توفير العدل والقانون.

غير أن الديمقراطية ليس لها مضمون ثابت للقيم والمعتقدات والأخلاق الشخصية والحلال والحرام، بل تستمد ذلك من القيم الشائعة والسائدة في المجتمع التي هي أشبه بما يسمى بـ العرف في التشريع الإسلامي، والمتتبع لتاريخ تطور الديمقراطية يتبين له ذلك بكل وضوح.

ولكي نعطي مثالًا واضحًا على ذلك نفترض أننا طبقنا النظام الديمقراطي على مجموعة من اللصوص، فستقدم الانتخابات اللص الأكثر قبولًا عند مجموعة اللصوص وستسن التشريعات التي تحمي نظام اللصوصية المعتمد بما يحقق النفع لأكثرية اللصوص، فالديمقراطية لا علاقة لها بالمضامين الأخلاقية إذ إن المضامين الأخلاقية للمجتمعات تحتاج الى مصادر أخرى منها الأديان ومنها العقل ومنها طروحات المفكرين والمصلحين.

الديمقراطية لا تقضي على الإلحاد ولا على الإرهاب ولا على الشذوذ الجنسي ولا على مظاهر التعري، كذلك لا تقضي الديمقراطية على الأديان ولا على المعتقدات. 

ولكي نحصل على أمة حضارية نحتاج إلى معاني الديمقراطية التي تضمن الحرية والعدل والقانون، غير أننا نحتاج أيضًا لمبادئ وأخلاق وخطوط حمر تحدد المسموح من الممنوع أو بالتعبيرات الدينية تحدد الحلال والحرام. 

وللديمقراطية في العالم مفهوم واحد، والذين يريدون أن يتلاعبوا بالمصطلحات ويزعموا أن لديهم ديمقراطية خاصة بهم إنما يمارسون ضربًا من الدجل السياسي والاستخفاف بعقول الناس يلجأ إليه أئمة الاستبداد وأعلام الفساد ليسوغوا بطشهم وظلمهم.

وفي محاولات المسلمين في العصر الحديث إشادة دولتهم الإسلامية الفاضلة يلزمهم أن يلحظوا أهمية النظام الديمقراطي الذي سيساعدهم على إرساء مجتمع حر عادل، ثم يعطيهم الفرصة لاختيار ممثليهم الموثوقين المخلصين، ثم يعطيهم الفرصة المتكافئة مع باقي المواطنين في طرح الشرائع والقوانين التي يؤمنون بها ويرون فيها خلاص الأمة ومصلحتها ويعطيهم الحرية في نشر أفكارهم ودعوة الناس إلى الالتزام بالإسلام ومحاربة الفساد والطغيان وفي المقابل يدعوهم إلى احترام الرأي الآخر ومقارعته بالحوار والحجة.

إن الإسلام دين واقعي يعطي لكل ظرف ما يناسبه من البدائل، وخاصة في حالات التعامل مع غير المسلمين إن تراث الفقه الإسلامي المتوافر بين أيدينا فيه كثير من التوسع في كيفية تطبيق أحكام الإسلام على المسلمين في دولة مسلمة، غير أننا نحتاج اليوم إلى توسع في الفهم الفقهي لسلوك المسلم في بلد لا يحكم فيه بالإسلام أو في دول يشكل المسلمون فيها أقلية وقد وضع الإسلام قواعد لنظام المواطنة عندما هاجر الرسول صلى الله عليه وسلم للمدينة المنورة وتعامل فيها مع المجموعات الأخرى غير المسلمة كاليهود، ومن هذه القواعد التي فيها ترتيبات مشتركة بين كل المواطنين مسلمين وغير مسلمين نظام التعويضات الجنائية «الديات»، ونظام الدفاع عن المدينة. غير أن قصر هذه المرحلة جعل فقهها محدودًا منسيًا وما أحوجنا اليوم لإحياء هذا الفقه والاستفادة منه، وسيعيننا في هذا الاتجاه انتشار وسائل الاتصال في العصر الحديث الذي هو فتح من الفتوح ما أوجفنا عليه من خيل ولا ركاب.

إن الناس يحتاجون إلى أفكار وأخلاق وعلوم تنظم لهم حياتهم ومصادر هذه الثلاثية في الدين عند المتدينين أو العقل عند العلمانيين. غير أن الأديان جميعها ما عدا الإسلام لم تقدم للناس منهج حياة شاملًا كاملًا متوازنًا يصلح لكل زمان ومكان، لذا لجأ الغربيون إلى العقل بعد أن طلقوا دينهم ثلاثًا. وفي كل مرة تتألق فيه عقولهم يقعون على بعض الحقائق والصيغ التي جاء بها الإسلام منذ أكثر من ألف وأربعمائة سنة، وفي كل مرة تكبو فيها عقولهم يستون قوانين تخالف الإسلام والفطرة فيكون ذلك عليهم مقتًا وساء سبيلًا.

غير أن لنا أن نتساءل لماذا لم تقدهم عقولهم القوية إلى كل ما في الإسلام من أحكام وقوانين؟ لقد شاء الله عز وجل أن يجعل للعقل الإنساني حدوداً لا يستطيع تجاوزها إلا بهداية وإرشاد من الله عز وجل، ومن أعظم المساجلات والمحاكمات العقلية في التاريخ ما أخبرنا به القرآن الكريم عن أبي الأنبياء إبراهيم عليه السلام عندما نظر في السماء باحثًا عن ربه العظيم مستعينًا بعقله وفطرته إلى أن أدرك أن عقله لن يستطيع معرفة الحقيقة الناصعة دون هداية من الله عز وجل فقال بعد أن قلب نظره في النجوم ﴿فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَٰذَا رَبِّي ۖ فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ﴾  (الانعام:77). 

إن الغرب يحتاج اليوم إلى الإسلام كي تكتمل حضارته وخلافته لله عز وجل في الأرض ويقف أمام ذلك عائقان: أولهما تقصيرنا في البلاغ المبين، وثانيهما سلوكنا المتخلف البعيد عن الإسلام الذي لا يجعلنا في موضع القدوة الحسنة لغيرنا، غير أن المهمة التي أمامنا ليست مستعصية على الحل وليست بعيدة المنال، إنها أسهل من مهمة العرب الذين دقوا أبواب مملكتي فارس والروم في أقل من ثلاثين عامًا منذ بدأت رسالة الإسلام.

 إن من بين كل ستة أشخاص في العالم شخصًا مسلمًا، إن مقابل كل يهودي في العالم هناك مائة مسلم حتى في أمريكا التي قال عنها المخرج السينمائي مصطفى العقاد إنها شركة مساهمة اشترى اليهود معظم أسهمها، حتى في أمريكا هذه فإن مقابل كل يهودي فيها يوجد مسلم، ولكننا للأسف غثاء كغثاء السيل.

 ورغم كل هذا فالمستقبل المشرق بدأت أنواره تلوح في الأفق وكما قال الدكتور طارق سويدان فلن يمر ثلاثون عامًا من الآن على الأكثر إلا والإسلام زهرة فواحة يملأ أريجها كل مكان ويقطف ثمارها كل بنان. ما كلمة السر في هذه الجولة الأخيرة للصراع بين الحق والباطل؟ إنها «واعتصموا» تلك الكلمة المباركة التي أوصانا بها الله عز وجل حين قال ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا (آل عمران:۱۰۳) 

الرابط المختصر :