العنوان يقودها «سامبي» في جزر القمر «الثورة الخضراء».. من تحرير الشعب إلى نشر المذهب الجعفري
الكاتب عز الدين سالم إبراهيم
تاريخ النشر السبت 16-فبراير-2008
مشاهدات 66
نشر في العدد 1789
نشر في الصفحة 32
السبت 16-فبراير-2008
- كل ما وعد به في برنامجه الانتخابي سقط.. ودعوات تطبيق الشريعة تبخرت!
- المراكز الثقافية والمنظمات الخيرية الإيرانية تستغل معاناة القمريين وفقرهم لنشر المذهب الجعفري بينهم بوتيرة متسارعة
«أحمد عبد الله محمد سامبي»، الذي تم انتخابه رئيسًا لجمهورية جزر القمر «جنوب شرق إفريقيا» في مايو ٢٠٠٦م، أحد تلامذة المرجع الشيعي «محمد تقي المدرسي». كان قد أعلن عن قيام ما أطلق عليه «الثورة الخضراء» في أثناء حملته الانتخابية والتي يمكن اعتبار بدايات بعدها النظري في عام ١٩٨٥م عندما عاد من إيران بعد تلقيه التعليم هناك لمدة أربع سنوات.
في هذا السياق جاء وصف «سامبي» والإشادة بمكانته الدينية ودوره التبليغي في بلاده في أحد المواقع الشيعية بالقول: ويعتبر سامبي أبرز رجال الدين من القارة الإفريقية ممن تتلمذوا على يد سماحة المرجع «المدرسي» دام الله ظله طوال سنوات في حوزة الإمام القائم «عج» وذلك بعد أن استبصر على يد سماحته وانتقل من المذهب السني إلى مذهب أهل البيت عليهم السلام، وتحول إلى مبلغ كبير للتشيع في جزر القمر.
«نقلًا عن http:imshiaa.com»
بذرة الثورة!
قام «سامبي» بوضع بذرة الثورة الخضراء في بلاده، وذلك بإنشاء جمعية دعوية سماها «أنصار الإسلام»، وكان من أبرز أهدافها- كما جاء في نظامها الأساسي: «التحكيم بشريعة الله، وتحرير الإنسان القمري، وتحرير الأرض».
وأغلب الظن أنه كان يعني بالهدف الأخير تحرير جزيرة «مايوت» القمرية من الاحتلال الفرنسي، أما الهدف الثاني وهو «تحرير الإنسان القمري»، فلا نعرف تحريره من ماذا؟ قد يكون المعنى في قلب واضع النظرية، وإلا فقد نفهم الآن بعد مرور أكثر من عقدين من الزمن وحسب المعطيات على الأرض، أنه يقصد بذلك «تحرير الإنسان القمري»، من معتقده السني إلى التشيع !!
ثم قام عام ١٩٩٠م مع لفيف من الإسلاميين القمريين ذوي القناعات الفكرية والمذهبية المغايرة تمامًا لقناعاته، بإنشاء أول حزب سياسي في جزر القمر يوصف بالإسلامي، يسمى جبهة العدالة الوطنية بيد أنه- حسب ما يقول أعضاء الحزب- لا يشاركهم في هذا الحزب في كثير أو قليل من شؤونه ومناشطه إلا عندما يحتاج هو إلى دعمهم وأصواتهم الانتخابية، وقد حدث هذا بالفعل عام ١٩٩٦م عندما صوتوا له في انتخابات البرلمان، وفي الانتخابات الرئاسية عام ٢٠٠٦م، الأمر الذي يدل على أن حزب جبهة العدالة بالنسبة له أشبه ببقرة حلوب أو مصعد آلي يتم استخدامه آنيًا للصعود إلى كرسي الحكم، ويمكنه من سلطة شرعية وأجهزة أمنية وعسكرية وإمكانات مالية وبعد ذلك يشرع في تقليم أظافرهم قبل غيرهم، والانقضاض عليهم بنشر التشيع وتوطين المذهب الجعفري في المجتمع القمري، في ظل الوجود الإيراني المتنامي في «الأرخبيل»، تحت سمع وبصر القمريين من الموالين والمعارضين، وهذا ما تم بالفعل وهو استخدام ذكي بامتياز لـ«التقية».
