العنوان يوم الحج الأكبر- التوحيد .. والعالمية
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 09-ديسمبر-1975
مشاهدات 97
نشر في العدد 278
نشر في الصفحة 6
الثلاثاء 09-ديسمبر-1975
بعد غد يقف الحجيج بعرفة. منهم من يؤدي الفريضة ومنهم المتنفل. وهم خلق كثير. من أجناس شتى. يدعون الله. كل حسب همته ونضجه الروحي.
ولقد اتحد الأداء الشكلي للحج بيد أن الأجور تتفاوت وفق النيات والعزائم.
وبعيدًا عن الإلف. والعادة، والتقليد، ينبغي أن تفهم معاني الحج وقيمه. ومقاصده العظيمة.
إن تجديد الإحساس بالعبادات. مهمة تنادي الصفوة من أبناء الأمة إلى أدائها وإنجازها.
فالمصلون في العالم الإسلامي ليسوا قليلين -نسبيًّا طبعًا- والصائمون يزيدون عن المصلين؛ فكل مصل صائم -باعتبار القاعدة لا الاستثناء- لكن من بدع المسلمين أن أناسًا يصومون ولا يصلون.
بالنسبة للحج الخط البياني متجه إلى أعلى باستمرار كذلك المؤدون للعبادات ليسوا قليلين. نسبيًّا.
إنما أثر هذه العبادات في حياة المسلمين ومواقفهم لا يتناسب مع الكم العددي.
ومن هنا نتحدث.
إن الذين يقفون بعرفة جموع في حجم دولة برؤسائها وإدارييها وعلمائها وأغنيائها ورجالها ونسائها وذراريها وشعبها العام.
هــذه الجـموع الواقــفة بعـرفة أكـثر من عـدد المسلمين جــميعًا الـذين تركـهم النبي صلى الله عليه وسلم غداة انتقاله إلى الرفيق الاعلى.
ومع ذلك فإن الفرق بين مسلمي الأمس ومسلمي اليوم أكبر من أن تستوعبه مساحة يمكن تصورها ورؤيتها.
فرق في النوع والفاعلية والتأثير والقدرة على الإنجاز وحمل رسالة الإسلام بشجاعة وطموح.
ما الذي تغير؟
إن القرآن الذي ربّى أولئك وجعل منهم خير أمة أخرجت للناس هو نفس القرآن الذي يتلوه مسلمو اليوم.
هو هو.. بسوره وآیاته وحروفه. لم يتغير ولم يتبدل منه حرف واحد.
والكلم الطيب. حديث الرسول وصل إلينا بطريقة تناهت في الدقة والأمانة والتمحيص.
ما الذي تغير؟
الذي تغير هو القدوة. فإن القدوة الراشدة للناس بمثابة المرئيات بالنسبة للإبصار.
وفي غياب القدوة الناجحة تتعثر خطى الناس في الطريق.. حتى مع وجود حسن الباعث وتوفر الرغبة.
والذي تغير هو طريقة التلقي والاستجابة لله.
كان مسلمو الأمس يسلمون وجوههم لله ويستجيبون لأمره استجابة كاملة متحررة من رواسب المصالح والأهواء والأحكام الجاهزة والتبرير.
أما الذراري فإنهم يفكرون أولًا في مصالحهم ومناصبهم ومكاناتهم ورئاساتهم وأطماعهم وأحقادهم. فما وافق ذلك من الإسلام قبلوه. وما اصطدم به علقوه وراحوا يصيغون المبررات الكثيرة لدعم موقفهم.
الذي تغير هو الإحساس بمعنى العبادة وقيمتها.
فمن قيم الحج- قیمتان عظيمتان:
- التوحيد
- العالمية
فهل انسكبت هذه القيم في سلوك المسلمين قبل الحج وبعده.
إن الحجاج يهتفون جهرًا غیر سر:
«لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك. لا شريك لك»
إفراد الله بالتلبية
وإسقاط الشركاء جميعا
وحمد على نعمائه
وإقرار بهيمنته المطلقة على الملك.
توحيد خالص يحرر المسلم من شرك العقيدة وشرك العبادة وشرك التشريع وما يتفرع عن ذلك من شركيات أخرى كثيرة متنوعة.
فأين مكانة هذا التوحيد في حياة المسلمين؟
إن الوثنيات السياسية التي تلزم الناس بالطاعة لها-رغبًا ورهبًا- وتشرع لهم ما لم يأذن الله وتربط التربية والإعلام ولقمة الخبز والأمن الشخصي والأسري بالولاء لها، هذه الوثنيات ما كان لها أن تظهر وتعيش في مجتمعات يهتف أفرادها في حجمهم: لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك.
والمخاوف التي تكاد تأكل قلب الأمة.
خوف من الحكام، وخوف من الموت.
وخوف على الرزق. وخوف من الأعداء.
وخوف من التضحية وخوف من صفير الصافر.
كيف تنتشر هذه المخاوف المحطمة في أمة تعج في الحج: إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك.
كيف يحدث ذلك؟
إنه لو صدق العزم واتخذت التلبية منهج حياة لا شعار موسم لرأينا التوحيد يطرد في حياة المسلمين؛ فلا وثنيات هنا ولا مخاوف، ولا دواهي تنشأ عن هذين البلاءين.
- ومن قيم الحج.. العالمية
ففي الحج تسقط كل الفوارق والتخوم والأشكال.
ويسقط فارق اللون؛ فالأبيض والأحمر والأصفر والأسود سواء.
- ويسقط فارق الجنس والقومية؛ فالعربي والتركي والإندونيسي والكردي والبربري والزنجي والأمريكي والأسترالي والإنجليزي سواء.
- ويسقط فارق الإقليم الجغرافي؛ فأهل الشرق والغرب والشمال والجنوب سواء.
- ويسقط فارق المال؛ فالغني والفقير وميسور الحال. صاحب الطائرة الخاصة والحمار بالأجرة . وراكب قدميه سواء.
- ويسقط فارق المناصب والألقاب؛ فالملك. والخادم والمدير والفراش سواء. من الحج تسقط هذه الفوارق جميعًا. وتستعلي قيمة واحدة: الإخاء الإسلامي، أوليس ما يدعو إلى دعوة المسلمين إلى الإسلام من جديد انحرافهم عن هذه المعاني الجليلة.
إن الإقليميات الوثنية التي مزّقت العالم الإسلامي ولا تزال تمزقه دليل على بعد الإسلام عن المسلمين وانحرافهم عن هداه.
ولا ندري كيف يسلك حاج استوعب معاني الحج وعالميته سلوكًا إقليميًّا ضيقًا بعد ذلك؟
صدق رسول الله -صلى الله عليه وسلم: «من يُرِد الله به خيرًا يُفقهه في الدين».
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل