العنوان رسائل الإخاء: اجعلني على خزائن الأرض
الكاتب الشيخ نادر النوري
تاريخ النشر الثلاثاء 14-سبتمبر-1993
مشاهدات 75
نشر في العدد 1066
نشر في الصفحة 44
الثلاثاء 14-سبتمبر-1993
الناظر في قوانين ودساتير النظم الحديثة في
عالمنا الإسلامي يلمح للوهلة الأولى أنها لا تتفق في عمومها مع أحكام الشريعة
الإسلامية، مما يكشف عن قصد واضعيها وتحمل الحاكمين بها تبعة وقوع المسلمين في
الحرج والإثم العظيم نظرًا لخروجهم على أحكام الدين الحنيف قلّ ذلك أو كثر.
وقد صيغت الدساتير والقوانين بصيغ تحتمل
وجوهًا عدة، وتحتاج إلى مذكرات تفسيرية تفصح عن غوامضها كالمادة التي تعتبر دين
الدولة هو الإسلام والشريعة الإسلامية مصدرًا من المصادر التي يمكن للمشرع
مخالفتها في قوانين القروض والشركات والتأمين والحدود وغيرها.
ثم موضوع توارث الحكم، وأن الرئيس ذاته مصونة
لا تمس، وأن الناس لا تمييز بينهم؛ بسبب الجنس أو الأصل أو اللغة أو الدين وغير
ذلك مما لا يسع المقام لتفصيله وتتبعه، وإن كانت مثل هذه الدساتير فيها ضمانات
كثيرة للحقوق كالحرية والمساواة والعدالة وغير ذلك مما هو من مبادئ الإسلام
الأساسية.
أما القوانين المتعلقة بالمسائل التجارية
والجزائية، فمخالفتها لأحكام الشريعة صريحة، وهذا إضافة إلى القسم عليها من القضاة
والوزراء وكبار المسؤولين مما يوقع المسلم الحريص على دينه في الحرج عند التعامل
فضلا عن الحكم بها.
لأن الأصل هو عدم الجواز؛ لأن الله -عز وجل-
توعد الحاكمين بها بالكفر العملي والظلم، ومجاوزة الحد والفسق، أي الخروج عن شريعة
الله، ولقوله تعالى في نفي الإيمان عنهم: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى
يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ
حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا﴾ (النساء 65).
ولكن يجب أن نعلم أن واقع المسلمين متفاوت
وقرب كل بلد أو بعده عن شريعة الله، كذلك متفاوت أيضًا، ففي مكان قد يستطيع المسلم
أن يغير إلى الأحسن لاسيما إن كان في موضع يملك فيه سلطة التغيير، يقول شيخ
الإسلام ابن تيمية: «وتمام الورع أن يعلم الإنسان خير الخيرين، وشر الشرين، ويعلم
أن الشريعة مبناها على المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها، وإلا فمن لم
يوازن ما في الفعل والترك من المصلحة الشرعية والمفسدة الشرعية، فقد يدع واجبات
ويفعل محرمات. ويرى ذلك من الورع، كمن يدع الجهاد مع الأمراء الظلمة، ويرى ذلك ورعًا،
ويدع الجمعة والجماعة خلف الأئمة الذين فيهم بدعة وفجور، ويرى ذلك من الورع،
ويمتنع عن قبول شهادة الصادق، وأخذ علم العالم لما في صاحبه من بدعة خفيفة. ويرى
ترك قبول سماع هذا الحق الذي يجب سماعه من الورع» (انتهى عن الفتاوى ج 10 / 512).
ويقول سلطان العلماء العز بن عبدالسلام: «فصل
في تنفيذ تصرفات البغاة وأئمة الجور لما وافق الحق لضرورة عامة: وقد ينفذ التصرف
العام من غير ولاية، كما في تصرف الأئمة البغاة، فإنه ينفذ مع القطع بأنه لا ولاية
لهم، وإنما نفذت تصرفاتهم وتوليتهم لضرورة الرعايا، وإذا نفذ ذلك مع ندرة البغي
فأولى أن ينفذ تصرف الولاة والأئمة مع غلبة الفجور عليهم، وأنه لا انفكاك للناس
عنهم». ويقول في موضع آخر: «ولو استولى الكفار على إقليم عظيم، فولوا القضاء لمن
يقدم مصالح المسلمين العامة، فالذي يظهر إنفاذ ذلك كله جلبًا للمصالح العامة، ودفعًا
للمفاسد الشاملة لفوات الكمال، فيمن يتعاطى توليتها لمن هو أهل لها» القواعد: ص 85.
وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية عمن يتولى
الولايات والإقطاعات للحكام الظلمة، وهو يجاهد في تخفيف الظلم عن المسلمين، ولكنه
لا يتمكن من رفعه كله، فهل له أن يستمر في ولايته، وهل يكون آثمًا في ذلك، علمًا
بأن تركه للولاية أو الإقطاع، قد يتسبب في مجيء شخص يشتط في الظلم، فأجاب: «الحمد
لله، نعم إذا كان مجتهدًا في العدل، ورفع الظلم بحسب إمكانه، وولايته خير، وأصلح
للمسلمين من ولاية غيره، واستيلاؤه على الإقطاع خير من استيلاء غيره كما قد ذكر،
فإنه يجوز له البقاء على الولاية والإقطاع، ولا إثم عليه في ذلك، بل بقاؤه على ذلك
أفضل من تركه إذا لم يشتغل إذا تركه بما هو أفضل منه. وقد يكون ذلك واجبًا إذا لم
يقم به غيره قادرًا عليه، فنشر العدل بحسب الإمكان ورفع الظلم بحسب الإمكان فرض
على الكفاية، يقوم كل إنسان بما قدر عليه من ذلك إذا لم يقم غيره في ذلك مقامه،
ولا يطالب -والحالة هذه- بما يعجز عنه من رفع الظلم، وما يقرره الملوك من الوظائف
التي لا يمكنه رفعها لا يطلب بها، وإذا كانوا هم ونوابهم يطلبون أموالا لا يمكن
رفعها إلا بإقرار تلك الوظائف، وإذا لم يدفعوا إليهم أعطوا تلك الإقطاعات لمن يقرر
الظلم أو يزيده ولا يخففه، كان أخذ تلك الوظائف ودفعها إليهم خيرًا للمسلمين من
إقرارها كلها، ومن صرف هذه إلى العدل والإحسان، فهو أقرب من غيره، والذي يفعل هذا
الخير يرفع عن المسلمين ما أمكنه من الظلم، ويدفع شر الشرير بأخذ بعض ما يطلب
منهم، فما لا يمكنه رفعه وهو محسن إلى المسلمين غير ظالم لهم، بل يثاب ولا إثم
عليه فيما يأخذه ولا ضمان عليه فيما أخذه في الدنيا والآخرة، إذا كان مجتهدًا في
العدل والإحسان بحسب الإمكان» (انتهى ملخصًا: الفتاوى 20 / 357).
وقد يظن أن هذا الذي يقرره شيخ الإسلام هنا
إنما هو تولي الولايات في الدول الإسلامية، التي قد يجور فيها الحكام، ولكنهم
ينفذون شريعة الله، ولكنه أجاز ذلك في إقليم اجتاحه الكفار. ومن هذا الباب تولى
يوسف الصديق نبي الله -عليه السلام- على خزائن الأرض لملك مصر، وكان هو وقومه كفارًا.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل