العنوان صمت هنا.. ومظاهرات هناك
الكاتب عبدالحميد الغزالي
تاريخ النشر السبت 01-مارس-2003
مشاهدات 100
نشر في العدد 1540
نشر في الصفحة 35
السبت 01-مارس-2003
شهد العالم، ولا يزال يشهد، مظاهرات ومسيرات حاشدة ترفض العدوان على العراق، وتندد بالمجازر والممارسات الوحشية على الشعب الفلسطيني، وبلغت هذه الظاهرة، التي تعكس الضمير الإنساني الحي، ذروتها في الدول التي أيدت أنظمتها الموقف الأمريكي وهي إنجلترا وإسبانيا وإيطاليا واستراليا، كما انتشرت في معظم المدن في الولايات المتحدة نفسها!.
يحدث هذا في شتى أنحاء العالم، بينما تحجم أو تمنع المظاهرات والمسيرات في جل العالم الإسلامي ذي المليار ونصف المليار نسمة!!.
الحقيقة المرة أصبحت شديدة الوضوح ولا شك أن المخطط الذي يتم تنفيذه الآن من قبل الإدارة الأمريكية بحق أمتنا وثرواتها ومستقبلها أصبح شديد الظهور للعيان، فتصفية الشعب الفلسطيني لتمكين العدو الصهيوني - كرأس حربة للحفاظ على المصالح الحيوية الأمريكية في المنطقة - جار على قدم وساق.. ويكتمل ذلك أساسًا بضرب العراق والسيطرة على نفطه... كجائزة كبرى!.
فالعراق لديه أكبر احتياطي نفطي في العالم يقدر حتى الآن بنحو مائتي (۲۰۰) بليون برميل بينما الاحتياطي الاستراتيجي لدى الولايات المتحدة لا يكفيها إلا عشر سنوات، كما أن الاحتياطي لدى أي دولة نفطية أخرى سينفد في مدة أقصاها خمسون عامًا.. بينما الاحتياطي العراقي سيمتد وفقًا لأحدث التقديرات إلى أكثر من خمسمائة (٥٠٠) عام. ومن هنا يحرص أباطرة النفط المسيطرون على الإدارة الأمريكية على وجود فعال، بجانب الكيان الصهيوني، من خلال قواعد عسكرية في منطقة الشرق الأوسط التي تستحوذ على أكثر من(65%) من الاحتياطي العالمي « نفط الخليج والعراق والسودان وإيران» تمامًا كما وضعوا لأنفسهم قدمًا في منطقة بحر قزوين، بعد تدمير أفغانستان! ومن ثم يتحقق للإدارة الأمريكية السيطرة على نفط العالم، وبالتالي التحكم في مصير دوله ومستقبلها.
وبالقطع، ليست القضية تهديد العراق للسلام العالمي وللأمن الأمريكي، وليست القضية الحرص الأمريكي على نشر الديمقراطية وحماية حقوق الإنسان العراقي، وبالقطع، ليست القضية أسلحة دمار شامل خاصة بعد أن استمع العالم إلى تقرير بأول، ثم إلى تقرير مسؤولي مفتشي الأسلحة - بليكس والبرادعي - وأيضًا لعلم العالم أجمع أن لدى الكيان الصهيوني كل أنواع هذه الأسلحة النووية والكيماوية والبيولوجية والجرثومية.. وأيضًا لعلم العالم أجمع أن لدى الولايات المتحدة ترسانات من هذه الأسلحة جميعًا، هذا بالإضافة إلى وضع كوريا الشمالية والسياسة الأمريكية تجاهها والمعروفة للكافة.
من هنا، كانت مواقف دول أوروبا الثلاث فرنسا وألمانيا وبلجيكا، ومواقف كل من روسيا والصين مواقف شجاعة ومكشوفة وصريحة لوقف هذا المخطط المحموم للسيطرة على نفط العراق، وتدمير دولته وإبادة شعبه، ثم إعادة تشكيل المنطقة بما يتسق مع أهداف هذا المخطط أي بما يحقق المصالح الأمريكية، صحيح أن هذه الدول تنطلق - طبيعيًا - من منطلق الحفاظ على مصالحها الحيوية، وهذا أمر مشروع من وجهة نظرهم ولكن السؤال المحزن هو أين أصحاب المصلحة المباشرة المادية والمعنوية الاقتصادية والعقيدية، وهم العرب والمسلمون؟!!
لقد انتفض العالم في مظاهرات ضخمة قدرت يوم 15\2 بأكثر من ثمانية بلايين في أكثر من ستمائة (٦٠٠) عاصمة ومدينة من القطب الشمالي وحتى القطب الجنوبي في كوكبنا شاملة معظم العواصم والمدن الأوروبية والأمريكية والآسيوية والأسترالية، منددة بالعدوان المرتقب على العراق، ومنادية برفض إراقة الدماء مقابل النفط، ومهددة شعبية دعاة الحرب الأمريكان والإنجليز والأستراليين. وباعتراف الجميع كانت هذه المظاهرات غير مسبوقة لدرجة أنها فرضت تغييرًا تكتيكيًا في صورة ادعاء الارتكان إلى الشرعية الدولية وإلى التأكيد - لاستعادة شعبية فقدت - على أن خيار الحرب هو الخيار الأخير!!
ولقد أكدت هذه المظاهرات قوة الأنظمة الغربية التي تقوم على احترام مشاعر الجماهير وعلى احترام حقوقها في التعبير، حتى وإن كانت مخالفة تمامًا للسياسة الرسمية، بل لم تقف تلك الأنظمة لتمنع الكثير من مواطني هذه الدول للسفر إلى العراق في موجات لم تنقطع ليكونوا دروعًا بشرية تقف أمام الدمار والتدمير الذي يتهدد شعب العراق وكل مظاهر الحياة فيه.
في مقابل ذلك: نتساءل ويتساءل المتعاطفون الغربيون معنا أين العالم العربي والإسلامي؟!
والإجابة المحزنة والمهينة، أن هذا العالم يغط في سبات عميق، ويعيش صمتًا حزينًا ويساق إلى مجهول تحدده الصهيونية العالمية والصليبية الجديدة. بل هناك من كبار مثقفينا وصحفيينا من يروج لما بعد تدمير العراق وكأن هذا التدمير قدر لا فكاك منه!.
انتهكت الولايات المتحدة حقوقنا المشروعة قبل نهب واغتصاب ثرواتنا انتهكت كرامتنا، قبل استخراب اقتصادياتنا، تجرأت على تفكيك كل ثوابتنا من جغرافيا، وتاريخ، وهوية، وعقيدة وخطاب وتنادي جهارًا نهارًا بأنها ستعيد تشكيل المنطقة بعد ضرب العراق وستنسينا تاريخنا، وتؤكد أنها بسبيلها لفرض «إسلام أمريكي» و«هوية معدلة» و«عقيدة مودرن» و «خطاب عصري» !!.
تهدد بضرب العراق بكل الأسلحة بما في ذلك السلاح النووي، تحت دعاوى أنه لا يطبق قرارات الأمم المتحدة، وأقطاب الأمم المتحدة ومفتشوها يؤكدون إلى حد الصراخ أن العراق يتعاون بشكل جاد في تطبيق قراراتها والاستجابة لمطالبها، وفتح كل مصانعه ومنشأته الإنتاجية والبحثية والتعليمية، وحتى الدينية «المساجد» وسمح بمسح دقيق وشامل لكل أراضيه من خلال طائرات التجسس «اليوتو» دون قيد أو شرطًا بينما الكيان الصهيوني صدر بالنسبة له أكثر من (١٥٠) قرارًا، ولم ينفذ منها قرارًا واحدًا، والولايات المتحدة نفسها تخرق ليل نهار قرارات الأمم المتحدة، بل تؤكد أنها ليست ملزمة بالانصياع لهذه القرارات، وستضرب العراق سواء صدر بذلك قرار أو لم يصدر !!
ألا يعي العرب والمسلمون ما تعيشه الأمة من ذل وعار ومهانة وامتهان؟ ألا يفهمون أبسط مسلمات عقيدتنا.. بأن الله سبحانه وتعالى أكبر؟ ألا يوقنون بأن النصر من عند الله؟ ألا يعتقدون أن الحالة التي تعيشها الأمة هي حالة «كاملة» لتطبيق وإعمال فريضة الجهاد؟ أسئلة كثيرة... كثيرة، تدور في ذهن كل مسلم في الشارع الإسلامي تبحث عن إجابة، ولا مجيب!.
ومع ذلك لا مخرج سوى أن تبدأ مسيرة المصالح، فتُترك الشعوب تعبر عن مشاعرها وأحاسيسها تجاه قضايا أمتها، وسوف ترى الأنظمة أن هذا التعبير لن يخرج عن مضمون الأحداث التي تعيشها من ناحية، وسوف ترى أن هذه الشعوب لا تقل حرصًا على سلامة أوطانها. ولا تقل تحضرًا - فكرًا وسلوكًا - عن بقية شعوب الأرض.
ولنتدبر قول الخالق جل وعلا: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ۚ ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (المائدة:54).