; إلى متى يطارد «الدب الروسي» الإسلام أينما كان؟! | مجلة المجتمع

العنوان إلى متى يطارد «الدب الروسي» الإسلام أينما كان؟!

الكاتب د. محمود المنير

تاريخ النشر الثلاثاء 01-مارس-2016

مشاهدات 53

نشر في العدد 2093

نشر في الصفحة 12

الثلاثاء 01-مارس-2016

الملف الأسود لجرائمه ضد العالم الإسلامي..

إلى متى يطارد «الدب الروسي» الإسلام أينما كان؟!

كتب: محمود المنير 

تاريخياً صراع الدب الروسي مع العالم الإسلامي وشعوبه ممتد وطويل عبر القرون، ولا يرجع ذلك للأسباب العقدية والأيديولوجية فحسب، وإنما لأسباب تاريخية، وجيوستراتيجية، فله سجل أسود حافل بشتى صور العداء والتدافع والصراع مع أمة الإسلام، من خلال احتلال أراضي المسلمين وقتلهم وتهجيرهم والتنكيل بهم، ونهب ثرواتهم، والتحالف مع عدوهم، منذ عصر القياصرة، مروراً بحقبة الاتحاد السوفييتي والإبادة الجماعية للمسلمين وتهجير الملايين إلى سيبيريا، ثم احتلال أفغانستان والخروج منها مدحورين على أيدي المجاهدين الأفغان، ثم عهد «يلتسين» الذي شهد أبشع حروب التطهير العرقي والإبادة الجماعية للمسلمين في الشيشان وداغستان، ثم عهد «بوتين» وصديقه «ميدفيديف» ودعمهما لجزار أوزبكستان، وتنكيلهما بالمسلمين في موسكو وغيرها من المدن الروسية. 

ولقد وعت لنا ذاكرة التاريخ ما واجهه العالم الإسلامي من ويلات الهجمات والغارات المتكررة من الاستعمار الصليبي الحاقد على مر التاريخ، لكن قد يغيب عن ذاكرة الكثير من المسلمين في العالم الإسلامي أفاعيل روسيا في حق أمّة الإسلام، حيث يجهل الكثيرون أنّها أبادت ملايين المسلمين عبر تاريخها الدّموي، واستغلّت ثرواتهم قروناً طويلة، ولا تزال تستغل خيرات وموارد النفط والغاز في تركستان الكبرى وبلاد القفقاس، وتمنع تصرف المسلمين في مواردهم الطبيعية في آسيا الوسطى دون تدخل موسكو، وإذا عدنا إلى تاريخ القضية الفلسطينية نجد أن أوّل من أعطى وعداً بمنح اليهود أرض فلسطين هم الروس غداة انتصار الثورة البلشفيّة عام 1917م، ثمّ تنازلوا للإنجليز عن التمكين لليهود في فلسطين، أضف إلى ذلك أنّ قرابة مليوني روسي يعيشون في الكيان الصهيوني المحتل، ويسخِّرون خبرتهم العلمية والعسكرية في خدمة «إسرائيل»، وها هي روسيا في عهد «بوتين» تعاود الكرة مجدداً بالهجوم على دول العالم الإسلامي بتدخلها عسكرياً في سورية لصالح مصالحها الجيوستراتيجية في المنطقة، متحالفة مع إيران، ونظام المجرم «بشار الأسد».

وفي هذا الملف نسلط الضوء على أبرز وأهم المحطات في سجل العداء والممارسات القمعية والدموية التي سلطتها روسيا على العالم الإسلامي، ليتعرف القارئ على هذا العدوّ التاريخي المستمر في عداوته للمسلمين، والذي يعربد الآن في سورية على مرأى ومسمع من النظام الدولي الذي يرعى الفوضى في العالم الإسلامي. 

روسيا.. و«سايكس بيكو»

في الوقت الذي كانت الدول الاستعمارية تحتل بلدان العالم العربي أواخر القرن التاسع عشر والعشرين، كانت روسيا القيصرية ثم الشيوعية بعدها تستولي على بلدان وسط آسيا والقوقاز المسلمة ومنطقة البحر الأسود والقرم، وفي الوقت الذي اتفقت فيه إنجلترا وفرنسا على تقسيم قلب العالم الإسلامي في العراق والشام وبلاد جنوب الأناضول عشية الحرب العالمية الأولى ضد الدولة العثمانية عام 1915، 1916م، كانت روسيا حليفة وشريكة وشاهدة على اتفاقية «سايكس بيكو»، التي عدلت عقب قيام الثورة البلشفية عام 1917م، بعد اعتراض البلاشفة عليها؛ إذ كانت روسيا القيصرية ستحصل بمقتضاها على إسطنبول والمضايق المائية في مرمرة والدرنديل والمنطقة الأرمنية في آسيا الصغرى والكردية في شمال العراق وأفغانستان بعد هزيمة العثمانيين، فضلاً عن حماية ورعاية المصالح الأرثوذكسية في كل من العراق والشام وفلسطين.

محنة مسلمي القرم في سيبيريا

في أثناء الحرب العالمية الثانية ظهر بوضوح عداء السياسة الروسية تجاه رعاياها المسلمين، فلقد خافت روسيا من تتار القرم المسلمين، وإمكانية موالاتهم للألمان، فحشدت أكثر من مليون تتري في يوم واحد، ورحّلتهم إلى سيبيريا وجمهوريات وسط آسيا المسلمة، وارتكبت الجيوش الروسية حينها مذابح بحق تتار مسلمي القرم أودت بحياة 350 ألفاً منهم، ودفعت مليوناً و200 ألف إلى الفرار لتركيا بعدما رفع جيش روسيا شعار «من غير انتظار ولا عودة.. يجب محو التتار من هذه الأرض»، ولم تسمح بعودتهم إلا منذ ستينيات القرن العشرين، ثم بعد سقوط الاتحاد السوفييتي في بداية التسعينيات من نفس القرن.

ولا يفوتنا أن نذكر طرفاً من الحقد الأسود الروسي بحق مسلمي القرم: 

- ففي العام 1771م، ارتكبت الجيوش الروسية أبشع المذابح بحق مسلمي القرم، بعد سقوط شبه جزيرة القرم بيدهم واحتلال عاصمتها؛ ما أدى إلى مقتل أكثر من 350 ألف تتاري، وانتشرت الجثث في كل مكان ولم تجد من يدفنها، فانتشرت الأمراض والأوبئة؛ ما أدى إلى وفاة عدد من أفراد الجيش الروسي ذاته إضافة للسكان المحليين، فاضطر مليون و200 ألف تتاري مسلم إلى الفرار إلى تركيا، فيما هجَّرت روسيا القيصرية بقيتهم إلى داخل الأراضي الخاضعة لها، حيث قام الجيش بنفي 500 ألف تتاري مسلم بعيداً عن بلادهم وأحلّ الروس مكانهم، ومع ازدياد عمليات التهجير الإجباري بحق مسلمي القرم أصبحوا أقلية في بلادهم.

- وفي العام 1783م، قامت القوات الروسية بعدة حملات تهجير بحق مسلمي إقليم شبه جزيرة القرم إلى سيبيريا التي توصف بأنها أكبر صحراء جليدية في العالم، وإلى دول آسيا الوسطى كتركيا وبلغاريا ورومانيا، ومارست ضدهم شتى أنواع العنف، وهدَّمت مساجدهم ومدارسهم وبيوتهم، وأحرقوا مصاحفهم وجميع وثائقهم التي كانت تعد إرثاً تاريخياً وحضارياً مهماً لتتار القرم.

- وفي عام 1928م، أعدم «ستالين» 3500 تتاري من أئمة المساجد والمثقفين، وجميع أعضاء الحكومة المحلية بمن فيهم رئيس الجمهورية آنذاك «ولي إبراهيموف»، وذلك عندما أراد «ستالين» - بحسب بعض المصادر - إنشاء كيان يهودي في القرم، وثار عليه التتار، فقام بحملة تطهير وإبادة كبيرة بحقهم ردت إلى الأذهان مذابح المغول.

- وفي عام 1929م، نفى «ستالين» أكثر من 40 ألف تتاري من فلاحي القرم إلى مناطق في سيبيريا، بعدما أرغمهم على ترك مزارعهم، وفي عام 1931م تُوفِي نحو 60 ألف تتاري نتيجة المجاعة التي أصابت القرم، وذلك وفق ما ذكره مصطفى عاشور في مقاله «كارثة القرم الإسلامية» في العدد الـ84 من مجلة «التبيان» الصادر عام 2011م.

روسيا.. ودعم الصهيونية

المصالح الروسية في منطقة الشرق الأوسط تشكلت بفعل العوامل الجيوستراتيجية التي أثرت في السياسة الروسية في عهود القياصرة، وكانت تطلعات الإمبراطورية الروسية نحو الجنوب دائماً في السياسة الخارجية القيصرية منذ عهد «بطرس الأكبر» (1682 – 1725م)، «كاترين» (1762 -1796م)، وحتى عهد «نيقولا الثاني» (1894- 1917م)، ففي القرن التاسع عشر اندلعت حرب القرم (1854 – 1856م)، وكان أحد أسبابها النزاع الروسي الفرنسي حول السيطرة على الأماكن المقدسة في فلسطين، إذ اعتبر القيصر الروسي نفسه حامياً للكنائس المسيحية الأرثوذكسية، في حين ادعى الإمبراطور «نابليون الثالث» الفرنسي أنه صاحب السيطرة على الأماكن المقدسة ذاتها لصالح الكنائس المسيحية اللاتينية، لكن بريطانيا وفرنسا تمكنتا في مطلع القرن العشرين من احتواء التهديد الروسي باتجاه الجنوب إلى الشرق الأوسط على نحو فعال.

وبالنظر إلى موقف الاتحاد السوفييتي من القضية الفلسطينية؛ نجد أنه عام 1947م ساند اليهود في تطلعهم لإنشاء دولة يهودية في فلسطين، ودعم السوفييت خطة التقسيم التي دعت إليها الأمم المتحدة والتي ترمي لإقامة دولة يهودية في فلسطين، ولما أدرك الاتحاد السوفييتي أن انسحاب البريطانيين وشيك من فلسطين، بدا له أن التقسيم أفضل خيار لتجنب خطة وصاية برعاية الأمم المتحدة كانت ستديرها دون شك القوات العسكرية الغربية. 

ولم يكتف الاتحاد السوفييتي بأن يكون ثالث دولة تعترف بـ «إسرائيل» اعترافاً قانونياً، بل ذهب إلى أبعد من ذلك، فشجب بشدة دخول القوات العربية إلى فلسطين عقب إعلان إنشاء «الدولة اليهودية»، وبادر الاتحاد السوفييتي إلى إرسال الأسلحة لـ «إسرائيل» أثناء الحرب العربية – «الإسرائيلية» الأولى؛ مما كان له أهمية كبرى، وربما حاسمة، في استمرار بقاء الدولة الصهيونية الجديدة (حرب 1948م)، وقام الاتحاد السوفييتي في ديسمبر 1953م بدور فعال في مساعدة «إسرائيل» على الوقوف في وجه المقاطعة الاقتصادية العربية، عندما أبرم معها اتفاقية تجارية لمبادلة النفط السوفييتي بالحمضيات «الإسرائيلية»، لكن موسكو ألغت هذه الاتفاقية إثر العدوان الثلاثي على مصر عام 1956م، وظلت السياسة الروسية تجاه القضية الفلسطينية هكذا تتراوح وتتجاذب حسب مصالحها الجيوسياسية، وتنافسها مع غريمها التقليدي الولايات المتحدة الأمريكية في المنطقة، إلا أن ميزان الترجيح في الأفعال كان دائماً يميل لكفة «إسرائيل». 

الغزو السوفييتي لأفغانستان

الأطماع الروسية في أفغانستان قديمة، فقد احتلت روسيا في الفترة من عام 1743 – 1833م منحدرات آسيا الوسطى المطلة على الصين ومنغوليا والمناطق المجاورة للبحر الأسود وتركيا وإيران وبحر قزوين، وفي الفترة من عام 1880 – 1900م احتلت مناطق طشقند وسمرقند والصحراء المجاورة لهما، ومن عام 1800 – 1900م احتلت بخارى، ثم تأتي محاولات احتلالها لأفغانستان عام 1979م ضمن هذا السياق، إضافة إلى أوضاع الحرب الباردة التي تفرض مد النفوذ السوفييتي إلى مناطق النفط في الخليج العربي وشمالي أفريقيا والاقتراب أكثر من أوروبا بعد انحسارها في بولندا.

وكان من أبرز أهداف الاتحاد السوفييتي من غزو أفغانستان:

1- استغلال الموارد الطبيعية في أفغانستان.

2- الوصول للمياه الدافئة ومنابع النفط قبل الأمريكيين.

3- احتواء الصين والإطاحة بها من جانب الغرب.

4- وأد أي حركات للتحرير يمكن أن تنشأ في آسيا الوسطى التابعة للاتحاد السوفييتي آنذاك.

5- دعم حكومة شيوعية أفغانية ضد تيار الإسلام السُّني في البلاد.

وفي عام 1988 – 1989م حقق المجاهدون الأفغان انتصارات حاسمة على القوات السوفييتية، أجبرتهم على الانسحاب في 15 فبراير 1989م، ويقدر عدد الجنود السوفييت الذين قُتلوا خلال تلك الحرب ما بين 40 ألفاً – 50 ألفاً، إضافة إلى عدد كبير من الجرحى، وتفكك الاتحاد السوفييتي بسبب ضعف الحالة الاقتصادية، وتزايد الإنفاق اليومي على هذه الحرب الذي بلغ 40 مليون دولار.

جرائم روسيا في الشيشان

عداء روسيا ضد الشيشان له تاريخ طويل يعود لعهد روسيا القيصرية، وفيما يلي أبرز محطات في تاريخ الصراع الروسي – الشيشاني:

- أعلن القوقازيون الجهاد ضد روسيا عام 1785م بقيادة الشيخ «منصور أوشورم» الذي تجاوب معه شعوب داغستان، والقبارطاي، والنوغاي، بالإضافة إلى الشيشان، الذي استطاع أن يلحق بالروس هزائم متكررة، حتى ارتقى شهيداً في 13 أبريل 1794م، بعد تسع سنوات من الجهاد المتواصل، وباستشهاده انتهت المقاومة الإسلامية في شمالي القوقاز، لكن لتعود ثانية، وبشكل أقوى في الربع الأول من القرن التاسع عشر.

- في عام 1864م قام الروس بقتل 4000 شيشاني في منطقة «سالي»، وانتفض الشيشانيون في الفترة ما بين عامي 1865- 1890م، وامتدت الانتفاضة مع الثورة البلشفية (عام 1917م) كذلك، وقادها الحاج «أذن» ولمدة ثماني سنوات حتى أعلن إمارة شمال القوقاز.

- في عام 1925م تم سحق الانتفاضة، وأعلنت الحرب على الشيشانيين واعتقلت السلطات السوفييتية أنصار الشيخ، واستمرت المحنة حتى بداية الحرب العالمية الثانية، ولجأ الأتباع مرة أخرى إلى الجبال ليعيدوا تنظيم أنفسهم من جديد.

- في 23 فبراير 1944م قامت قوات «ستالين» بإبعاد قرابة مليون مسلم إلى وسط آسيا، حيث سيبيريا التي تصل درجة الحرارة فيها إلى 50 تحت الصفر، بعد أن حُشروا في عربات قطارات البضائع دون طعام ولا ماء، وتحت تهديد السلاح، فمات 50% منهم، وعندما أذن لباقي الأحياء بالعودة عام 1956م في عهد «خرتشوف»، لم يرجع سوى 30% فقط ليجدوا الروس قد احتلوا كل شيء، وأغلقوا 800 مسجد، وأكثر من 400 مدرسة لتعليم الدين واللغة العربية.

- في التاسع من يونيو 1991م عقد المجلس الوطني الشيشاني جلسة أقر فيها قرار الاستقلال ودعا إلى الانفصال، لكن في 29 نوفمبر 1994م بدأت الحرب الشيشانية الأولى وذلك عقب عملية عسكرية فاشلة في 26 نوفمبر 1994م، إثر كمين نصبه الشيشانيون لرتل من الدبابات الروسية، وتم أسر 60 جندياً روسياً، أعلن بعدها مجلس الأمن القومي الروسي قراره بإرسال قوات إلى الشيشان، وأطلق «يلتسين» يومها إنذاره الشهير والذي طالب فيه الشيشانيين بالاستسلام في ظرف يومين امتد إلى سنتين!

- تشير التقارير إلى أن عدد القتلى المدنيين من ضحايا حرب الشيشان الأولى بين 50 ألفاً – 100 ألف, وأكثر من 200 ألف مصاب، وأكثر من 500 ألف شخص هاجروا بسبب الحرب، حيث أصبحت القرى والمدن على الحدود في دمار هائل.

- في 12 مايو 1997م انتهى الأمر بتوقيع اتفاقية معاهدة السلام مع روسيا، لتمنح الاستقلال الفعلي للشيشان، ونتيجة لما ألحقه الروس بالشيشان من دمار هائل؛ انحسرت الحياة الاقتصادية في الشيشان، وانهارت البنية التحتية والصناعية بفعل حرب الإبادة التي تعرضوا لها.

- في مارس 2002م، وبعد شهر من تولي «بوتين» رئاسة الوزارة الروسية، بدأ الحرب على الشيشان، واتصفت منذ بدايتها بالإبادة والدموية؛ حيث زاد عدد القوات من 24 ألف جندي إلى 100 ألف جندي، واستمر القصف الجوي عدة أسابيع حتى سوى كل شيء في شمال جروزني بالأرض، ثم استولى عليها، وانخرطت القوات الروسية في السرقة والابتزاز، وإعادة جثث القتلى الشيشانيين في مقابل رسوم، حتى إنه كان يجب على المرأة أن تدفع حوالي 10 دولارات لتفادي اغتصاب بناتها، كما يؤخذ الرجال من سن 15 حتى 65 إلى معسكرات الاعتقال أو يختفون، ووصل الخطاب الرسمي الروسي إلى فهم مغلوط، مؤداه أن الإرهاب والشيشان باتا أمراً واحداً؛ الأمر الذي انعكس على المجتمع الروسي، فصار يبغض الشيشان والعرق القوقازي كله.

«النيوزويك» تكشف جرائم الروس

في عددها الصادر باللغة العربية، وعلى ست صفحات كاملة، كشفت مجلة «النيوزويك» الأمريكية الفظائع التي ارتكبها الجيش الروسي في الشيشان، فتحت عنوان «تحت أحذية العسكر» جاء التقرير المرعب؛ حيث تضمن التقرير صوراً مرعبة عن حجم الأهوال البشعة التي جرى ارتكابها ضد المدنيين من النساء والأطفال والعجائز، وقد وثق فظائع الجيش الروسي، وعمليات التطهير غالباً ما تكون مصحوبة بمختلف أنواع الابتزاز والنهب والضرب والاغتصاب. 

ويكشف التقرير عن أرقام مؤلمة بشأن حرب الشيشان، حيث تراوحت تقديرات قتلى الحرب الأولى من الشيشانيين ما بين 80 ألفاً - 100 ألف من عام 1994 إلى عام 1996م، ومنذ الحرب الثانية قتل ما بين 20 ألفاً - 40 ألفاً معظمهم في قذف قنابل وهجمات مدفعية بلا تمييز، وأدت عمليات التمشيط التي يقوم بها الجيش الروسي إلى اختفاء وإعدام بلا محاكمة لـ2000. 

وينقل التقرير الخطير عن شاهدة عيان دأبت على توثيق ما يحدث بالصور قولها: إن نسف الأشخاص سواء كانوا أحياءً أو أمواتاً هو آخر أسلوب أدخله الجيش الفيدرالي إلى المعركة، واستخدم هذا الأسلوب بطريقة فعالة في قرية «مسكيار يورت» حيث ربط 21 رجلاً وامرأة وطفلاً معاً ونسفوا وألقي بجثتهم في حفرة، ووصف التقرير محاولة سكان قرية شيشانية الدفاع عن أزواجهم فكبلت أيدي 68 منهم وربطوا في شاحنة واغتصبوا هم أيضاً. 

تدخل روسيا العسكري في سورية

مما لا شك فيه الآن أن روسيا دخلت في الصراع السوري عسكرياً لصالح نظام «الأسد»، والحقيقة أنه منذ اندلاع الثورة السورية كانت روسيا داعماً أساسياً لنظام «الأسد»؛ سواء من الناحية العسكرية أو المادية أو السياسية، وذلك بتوفير الغطاء في مجلس الأمن لجرائم نظام «بشار الأسد»، وهناك عدة اعتبارات ومصالح روسية جعلتها تتدخل عسكرياً في الصراع السوري: 

1- تهدف روسيا إلى أن تتخذ من سورية موطئ قدم لها في الشرق الأوسط؛ وبذلك تضمن إطلالة بحرية على البحر المتوسط، وحدوداً برية مشتركة مع كل من «إسرائيل» ولبنان والعراق والأردن وتركيا.

2- دعم نظام «الأسد» يتوافق مع تطلعات «بوتين»؛ لأن تصبح روسيا قوة عظمى مجدداً في المنطقة في مواجهة أمريكا، وسقوط نظام «الأسد» يعني فقدان روسيا للقاعدة العسكرية الوحيدة خارج روسيا منذ فترة ما بعد الاتحاد السوفييتي.

3- يتطلع «بوتين» لكسب مزيد من الشعبية؛ وبالتالي ضمان فترة رئاسية ثالثة على غرار الشعبية التي اكتسبها إثر تدخله في أوكرانيا، حيث بلغت نسبة شعبيته 80%، وهي نسبة لم يصل إليها رئيس قبله، وهو يأمل تكرار هذا المكسب من خلال حربه في سورية بدعوى محاربة أخطار «تنظيم الدولة الإسلامية» (داعش). 

ويمكننا هنا الاستشهاد بما قاله المحلل الروسي «ديمتري أدامسكي» في مقال له عبر مجلة «الشؤون الخارجية الأمريكية»: أهداف موسكو التقليدية واضحة؛ بناء منطقة عازلة ضد الجهاديين على حدودها الجنوبية، تصدير الأسلحة والطاقة النووية، تقوية نفوذها وترسيخ مشروعها في الشرق الأوسط حيث المياه الدافئة، التنافس مع الغرب – خصوصاً في الآونة الأخيرة – لتوسيع نفوذها بين الطوائف المسيحية الإقليمية.

وفي مقالة لـ «ستيفان إم والت»، أستاذ الشؤون الدولية، كلية كينيدي في جامعة هارفارد، في «فورين بوليسي»، يقول: أهداف «بوتين» في سورية تتميز أيضاً بالبساطة والواقعية، وتتماشى مع الموارد الروسية المحدودة، فهو يسعى لإبقاء نظام «الأسد» ككيان سياسي يوفر له ممراً سهلاً لبسط النفوذ الروسي، ويضمن لروسيا حصة في أي تسوية سياسية ضمن البلاد في المستقبل، بمعنى أن «بوتين» لا يحاول السيطرة على سورية، ولا لإعادة العلويين إلى دفة السيطرة الكاملة على البلاد بأكملها، كما أنه لا يسعى لهزيمة «الدولة الإسلامية»، أو للقضاء على النفوذ الإيراني، وبالتأكيد، لا يلاحق «بوتين» حلم بناء الديمقراطية الواهي ضمن سورية، ومن هذا المنطلق؛ فإن الانتشار المحدود للقوة الجوية الروسية وحفنة من «المتطوعين»، قد تكون إجراءات كافية لتحقيق الهدف الروسي بالحفاظ على «الأسد» ومنع هزيمته، خاصة إذا انتهجت الولايات المتحدة وغيرها من الدول نهجاً أكثر واقعية ضمن الصراع السوري في نهاية المطاف.

في ختام هذا الملف الموجز، يتضح لنا مدى وحجم العداء العقدي والأيديولوجي والتاريخي، والدوافع الجيوستراتيجية التي تكمن وراء العداء المستمر لروسيا ضد العالم الإسلامي، والممتد منذ روسيا القيصرية حتى الآن، وبهذا نكون قد رسمنا صورة واضحة المعالم لطبيعة هذا الصراع، ودوافعه، وأبرز محطاته التاريخية؛ لفهم مجريات الأحداث التي نشهد أحدث فصولها الدامية الآن في سورية.>

المصادر

- الغزو السوفييتي لأفغانستان، «الجزيرة نت»، 2001م، http://goo.gl/F2Wjnc

- شيرين الشرافي، تتار القرم، أمة مسلمة مهددة بالانقراض (1 - 4)، صحيفة «الشرق» السعودية، 2012م.

- مصطفى عاشور، كارثة القرم الإسلامية، مجلة «التبيان»، العدد الـ84 الصادر في 2011م.

- صلاح الدين دباغ: الاتحاد السوفييتي وقضية فلسطين، بيروت، 1968م. 

- جورج لسومنسكي: التقدم السوفييتي في الشرق الأوسط، واشنطن، 1969م. 

- ستيفن بيج Stephen Page: الاتحاد السوفييتي والعرب – الأبعاد الأيديولوجية، نيويورك، 1973م. 

- ياسوف روي Yusov Roi: حدود القوى، السياسة السوفييتية في الشرق الأوسط، لندن 1979م. 

- ناصر زيدان: دور روسيا في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا من بطرس الأكبر حتى فلاديمير بوتين، الدار العربية للعلوم (ناشرون)، بيروت، 2013م.

- كمال حبيب، النيوزويك تكشف جرائم الروس في الشيشان، إسلام ويب، 2002م.

- محمود سمير المنير، الشيشان بركان الأحزان، دار الكلمة المنصورة، 2000م. 

- د. راغب السرجاني، تاريخ الصراع الشيشاني الروسي، موقع قصة الإسلام، 2007م.

- محمود المنير، سورية بين الهيمنة الأمريكية والتدخل الروسي.. الصراع على حافة الأرض، ساسة بوست، 2015م.

الرابط المختصر :