وعود انتخابية
رفع المرشح المستقل «سامبي» أثناء الحملة الانتخابية شعارات النزاهة والنظافة ومحاربة الفقر، وبشر القمريين بقيام «الثورة الخضراء» التي ستقضي على الفساد والبطالة، وتخلق فرص العمل، وتؤمن مساكن مناسبة للمواطنين، وتقيم دولة القانون وتعتمد في التوظيف على الأهلية والكفاءة والنظافة، فصدقه القمريون، لأنهم تواقون دائمًا إلى كل ما يرفع شأن دينهم وعقيدتهم ويوقرون علماء الدين ويلتفون حولهم. وخاصة في ظل استيائهم من سياسة وحكم رجال السياسة الفرانكفونيين التقليديين ولذلك قالوا بعبارات صريحة وواضحة: «نجرب حظنا هذه المرة بانتخاب علماء الدين والملتحين والمشايخ لأنهم ورثة الأنبياء وأقرب الناس إلى العدل والصدق والوفاء بالعهد»، فكانت نيات معظمهم صادقة وخاصة أنهم شعب متدين، على مذهب سني واحد هو المذهب الشافعي، ولا يكاد يعرف مذهبًا دينيًا آخر، وليس له أدنى دراية بالفروق العقائدية الدقيقة بين أهل السنة والشيعة.
وقد عزز هذه القناعة، ورسخ تلك الآمال قيام الرئيس المنتخب قبيل أدائه اليمين الدستورية وتسلمه مهام رئيس الجمهورية رسميًا، بصلاة ركعتي شكر لله تعالى أمام الحضور في حفل التنصيب أمام وسائل الإعلام.
إسقاط الهدف الأول!
وتجدر الإشارة إلى أن سامبي كان قد أجاب أثناء حملته الانتخابية- ردًا على سؤال لإذاعة فرنسا الدولية- بأنه لن يطبق الشريعة ولن يأمر بحجاب المرأة القمرية في حال فوزه لأن جزر القمر فقيرة، وهو إسقاط فعلي للهدف الأول الرئيس من أهداف جمعية «أنصار الإسلام».
أما «تحرير الأرض» وهي جزيرة «مايوت» القمرية، فطالما وعد سامبي مواطنيه في أكثر من مناسبة- قبل الانتخابات وبعدها- بأنه سيعيد القضية إلى أروقة الأمم المتحدة بغية قيام المجتمع الدولي بالضغط على فرنسا لاحترام الشرعية الدولية والقرارات ذات الصلة بهذه القضية، إلا أنه برر عدم إدراج الموضوع في جدول أعمال المنظمة الأممية في العام الماضي بضيق الوقت، وتم إدراجها في الدورة الأخيرة لعام ٢٠٠٧م، إلا أنه سحبها قبل بداية الدورة بعد استقبال نظيره الفرنسي «نيكولا ساركوزي» له في قصر الإليزيه!
نشر التشيع
احتمال آخر قد تفيده كلمة تحرير في الأهداف المذكورة، فخلال نحو عامين من عمر النظام فتحت ثلاثة مراكز ثقافية في العاصمة موروني لا يفصل أحدها عن الآخر إلا مسافة ثلاثة كيلومترات تقريبًا. وهذه المراكز هي «مؤسسة الإمام الخميني لمساعدة فقراء جزر القمر»، و«مركز التبيان الثقافي والبحث العلمي» و«مركز الثقلين».. وهذا الأخير هو أول نشاط شيعي علني، فقد تم افتتاحه رسميًا بعد فوز «سامبي»، في الانتخابات الرئاسية بحضوره شخصيًا هو وأعضاء حكومته والسفير الإيراني المعتمد لدى جزر القمر والمقيم في مدغشقر.. كما تم في ذلك المركز، ولأول مرة في تاريخ «الأرخبيل» الاحتفال بذكرى عاشوراء العام الماضي على الطريقة الشيعية.
وتستغل هذه المراكز الثقافية والمنظمات الخيرية الإيرانية معاناة الناس وفقرهم لنشر المذهب الجعفري وسط المجتمع بوتيرة متسارعة، ويواكب ذلك نشاط محموم متمثل في تقديم البعثات والمنح الدراسية لأبناء البلد إلى إيران.
كل هذا وغيره كثير يحمل على الاعتقاد بأن تحرير الإنسان القمري الوارد في قاموس «الثورة الخضراء»، لا يعني إلا تحويل أفراد المجتمع من المذهب السني إلى الجعفري، وقديمًا قيل: «الناس على دين ملوكهم»!
جزيرة «أنجوان»، كان نصيبها من هذه المراكز كبيرًا، إلا أن رئيسها والرجل القوي فيها العقيد محمد بكر الذي منع «سامبي» من دخول أرض الجزيرة معتبرًا إياه غير مرغوب فيه مع أنه من أبنائها، أغلق جميع مكاتب ومراكز التشيع وحظر أنشطتها، ولم يبق فيها إلا مستوصف الهلال الأحمر الإيراني.
وما زال «سامبي» بين الفينة والأخرى يطلع على شاشات الفضائيات نافيًا عن نفسه التشيع، ومعربًا في الوقت ذاته عن حبه فقط لآل البيت وإعجابه وانبهاره بمذهب الشيعة وطريقتهم في التفكير والتحليل والاستنباط.. ويقول: إنه ليس هناك بعد أن أصبح رئيسًا ما يمنعه من الجهر بتشيعه والإفصاح عنه.. وقد صدقه كثيرون!
أزمات وفساد
أما الوعود التي قطعها «سامبي» على نفسه أثناء الحملة الانتخابية بخصوص تحسين الأوضاع المعيشية، والقضاء على الفساد وضمان حرية التعبير واستقلال القضاء... وغيرها، فلم تر النور الأمر الذي جعل الآمال تتبخر وتتلاشى فجأة، حيث ارتفعت أسعار المواد التموينية الأساسية، ومواد البناء، وغرقت الجزيرة في الظلام بسبب الكهرباء، وظهرت على السطح جرائم قتل لم تكن موجودة في المجتمع القمري وراجت سوق الانحلال الأخلاقي، وزادت البطالة، وعادت أزمة الانفصال في جزيرة أنجوان إلى المربع الأول، واستشرى الفساد الإداري والمالي بشكل يزكم الأنوف، وضربت المحسوبية رقمًا قياسيًا، وأضحت التعيينات في المناصب المهمة وفي السفارات لا تخرج عن دائرة ضيقة وهي قرابة الرئيس والسامبيين، من أتباعه، وخرج التدخل السافر في القضاء إلى العلن لدرجة فصل بعض القضاة الذين لم يحكموا لصالح ما أوصى به الرئيس!
وأمام هذا الوضع المتأزم والغليان الاجتماعي الذي ينذر في أي لحظة بالانفجار كالبارود يعيش القمريون خيبة أمل وكأنهم استجاروا من الرمضاء بالنار.
هذه بعض ملامح «الثورة الخضراء» في بعدها التطبيقي، وهي بطبيعة الحال مؤشرات كافية للخروج بنتيجة واحدة، هي أن «الثورة الخضراء» التي بشر بها الرئيس «سامبي»، والتي سقطت أوراقها قبل الخريف، ما هي إلا لتمرير وتكريس الأجندة الشيعية في هذا «الأرخبيل» السني الواقع في هذه المنطقة الاستراتيجية الحيوية من العالم.. فهل يستيقظ النائمون؟
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل