العنوان بعد كامب ديفيد..الإصرار على الخطيئة
الكاتب نبيل شبيب
تاريخ النشر الثلاثاء 08-أغسطس-2000
مشاهدات 77
نشر في العدد 1412
نشر في الصفحة 34
الثلاثاء 08-أغسطس-2000
استمرار المفاوضات رغم عدم جدواها يرجح ما يتردد عن وجود الاتفاق الجاهز لكن امتداد الغليان الشعبي إلى الساحة العربية ساهم في الامتناع عن التوقيع.
لم يعد من السهل في الساحة الفلسطينية العربية مواصلة غسيل الدماغ الجماعي بشأن القضية الفلسطينية.. وقد كشف كامب ديفيد حجم الصفقة المطلوبة.
رغم المؤشرات على وجود اتفاقات سرية في كامب ديفيد، نقف عند حدود المعلن رسميًا، لتثبيت عدد من النقاط الأساسية:
1- إعلان العجز عن اختتام لقاء كامب ديفيد بتوقيع اتفاق «إطار للمرحلة النهائية».
2- هذا الذي اعتُبر إخفاقًا، وجد تعليلًا فلسطينيًا وعربيًا مؤداه أن الطرف الفلسطيني رفض ما عرض عليه لأنه أقل من القليل.
3- ذكر أيضًا أن الأطراف العربية الأخرى ساهمت في تأكيد موقف الرفض الفلسطيني.
4- التركيز الأكبر سياسيًا وإعلاميًا كان على القدس، وعلى وجه التحديد الشطر الشرقي من المدينة المحتلة، ثم على قضية اللاجئين.
5- ومن باب التكهنات يمكن القول إن هذا التركيز يمهد لمرحلة تالية تتضمن تراجعًا كبيرًا في الميادين الأخرى حتى في الحدود الضيقة للأهداف المعلنة للتسوية أي ميادين السيادة والأمن والماء والحدود والمعتقلين وغير ذلك.
6- ولا ينفي هذا أنه قد بدأ التمهيد أيضًا لتمرير حلول جائرة يجري إعدادها على صعيد القدس الشرقية واللاجئين، فمعظم ما يثار الحديث عنه الآن باعتباره مرفوضًا، يمكن أن يأخذ مكانه في اتفاقية مقبلة باعتباره «أقصى ما أمكن تحصيله».
7- وفيما سبق- ويوجد المزيد- ما يكفي من الأسباب لانتشار تكهنات تثيرها المخاوف من أن احتمال التوقيع الفلسطيني كان قائمًا، ولكن الطرف الفلسطيني والطرف الآخر على السواء أدركا خطورة توقيع وثيقة فيها ذلك الأقل من القليل، لأنها ستكون من الناحية الواقعية وثيقة انتحار سياسي من جانب السلطة الفلسطينية كما قال الشيخ أحمد ياسين، ولا تريد قيادتها الانتحار بطبيعة الحال، ولا يريد الطرف الآخر أيضًا أن يجد نفسه دون «شريك»، في عملية التسوية أو التصفية الجارية لقضية فلسطين.
8- وورد في تحليلات عديدة عربية وأجنبية أن الضغوط الشعبية وضغوط المعارضة، أثرت في اتجاه الموقف الذي انتهى إليه لقاء «كامب ديفيد» لا سيما أن التلويح بما أثاره انتصار المقاومة المسلحة في الجنوب اللبناني، ليس تلويحًا بسراب الأوهام أو آمال مستقبلية بعيدة بل بوقائع ومشاهد حية معاصرة.
إلى أين بعد؟
ولا حاجة إلى الوقوف طويلًا عند تبرير عدم الاتفاق بأن القمة لم تجد الوقت الكافي للإعداد لها، فالمفروض أن سائر ما شهدته السنوات السبع الماضية، يمثل التمهيد للشكل المنتظر في «المرحلة النهائية» والمعلومات متوافرة بما فيه الكفاية عن سائر النقاط المدرجة تحت هذا العنوان والاتصالات الثلاثية لم تنقطع والأصح هو القول إنه رغم الإعداد الطويل ورغم محاولة كسر شوكة المقاومة، وخفض مستوى موقع قضية فلسطين عربيًا وإسلاميًا، يبدو أن أطراف مفاوضات كامب ديفيد، والماضين في طريق التسوية عمومًا، فوجئوا بحالة الغليان الشعبي التي بدأت تطفو على السطح أكثر فأكثر مع اقتراب موعد الخطوة الحاسمة في تصفية القضية.
وليس الإخفاق- بمفهوم أهل التصفية- في قمة كامب ديفيد بسيطًا من حيث مغزاه وأبعاده لا سيما أنه قد وقع بهذا الحجم رغم:
- الحرص الأمريكي الشديد على تحقيق إنجاز قبل الانتخابات الرئاسية المقبلة.
