العنوان المجتمع التربوي عدد 1894
الكاتب د. إيمان مغازي الشرقاوي
تاريخ النشر السبت 20-مارس-2010
مشاهدات 73
نشر في العدد 1894
نشر في الصفحة 52
السبت 20-مارس-2010
رسالة إلي مشجع كرة القدم
إليك يا من عشقت رياضة كرة القدم فصارت لك هواية وتعلقت بلاعبيها فكنت لهم مشجعا..
إليك يا من لا حماس للاعبين بدونك، ولا انتعاش لهم من غير تشجيعك..
إلى كل من يحب الرياضة ويشجعها، ويؤازر ذويها ويدفعهم إلى الفوز فيها..
إن الرياضة يمكن أن تتحول إلى طاقة فاعلة بما تحدث من تسلية طيبة وترفيه مباح يعيد للنفوس نشاطها فتعطي وتؤدي ما يطلب منها على أكمل وجه وأتمه، وقد علم النبي صلى الله عليه وسلم - وهو الرحمة المهداة - ما يعتري النفس البشرية من ملل وسامة إذا ما كانت تسير على وتيرة واحدة دون وقوف للراحة والترويح واعتبر ذلك الوقوف نوعا من التزود لرحلة الحياة والعمل الصالح والإنتاج فقال: «روحوا القلوب ساعة وساعة» «أبو داود». أي أريحوها بعض الأوقات من مكابدة العبادات بمباح لا عقاب فيه ولا ثواب، وذكر عنده صلى الله عليه وسلم القرآن والشعر، فجاء أبو بكر رضي الله عنه وقال: أقراءة وشعر ؟! فقال: نعم، ساعة هذا وساعة ذاك.
وقال علي كرم الله وجهه : «أجموا هذه القلوب فإنها تمل كما تمل الأبدان أي تكل».. فالناس بشر وهم بحاجة لتجديد نشاطهم كي يجدوا في أمور دينهم ودنياهم.
وقد ظن بعض الصحابة أن ذلك مما يخالف ما هم عليه من تقوى، أو أنه يجرهم إلى النفاق فجاء عن حنظلة الكاتب التميمي الأسيدي، قال: كنا عند رسول الله ﷺ فذكرنا الجنة والنار حتى كأنا رأي العين فقمت إلى أهلي وولدي فضحكت ولعبت قال: فذكرت الذي كنا فيه فخرجت فلقيت أبا بكر، فقلت: نافقت نافقت، فقال أبو بكر: إنا لنفعله، فذهب حنظلة فذكره للنبي ، فقال: يا حنظلة، لو کنتم كما تكونون عندي لصافحتكم الملائكة على فرشكم أو على طرقكم، يا حنظلة ساعة وساعة «ابن ماجه». أي ساعة كذا وساعة كذا، يعني لا يكون الرجل منافقا بأن يكون في وقت على الحضور وفي وقت على الفتور، ففي ساعة الحضور تؤدون حقوق ربكم لينتظم أمر
للرياضة شروط ولتشجيعها ضوابط حتى يتحقق الغرض منها في ظل الخلق الجميل الذي يأمر به ديننا
الدين، وفي ساعة الفتور تقضون حظوظ أنفسكم لينتظم بها أمر الدين والمعاش، وفي كل منهما رحمة على العباد .
بعض أسباب الإسراف في مشاهدة وتشجيع كرة القدم..
إن القلوب تمل والنفوس تتوق عادة إلى التغيير ليتجدد نشاطها والحياة عامة في هذه الأيام قد أخذت طابعا مختلفا عن ذي قبل، إذ يتعرض فيها المرء إلى صور متنوعة من الضغوط النفسية الكثيرة، ويعايش أشكالا متعددة من الأحداث الدموية تحيط به في شتى بقاع الأرض، فهناك ضغوط مادية وأزمة اقتصادية على مستوى العالم يمر بها الجميع، وهناك ضغوط العمل التي لا يستطيع الفكاك منها، وواجبات التعليم ومتطلباته وحقوق الأهل والأولاد والأقارب والأرحام وحقوق اجتماعية للجيران والأصحاب والمجتمع، يتزامن هذا كله مع غلاء الأسعار وزحمة المواصلات وكثرة الطلبات، كما أننا نمر بأحداث يشيب من هولها الولدان قتل وذبح وتهجير وتشريد سفك دماء وخراب بيوت سجون ومعتقلات تعذيب وسرقة للأعضاء، أنين الجرحى وآهات الثكالي وبكاء الأيتام، زلازل وفيضانات وسيول وأعاصير هدم وحرق وغرق أمراض وأوبئة وفيروسات تطاول البعض على الدين ونبي الرسالة.
كل هذا نعاصره ونسمع عنه وكأننا نراه رأي العين إذ تلاحقنا أجهزة الإعلام المرئية والمسموعة بالأخبار ليل نهار أينما كنا، ويكاد المرء منا ينام على أصوات هؤلاء المنكوبين ويصحو عليها، أضف إلى ذلك ارتفاع نسبة البطالة وزيادة أوقات الفراغ خاصة عند كثير من الشباب الذين لا يجدون عملا، ولا يحسنون استغلال أوقاتهم، ويفتقدون الموجه القدوة، فتمتلئ بهم المقاهي والشوارع، وهم من يلتهبون حماسة وحمية في هذه الفترة الزمنية المهمة من حياتهم، وفي ظني أن هذا من أهم أسباب الإسراف والانشغال بكرة القدم الذي زاد عن حده في هذه الآونة، حيث صار وسيلة للتنفيس والهروب، ومدعاة لأن يصرف المشاهد ذهنه عن كل شيء حوله ويفرغه من مشكلاته وينسى فيها مشاغله ولو إلى حين، وإن كان الأصل فيها أنها رياضة محبوبة يقضي معها الهواة فراغهم بشروط، وأداة للتسلية والترفيه بضوابط، وعامل مساعد على تغيير روتين الحياة اليومية؛ لكن باعتدال وبلا إسراف ودون تضييع لحق أو تأخير فرض أو تعطيل واجب.
مهلا .. يا مشجع الكرة
الرياضة يمكن أن تتحول إلى طاقة فاعلة بما تحدث من تسلية طيبة وترفيه مباح يعيد للنفوس نشاطها
لا تتعصب في تشجيع الكرة فتقع في الغلو الممقوت وكن معتدلا في متابعتها تخرج من دائرة الإسراف المحرم
وكأن الجميع في هذه الأجواء الساخنة مع ما يعتصم به الكثيرون من اللجوء إلى الله تعالى أن يفرج الأزمة وينصف المظلوم من ظالمه، ومع ما يفعله معظم الغيورين منهم من احتجاج ومسيرات يعبرون فيها عن سخطهم، وينادون بالعدل والمساواة الإنسانية مع كل الشعوب في الأرض، ويطالبون برد الحقوق إلى أصحابها إلا أنهم يجدون في متابعة مباريات كرة القدم متنفسا تستهويه نفوسهم ينقلهم من عالم الحقيقة إلى عالم اللعب والخيال ومع ذلك نرى بعض المشجعين يصبون جام غضبهم على الفريق المناوئ لفريقهم، حتى يخيل إليك أنهم في معركة حقيقية وكأنه خصم لدود قد تسبب في مشكلات العالم كلها، أو أنهم يتوهمون أن فوز فريقهم هو النصر بعينه، وهو الفوز على الأعداء في ساح الوغى.
إن حب الرياضة يدعوك - يا من تشجعها - لممارستها وتشجيع من يمارسها دون غلو أو إسراف، لكنا نرى كثيرا ممن يحب كرة القدم
ينتمي لفريق معين اختاره، ويفتخر بالانتساب إليه ويعلنه بنفسه وإلا فبمظهره وملابسه الرياضية التي يرتديها؛ حيث تحمل الاسم والشعار واللون لهذا الفريق أو ذاك، ومع عدم الوعي الكامل بتعاليم الدين السمحة وأخلاقه الجميلة تتكون أحزاب من الفرق الكروية كل يروج لحزبه ويدعو إليه ويختصم من أجله ويجاهد حتى الموت في سبيله، بل ويتحول إلى إرهابي في وجه إخوانه يرهبهم بقوله وفعله فيكسر ويضرب ويجرح ويؤذي ويتعصب حمية كحمية الجاهلية أو أشد، فلا يتورع عن ذلك أو بعضه ولو أدى به الأمر إلى وقوع الفتنة بين الأخ وأخيه، وهما من يربطهما أوثق العرى عروة الإسلام والإيمان، كما حدث في الأيام القليلة الماضية.
