; إيران.. الرؤية الغربية لعصر الجمهورية الرابعة في إيران | مجلة المجتمع

العنوان إيران.. الرؤية الغربية لعصر الجمهورية الرابعة في إيران

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 08-أغسطس-1989

مشاهدات 61

نشر في العدد 927

نشر في الصفحة 18

الثلاثاء 08-أغسطس-1989

يرى كثير من المراقبين أن إيران دخلت عهدًا جديدًا بعد وفاة الإمام الخميني، وقد ثارت تكهنات شتى في الإعلام الغربي خاصة ومعظم وسائل الإعلام التي تنقل عنه غالبًا في العالم الثالث وغيره، وركزت تلك التكهنات الضوء على إيران بعد وفاة الخميني وأخذت ترسم صورًا متنوعة معظمها تخيلات أو توقعات أو تمنيات إلى ما ستكون عليه إيران في عهدها الجديد وقد راهنت معظم الصحف الغربية -وحتى العربية- على انشقاق الملالي وتدهور الوضع الداخلي في إيران وربما انتهاء الجمهورية الإسلامية، بل ولوحت بعض الصحف باحتمال عودة نجل شاه إیران السابق ليرث إمبراطورية والده ولكن إيران اجتازت مرحلة ما بعد وفاة الخميني حتى الآن بدون حدوث أية هزة تُذكر ولقد كانت الانتخابات الإيرانية الأخيرة لاختيار رئيس للجمهورية وللاستفتاء على تعديل الدستور «والمراد به تقوية مركز الرئيس في غياب مرشد يتمتع بمواهب وتأثير الإمام الخميني ليصبح الحكم أشبه بالنظام الرئاسي»، كانت هذه الانتخابات فرصة جديدة لتثير وسائل الإعلام من جديد قضية الخلافات بين الملالي في إيران

نظرة غربية غريبة:

وتبعًا للتفكير الغربي، فقد قسمت تلك الوسائل الإعلامية العلماء الإيرانيين وأتباعهم إلى راديكاليين ومحافظين، إلى آخر ما هنالك من تسميات وتصورات غربية.

بل إن الفكر والتصور الغربي لم يستطع استيعاب فكرة الحكم الإسلامي وظل مُصرًّا -كما في خلفيات محركيه وعقلهم الباطن وثقافتهم المتشربة بأفكار القرون الوسطى- ظل مصرًّا على فكرة فصل الدين عن الدولة، وأخذوا يراهنون على الصراع بين السلطتين الزمنية والدينية، كما حصل لديهم في أوروبا في العصور الوسطى من صراع بين الكنيسة من جهة والدولة والعلم من جهة أخرى، انتهى بهزيمة الكنيسة وانزوائها بعيدًا عن واقع الحياة والمجتمع والسياسة والاقتصاد.

 إن اختلاف الإسلام بشموليته الكاملة عن النصرانية في هذه الناحية، أمر يجهله كثير من هؤلاء المحللين الغربيين وأمثالهم.. بل ربما كلهم، وهذا هو الذي يوقعهم أحيانًا في خطأ التقدير ويسوقهم إلى التخليط، بالرغم من وسائلهم المتقدمة في الرصد ومواهبهم وخبراتهم الكبيرة في التحليل والتوقع، وإمكاناتهم الضخمة.

بالأغلبية المطلقة «95%» انتخاب رفسنجاني رئيسًا للجمهورية الإسلامية الثانية:

لقد تم انتخاب علي أكبر هاشمي رفسنجاني كرئيس جديد للجمهورية الإسلامية الإيرانية بالأغلبية المطلقة «٩٥% مقابل ٤% لمنافسه عباس شيباني عضو البرلمان الإيراني»، حيث صوت لرفسنجاني أكثر من ١٥٫٥ مليون ناخب من أصل ١٦,٤ مليون، وقد فاق سلفه علِي خامنئي بنحو ١٠%، حيث كان هذا قد فاز في انتخابات عام 1985 بنسبة ٨٥,٧ % ولكن المراقبين لاحظوا أن كثيرا من الناخبين لم يشاركوا في الاقتراع، وعلل البعض ذلك بأنهم مطمئنون للنتيجة، والمتوقع إن الإقبال على الانتخاب في بعض المناطق كان ضئيلًا كالمناطق الكردية في الشمال والبلوشية في الجنوب الشرقي، حيث قمعت السلطات ثورة مسلحة منذ أسابيع، وأعلنت مؤخرًا كذلك عن توقيف عدة أشخاص في مقاطعة سيستان في بلوشستان على الحدود مع باکستان وأفغانستان بتهمة محاولة إدخال أسلحة إلی إیران.

 لقد قالت صحيفة لوبوان الفرنسية عن رفسنجاني: «لقد تردد آلاف المرات أنه انهزم وانهار». وقد وصف رفسنجانی بأنه منسق صفقة الأسلحة الأمريكية لإيران المعروفة بقضية «إيران غيت»، وأنه كان -بالرغم من قربه للخميني- من أشد المؤيدين للسلام مع العراق  وتصفه الصحافة الغربية بأنه «براجماتي» أي مصلحي، وقد أعلن أنه يعطي الأولوية لإنعاش الاقتصاد وإعادة تعمير إيران، وهو يعتقد بضرورة تطوير التعاون مع الدول الغربية، وإعادة ترتيب العلاقات مع الجيران.

ولا شك أن تجربة نحو عشر سنوات من الحكم والممارسة الفعلية للسياسة والحرب أنضجت الفكر السياسي للعلماء والمراجع الدينية الذين بدأ في مطلع استيلائهم على السلطة أنهم كانوا يتخبطون أحيانًا ويخطئون كثيرًا، ربما نتيجة لافتقارهم آنذاك إلى التجربة السياسية أو لاختلاف الظروف السابقة عن الظروف المستجدة والمطلوب إعادة ترتيبها بشكل مختلف.

إن البعض يطلق على إيران منذ بداية عهد رفسنجاني «سيتولى السلطة يوم الجمعة ١٧ محرم سنة ١٤١٠ هـ - ۱8/۸/1989» يطلقون عليها «الجمهورية الإسلامية الثانية» ولقد قال علي أكبر محتشمي وزير الداخلية الإيراني: «إن عملية الاقتراع قد حققت نجاحًا لم يسبق له مثيل بالرغم من بعض الأحداث التي جرت في عدد من مكاتب الاقتراع ووصفت بأنها بسيطة، ووصفها وزير الداخلية بأنها «مؤامرة».

تعديل الدستور:

أما تعديل الدستور فقد نال أصواتًا أكثر مما نال الرئيس، حيث كانت نسبة الموافقين عليه ۹۷,۳۸٪ من الأصوات، أي نحو ١٦ مليون ناخب.

وكم كان بودنا أن يبدأ عهد جديد بالفعل يعزز شمولية الصفة الإسلامية للجمهورية، بحيث تبدل المادة الدستورية التي تحدد دين الدولة بمذهب معين ينتمي إليه نحو ثلثي السكان مهملًا الثلث الباقي، وكان من الأفضل -كما تنص دول أخرى على الأقل- أن يقال إن دين الدولة الرسمي هو الإسلام لا المذهب الفلاني.

 وكذلك تلك المادة الدستورية التي تحدد نسب رئيس الجمهورية الإسلامية وتحصره في عرق معين في دولة إسلامية تسكنها شعوب من أعراق شتى -وإن غلب عليها العنصر الفارسي- بل إنها كدولة إسلامية لا بد أن يكون توجهها كونيًّا إنسانيًّا.

كما نأمل أن يتاح المجال -بشكل أوسع- للمسلمين السنة للمساهمة في بناء إيران الجديدة، وأن يأخذوا دورهم الذي يتناسب مع حجمهم، فهم قبل كل شيء مسلمون ومواطنون مخلصون لوطنهم ودينهم.

خلاف فقهي لا اختلاف سياسي:

المهم إن معظم التوقعات الغربية وتوابعها ومراهناتها على نتائج الصراع بين الأجنحة المختلفة داخل إيران لم تتحقق، فقد أخطأت تلك التوقعات كما أخطأت في مرات عديدة سابقة، ذلك إن الذي يجري داخل إيران خلاف في قضايا فقهية لا يستطيع تصورها -غالبًا - غير المسلمين- وليس اختلافًا سياسيًّا كما تصور هؤلاء.

فهناك رأي كان هو الغالب من قبل لا يرى التدخل في الشؤون السياسية، بل يتركها لأصحابها إلى أن يأتي «الإمام الغائب»، فهو المخول باستلام كافة السلطات وإجراء الإصلاحات الجذرية «وأن يملأ الأرض عدلًا كما مُلئت جورًا».

  وقد كان من أنصار هذا الرأي كثيرون من أكابر علماء الشيعة والمراجع الدينية العظمى وآيات الله كشريعتمداري وغيره.

  ولا زال هناك من يميل إلى هذا الرأي، وإن تراجع وتضاءل أمام الواقع الذي يعبر عن الرأي الآخر الذي أطلق عليه «ولاية الفقيه» وتبناه الإمام الخميني في كتابه «الحكومة الإسلامية» وغيره، ودعا إليه وانتصر له ثم انتصر به. وهذا المذهب أو الرأي يعتبر اجتهادًا متطورًا، والرأي السابق هو الأصل في المذهب على ما يبدو، ويجيز مذهب ولاية الفقيه، بل يوجب على الفقهاء أن يتقدموا لممارسة الحكم والسياسة وولاية الأمر نيابة عن الإمام الغالب إلى أن يأتي فيسلموا له مقاليد الأمور، وربما رأى البعض أن هذا هو واجب الفقهاء وخصوصًا إذا عم الفساد وطغى الظلم.

 إن هذا -كما هو واضح- خلاف فقهي لا سياسي في الأصل، وإن الأقلية المغلوبة تقبل في الفقه -رأي الأغلبية الراجحة- برضا وروح رياضية!

ولا يتصور أن يؤدي ذلك إلى صراع سياسي وعسكري وما يتبعه مما تصوره المراقبون الغربيون ومن يفكر مثل تفكيرهم.

إننا نتوقع كذلك نتيجة لشخصية الرئيس الجديد وتوجهاته ونضج التجربة السياسية للأجهزة الحاكمة أن تنتهج «الجمهورية الإسلامية الثانية» منهجًا أكثر انفتاحًا مع العالم، وأقل توترًا وعدوانية وخاصة مع الجيران، وهذا ما بدأت تلوح ملامحه، حيث صرح مسؤولون إيرانيون بمثل هذه الاتجاهات، وعليه نأمل أن يتعزز السلام مع العراق ويستقر بشكل نهائي ليتفرغ كل من البلدين تفرغًا كاملًا للبناء ولمعالجة المشاكل الداخلية، وخصوصًا تلك التي خلفتها الحرب الضروس التي استمرت نحو عشر سنوات ولقد بدأت إيران بالفعل في ترميم جسورها مع روسيا والغرب والعالم العربي، مما يرجى معه أن تواصل انتهاج سياسة واقعية معتدلة داخليًّا وخارجيًّا، فذلك أجدى لها ولغيرها وللإسلام الذي انتشر وينتشر بالقدوة الصالحة للإقناع لا بالكيد والإكراه.

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 9

204

الثلاثاء 12-مايو-1970

مجتمعنا - العدد 9

نشر في العدد 18

167

الثلاثاء 14-يوليو-1970

هذا الأسبوع - 18