الحرص الفلسطيني على التوصل إلى اتفاق يجنّب احتمالات المواجهة المبرمجة ليوم 13 سبتمبر المقبل موعد إعلان الدولة.
وكذلك الحرص الإسرائيلي على اتفاق ما، فقد بدأ ينتشر التخوف من البديل بعد أن لاحت في الأفق بوادر تأثير حدث الجنوب اللبناني في الشارع الفلسطيني.
والحصيلة أن أطراف «كامب ديفيد» حرصوا على اتفاق وعجزوا، وقد يكون هذا قابلًا للتفسير ولكن ما يثير التساؤل كلغز جديد هو استئناف المفاوضات على مستوى أدنى من مستوى القمة دون أي نتيجة، أو على الأقل دون الوصول إلى شيء يزيد على ذلك الأقل من القليل الذي لا يكفي لمجرد التلويح به كمكسب، في مرحلة لم تعد تسمح للسلطة الفلسطينية بالاستمرار دون إبراز مكسب ما، أي مكسب.
- أمام هذه الخلفيات لا بد من التساؤل: علام استمرار المفاوضات إذن؟ وما الذي يمكن الوصول إليه الآن بعد العجز عن ذلك سواء قبل كامب ديفيد أو فيها؟
ومرة أخرى لا بد عند محاولة الإجابة- ونتيجة للأساليب غير الاعتيادية المتبعة في التعامل مع قضية فلسطين- من اللجوء إلى التكهنات، وهي في حقيقتها توقعات موضوعية تستند إلى تجارب طويلة منذ كامب ديفيد الأولى، قبل ٢٢ سنة.
إن استمرار المفاوضات رغم عدم جدواها في حدود ما نعلمه، هو الذي يرجح وجود ما هو سري لا نعلمه، يبرر متابعتها.. أي ما يوصف بالحل الجاهز أو شبه الجاهز، وإلى هذا يشير مثلًا تصريح كبير المفاوضين صائب عريقات بأنه أمكن تحقيق تفاهم على نقاط عديدة وسيمكن التفاهم الكامل قبل حلول موعد إعلان الدولة.
ولكن إذا كان الاتفاق جاهزًا فلم يعلن عنه في«كامب ديفيد» وإن كان ناقصًا، لا صعوبة حتى في الجواب، فالأسباب الظاهرة عديدة منها:
۱- جس نبض شعب فلسطين في الداخل لمعرفة مدى إمكان تمرير اتفاق حاسم في أحد المفاصل الرئيسة لمسيرة التسوية، دون أن يكون فيه إلا القليل أو الأقل من القليل، وقد بدأ جس النبض فعلًا بنشر معلومات عن محتوى المعروض أمريكيًا وإسرائيليًا، كما اقترن ذلك بالعمل على «ترويض» الطرف المعني على القبول بذلك تحت طائلة «التهديد» تارة من الجانب الأمريكي كما في قضية نقل السفارة.. والمعونات.. وتارة من الجانب الإسرائيلي كما في تكثيف الحشود العسكرية وتصعيد التصريحات العدوانية.
2- التراجع التاريخي يحتاج دومًا إلى «إخراج سياسي» متقن، وقد ضربت قضية فلسطين رقمًا قياسيًا في حجم تمرير الاتفاقات غير المشروعة، وبما تضمن مسلسلًا طويلًا على منحدر التقهقر على حساب المصالح الفلسطينية والعربية والإسلامية، وبما يتعارض مع الإرادة الشعبية تعارضًا مباشرًا.. ولهذا كان الحرص على الإخراج السياسي المتقن كبيرًا. ورغم الأمل في أن يكون رفض الطرف الفلسطيني المفاوض، صادرًا عن الحرص على عدم تقديم المزيد من التفريط، فلا يمكن استبعاد احتمال أن يكون الرفض قد استهدف رفع شعبية السلطة الفلسطينية، لتتمكن من التوقيع على اتفاق ما ربما قبل إعلان الدولة فعلًا.
3- من المرجح أن يكون امتداد الغليان الشعبي إلى الساحة العربية قد ساهم إسهامًا مباشرًا في الامتناع عن توقيع اتفاق، فبعد جنوب لبنان لم تعد المعادلة كما تردد على امتداد سنوات «عجز عربي وتفوق إسرائيلي مدعوم أمريكيًا»، بل أصبحت معادلة إرادة سياسية تمارس العدوان والتوسع مقابل افتقاد الإرادة السياسية لاتخاذ قرار مواجهة مشروعة.
الخيار المرفوض:
الإحساس العام على أي حال هو أن البقية الباقية من الخطوط الحمر على الطرف العربي والإسلامي قد احترقت.. وأن المضي قدًما في منحدر التراجع بات بالغ الخطورة على من يتجرأ عليه، فما كان في الماضي سؤالًا مطروحًا حول المسؤولية عن الهزيمة العسكرية وتضييع الأرض والمقدسات يطرح اليوم بصدد المسؤولية عن الإرادة السياسية التي تتحرك باتجاه إضفاء صبغة زائفة من المشروعية الدولية تحت عناوين الاعتراف والتطبيع على ما سببته الهزيمة العسكرية وما اغتصب من الأرض ومن المقدسات.
بهذا المنظور وبعيدًا عن التكهنات عن حقيقة ما تم وما لم يتم في «كامب ديفيد»، يمكن الاستناد إلى المعلن رسميًا لتأكيد عدد من النتائج في مقدمتها:
١- لم يعد من السهل في الساحة الفلسطينية والعربية والإسلامية مواصلة غسيل الدماغ الجماعي، سواء كان ذلك بأسلوب التزييف والتضليل كما كان في رفع شعار إزالة آثار العدوان لإسقاط شعار التحرير الكامل، أو بأسلوب العنجهية كما كان في كسر الحاجز النفسي بزيارة القدس المحتلة، أو بأسلوب القمع الفكري والإعلامي والسياسي والأمني.. كما يجري منذ فترة، لا سيما في صفوف الشعب الفلسطيني.
2- وانكشفت معادلة بسيطة تقول: لقد عجزت التيارات والاتجاهات التي حملت راية فلسطين عن الوصول بطريق الحرب إلى أي هدف أعلنته، فوقعت النكبات العسكرية، وعجزت تلك التيارات والاتجاهات ذاتها عن الوصول بطريق التسوية حتى إلى أقل من القليل من حقوقنا في فلسطين.. فما الذي يمكن أن تصنعه على الساحة بعد؟
3- كشفت كامب ديفيد، حجم الصفقة المطلوبة.. كما كشفت نوعيتها، فالشاري والبائع هو الطرف الأمريكي- الإسرائيلي، والبضاعة هي فلسطين وأهلها ومستقبلها والمطلوب من الطرف الفلسطيني المفاوض أن يسلم البضاعة.. وأن يدفع الثمن في وقت واحد.
إن العجز في كامب ديفيد حتى عن تحصيل القليل الممسوخ كان «مبرمجًا»، منذ أن أحرق حملة راية التسوية- مسبقًا وقبل بدء مسيرة مدريد- أوراق المفاوضات بالإقدام على الاعتراف بالكيان الباطل، وبتفتيت القضية إلى ميادين متعددة من حيث المضمون، وجبهات متفرقة من حيث طريق التفاوض.
أصبح الطرف الغاصب للحق هو الذي يعطي أو لا يعطي، ويتحرك في مفاوضات تجري داخل «العمق الفلسطيني» على حد تعبير فيصل الحسيني، فما يعرضه الطرف الإسرائيلي-الأمريكي لا يتجاوز القول: «نعطيكم قطعة من أرضكم في المنطقة الفلانية مقابل اعترافكم بوجودنا وبقائنا في قطعة أخرى من أرضكم في المنطقة الفلانية». وفي الحالتين يدور الحديث حول قطع من الأرض المحتلة عام ١٩٦٧م أما أرض ١٩٤٨ فلا ذكر لها.
رفضت السلطة الفلسطينية التوقيع على اتفاق من هذا القبيل. فليس فيه ذلك الحيز الضيق الذي يترك عادة من أجل أن يظهر من يوقع اتفاقيات استسلام بمظهر الزعيم فالمطلوب أمريكيًا وإسرائيليًا، أن تكون الزعامة الفلسطينية زعامة صورية، لا قيمة لها ولا لوجودها إلا بمقدار ما تخدم الأهداف الصهيونية والأمريكية.
آن الأوان أن يرفض المفاوضون الفلسطينيون هذا الدور، في مجمل المسيرة التي أوصلت إلى هذا الموقع المتدني من منحدر التصفية.
أن الأوان أن يكون الرفض العربي شاملًا.
إن ما تقوله «كامب ديفيد»، وتؤكده لغة الغالبية داخل الكيان الباطل لجميع السائرين في طريق التصفية، هو بكل وضوح: لن تحصلوا في مسيرة مدريد وفروعها على القليل الذي تعتبرونه «حقوقًا مشروعة» بدلًا عن الحقوق المشروعة الحقيقية فإما أن تقبلوا بلا شيء يستحق الذكر وبالهيمنة الإسرائيلية- الأمريكية في المنطقة، أو لا تقبلوا.
فلئن قبل بذلك أي طرف.. فلا يمكن أن يقبل به إنسان يعتز بإسلامه، ويتمسك بقرآنه ويعتمد على ربه جل وعلا، ولو بقي في الميدان وحيدًا.. وما هو بالوحيد.. إنما انفرد الميدان بمن يصر على الخطيئة ويمضي في الطريق المنحرفة، حتى النهاية.