ويأخذ التحيز لفرقة ضد أخرى أشكالا يندى لها الجبين على المستوى المحلي والدولي فلماذا لا توظف هذه الروح الرياضية بالشكل المناسب المطلوب؟ ولماذا يوصل الغلو إلى هذه الحال المزرية التي يضيع معها الغرض من هذه الرياضة ويُساء فيها فهم التشجيع الذي يصل بصاحبه إلى التطرف ويأخذه إلى العنف ويدعوه إلى التخريب.. فيميل كل الميل وكأنه صاحب مذهب يقدسه لا يريد له مساسا أو ملك معصوم لا سبيل لخطئه، تأخذه الحمية حتى مع لاعبي فريقه المختار أحيانا فيرضى عنهم إن فازوا وأحرزوا الأهداف، ويسخط عليهم إن لم يشبعوا غروره بالغلبة، وما علم أن الغرض من الرياضة هو رياضة النفوس وقوة الأبدان، وأن التنافس فيها يعني أن هناك غالبا ومغلوبا، وما وطن نفسه على قبول الهزيمة كما يقبل النصر، ولم يعودها الرضا بالقدر خيره وشره والاستسلام للقضاء حلوه ومره فهذا ركن ركين من أركان الإيمان لا يقوم إيمان المسلم إلا به.
يدعي حب الرياضة وأبطالها وينقض ذلك بأفعاله؛ إذ يسب اللاعب إن أضاع فرصة أو يشتمه إن خانته الكرة فلم تدخل المرمى فلماذا لا تكون منصفا عادلا أيها المشجع فتحسب الإيجابيات كما تتصيد الأخطاء؟ ولماذا تقبل إحراز الهدف ولا تعذر إن أخطأ؟ أليست هذه هي الرياضة؟ فهل رأيت فريقا واحدا ملك الأهداف كلها فأحرزها وحده وفاز في كل المباريات فلم يغلب، وحصل على كأس العالم فيها طول العمر؟ إن هذا شيء محال، حتى ولو حدث فلن يدوم؛ لأن سنة الحياة التغير وعدم الثبات، وسمتها الدوران والتداول، ليس في كرة القدم فحسب، بل في أحوال الناس المختلفة، ومن أجل ذلك لا ينبغي أن يكون مشجع الكرة بذيء اللفظ سيئ الخلق سليط اللسان، لا يسلم من أذاه لاعب أو مدرب أو حكم أو مشجع لفريق آخر غير فريقه.
إياك والتعصب.. والعنف.. وسوء الخلق
فيا من وجدت في الانشغال بمتابعة كرة القدم بديلا وشاغلا لأوقات فراغك وهدفا تتشبث به وتعطيه جزءا كبيرا من وقتك واهتماماتك يا من تحاول أن تعلن في تشجيعها عن ذاتك، وتفصح فيها عن أخلاقك وتثبت بالتعصب لها وجودك، وتتخذ من متابعتها هواية ومتنفسا ، فأسرفت في المتابعة حتى الهوس، وجاوزت الحد في التشجيع حتى التعصب، تعادي في سبيلها من يخالفك وتدنس لسانك بما لا يليق بك كمسلم فصرت غضوبا متعصبا عنيفا مخربا، وظننت أنك في معركة المصير النهائية مدعيا بذلك حبك للرياضة.
أما علمت أن لهذه الرياضة شروطا ولتشجيعها ضوابط حتى يتحقق الغرض منها في ظل الخلق الجميل الذي يأمر به ديننا، ألا تذكر قول النبي : «ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش ولا البذيء» «الحاكم» «ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليسكت »«الطبراني». «وأنه ما شيء أثقل من ميزان المؤمن يوم القيامة من خلق حسن فإنَّ الله تعالى ليبغض الفاحش البذيء» «الترمذي» وأن أكثر ما يدخل الجنة «تقوى الله، وحسن الخلق الترمذي»، وقد قال الإمام أحمد : حسن الخلق، ألا تغضب ولا تحقد، وأن تحتمل ما يكون من الناس.
وهلا علمت أن العنف ممقوت مذموم وقد قال لك النبي ﷺ: «إن الله تعالى رفيق يحب الرفق، ويعطي عليه ما لا يعطي على العنف »«البخاري» و«إن الله تعالى يحب الرفق في الأمر كله » «البخاري» وأن من يحرم الرفق يحرم الخير كله «مسلم».
إن هناك من يؤدي به فوز فريقه إلى التخريب والتكسير والتلفظ بالألفاظ النابية وإشعال نار العداوة والبغضاء، وتوصله هزيمته أيضا إلى كل ذلك، وكأن الأمر عنده سواء، المهم أن يخرج ما في نفسه من مشاعر إيجابية أو سلبية على السواء وليكن بعدها ما يكون، أما علمت أن الإسراف في أي شيء منهي عنه حتى في العبادات، فما ظنك إن كان فيه الإضرار بالناس والبلاد والممتلكات واللاعبين والشوارع، بل والمشاعر الإنسانية والعلاقات الأخوية والسياسات الدولية.
كيف وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : «المسلم أخو المسلم لا يظلمه، ولا يشتمه» «أبو داود» ،«المسلم من سلم الناس من لسانه ويده والمؤمن من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم» «النسائي»
أعط المباريات حجمها الطبيعي.
لا تعط كرة القدم أكثر من حقها فتكون على واجباتك جائرا ولا تسرف في مشاهدتها فتكون لعمرك مبددا
لذا فأنت – يا من تشجع كرة القدم منهي عن التعصب في هذا المقام، وقد قال النبي ﷺ: «ليس منا من دعا إلى عصبية»، أي من يدعو الناس إلى الاجتماع على عصبية.
قال ابن الأثير: العصبي الذي يغضب لعصبيته ويحامي عليهم، والتعصيب: المدافعة والمحاماة.
وقال ابن تيمية بين بهذا الحديث أن تعصب الرجل لطائفة مطلقا فعل أهل الجاهلية محذور مذموم بخلاف منع الظالم وإعانة المظلوم من غير عدوان فإنه حسن بل واجب.
وقد يقول قائل : إنني أشجع بلدي وأحبها وما أفعله إنما هو من أجلها ! وما أجمل هذه الروح الطيبة، روح الانتماء، وقد قيل: إن حب الوطن من الإيمان، وهذا شيء طيب، وأطيب منه ألا تسيء لوطنك بتلك الأفعال المنكرة من التجمع والتحزب كالعصابات وإثارة الناس بالشغب والفوضى والتنديد بالغير وترديد الشعارات والهتافات المضادة المثيرة للفتنة، وفي ظني أن هذا يدخل تحت التعصب الممقوت والحمية الجاهلية التي تفرّق ولا تجمع، وهو بعينه ما يريده لنا أعداء أمتنا في كل زمان حتى ننسي قضايانا المهمة ونغفل عنها، لذا فنحن جميعا على المستوى الفردي والجماعي مأمورون شرعا بالاعتدال والتوسط في أمرنا كله .
دعوة.. وأمل...
إلى كل مشجع .. لا تعط كرة القدم أكثر من حقها فتكون لما عليك من واجبات جائرا ظالما ولا تسرف في مشاهدتها فتكون لوقتك وعمرك مبددا مضيعا، ولا تتعصب في تشجيعها فتقع في الغلو الممقوت، وكن معتدلا معها متابعة وتشجيعا تخرج من دائرة الإسراف المحرم وانظر حولك وتفكر في قضايا أمتك المهمة أليس فيها ما يشغلك ويستوقفك ويستوجب اهتمامك ويتطلب دعمك وعطاءك؟ فاتق الله وأعطها ما تستحق من الاهتمام والمشاركة الإيجابية الفعالة، حتى تعذر أمام ملك الملوك سبحانه وتعالى.
حكم مشاهدتها
يقول سماحة المستشار فيصل مولوي نائب رئيس المجلس الأوروبي للبحوث والإفتاء:
مما لا شك فيه أن المباريات الرياضية تأخذ اليوم حجما أكبر بكثير مما يلزم خاصة في بلاد المسلمين وتستعملها كثير من الأنظمة لإبعاد الناس عن المشاركة السياسية ولتنفيس المشاعر المحتقنة بسبب الكثير من الممارسات الشاذة.
إننا أمة منكوبة وأمة ممزقة وأمة متخلفة هذه قضايانا الأساسية التي يجب أن تبذل فيها الجهود قبل هذه المظاهر المباحة، ولذلك، فإني أدعو الشباب خاصة إلى أن يكون أكثر جدية في حمل هموم المجتمع وقضايا الأمة، وإلى أن يكون أكثر إيجابية في العمل المنتج وألا يعطي لمثل هذه الأعمال المباحة أكثر من حجمها الطبيعي المفروض في حياته الشخصية وفي حياة الأمة.. والله أعلم «إسلام أون لاين».
فهيا قدم دليل إيمانك وعلامة صدقه... قال الحسن البصري: «ليس الإيمان بالتحلي ولا الدين بالتمني ولكِن مَا وَقَرَ فِي القُلوب وصدقته الأعمال».
وأعد للسؤال جوابا .. قال تعالى :﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلُنَهُمْ أَجْمَعِينَ (11) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (17) ﴾ (الحجر)، وقال: ﴿وَلَتُسْأَلُنَ عَمَّا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (النحل).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل