; الدكتور توفيق الشاوي يكتب لـ«المجتمع»: شيطان صهيوني في عشق أباد | مجلة المجتمع

العنوان الدكتور توفيق الشاوي يكتب لـ«المجتمع»: شيطان صهيوني في عشق أباد

الكاتب الدكتور توفيق الشاوي

تاريخ النشر الثلاثاء 10-أغسطس-1993

مشاهدات 81

نشر في العدد 1061

نشر في الصفحة 32

الثلاثاء 10-أغسطس-1993

هذا هو اسم عاصمة جمهورية تركمانستان في آسيا الوسطى -وهو اسم- مركب نصفه فارسي ونصفه الآخر عربي.. يمثل نموذجًا من وحدة الثقافة الإسلامية التي جعلت اللغة العربية تختلط مع جميع اللغات الإسلامية وتدخل في قواميسها.. حتى أصبحت كلها لغة واحدة أو اتحادًا لعدة لغات متقاربة.

عندما تجولنا في هذه المدينة لاحظنا أن الطابع الإسلامي والفارسي على الأخص واضح في مبانيها وطرقاتها ومجتمعها -حتى خيل إليّ أنني أتجول في شوارع طهران، وقال لنا أحدهم: إن لها علاقة وثيقة بإيران المجاورة؛ لأن الحدود التي تفصلها عنها لا تبعد عن هذه العاصمة إلا أربعين كيلومترًا فقط، ومع هذا فإن شعبها ينتمي إلى المذهب السني- بخلاف أذربيجان التي تقع غربها ويفصل بينهما بحر قزوين.

ورغم أن إقامتنا في تلك المدينة كانت قصيرة، إلا أننا ما كدنا نصلها حتى جاءنا «شيطان آخر» قال عنه صاحبنا: إنه من رجال الأعمال والمال اليهود هناك، وإنه لا يخفي صفته اليهودية ولا يكتم تعاطفه مع إسرائيل، بل يتباهى بذلك. ومع هذا أصر على أن يلتقي بنا ويتحدث معنا مجتمعين بحجة أن صديقه الذي التقى بصاحبنا في باكو أوصاه بأن يساعدنا.

كان حديثه أكثر توددًا وليونة مما نقله صديقنا عن صاحبه في باكو، فقد بدأ يثني على هذه البلاد وأهلها ويصف حبه لها وتعلقه بها، ويقول إن هذا الشعب يستحق المساعدة لأنه معرض للخطر الإيراني، ومن أجل ذلك فإن الأوروبيين والأمريكيين بل الإسرائيليين يجب أن يساعدوه - وكذلك المسلمون من أهل السنة الذين يخشون الخطر الإيراني.

قال أحدنا: أنت تهتم بمساعدتهم ضد الخطر الإيراني كأنه ليس هناك خطر روسي.. قال: بلى هناك خطر روسي ولكنه مستبعد الآن؛ لأن روسيا مشغولة بشؤونها ولا يحتمل أن تتدخل هنا.

قال أحدنا: ولكنها تدخلت فعلًا وشجعت الانقلاب ضد الحكم الوطني في أذربيجان ويقال إنها تشجع الشيوعيين في طاجيكستان وأوزبكستان.

قال: إني أخاطبكم باعتباركم عربًا ومسلمين من السنة، ولا أعتقد أنه سيكون لكم دور جدي في وقف المطامع الروسية.. ولكنكم تستطيعون أن تفعلوا كثيرًا لصد التوسع الإيراني.

قال صديقنا: إنك حدثتنا عن حبك لهذا الشعب ورأيك بأن يساعده الأمريكيون والأوروبيون والإسرائيليون ضد إيران وتسعى لكي يساهم المسلمون في ذلك.. فهل هذا المسعى سببه حبك لهذا الشعب وتعلقك به أم لأهداف أخرى؟

قال: أية أهداف تقصد؟!

قال صاحبنا: أقصد تمزيق الصف الإسلامي وإيجاد فتنة بين المسلمين يخسر فيها الفريقان لتستفيدوا كما حدث في الحرب الصدامية ضد إيران، ثم ضد الكويت..

قال: إن مبلغ علمي أننا لم نتدخل في تلك الحروب التي أشرت إليها وأن منكم أهل السنة -من العرب- من أشعل نارها ومازالوا يواصلون ذلك.. ولم يقتصر الأمر في ذلك على بعض السياسيين، وإنما كان هناك علماء كثيرون ومفكرون وكُتاب منكم مازالوا يهاجمون الشيعة وينذرونكم بمخاطر التوسع الإيراني ويحذرونكم من نمو قوتها العسكرية.. وأنا لم أزد على أني أؤيدهم في ذلك.

قال صاحبي: ولكنك نسيت أنكم تحالفتم مع الشاه وكنتم في صف إيران وحرضتموه على أن يهدد بعض الأقطار العربية.

قال: صحيح إننا تعاونا كثيرًا مع الشاه ولكنا لم نحرضه؛ لأنه هو كانت له مطامعه الشخصية، ثم إننا لم نتعامل معه باعتباره رمزًا للشيعة، بل كان في نظرنا ملكًا علمانيًا يريد تحديث بلاده والسير بها نحو النهج الكمالي الذي سارت فيه تركيا.. أما هذه الجمهورية الشيعية الإسلامية، فإننا لا يمكن أن نعاونها أو نتعاون معها، ونسعى لدى إسرائيل ويهود العالم كله لكي يتحالفوا مع السنة في معركتهم ضد الشيعة.

وهنا قال أحدنا: كأنك عندما تتكلم عن السنة، إنما تقصد هؤلاء الذين يسيرون على النهج العلماني أو اللاديني الذي بدأه أتاتورك في تركيا.. وقلت إن الشاه كان يسير نحوه ولذلك أيدتموه وتحالفتم معه.. وأنتم الآن تخليتم عن إيران لأنها رفضت العلمانية واللادينية وتريدون منا محاربتها لأنها ليست علمانية كما كان الشاه الذي تعاونتم معه. إنكم حينما تريدون التعاون مع السنة ضد إيران فإنما تقصدون بذلك السنة العلمانيين أو اللادينيين منهم مثل تركيا الكمالية ومن تسير على نهجها ويتجه اتجاهها العلماني مثل شاه إيران وبعض النظم العربية مثلًا..

قال: أنا أقر بأن كثيرين قد عاونوا صدام في حربه ضد إيران ومنهم إسرائيليون، وقد أثاروا ضجة إعلامية عما قيل عن بيع أسلحة إسرائيلية لإيران، وقصدهم بذلك إخفاء ما يقومون به لتشجيع صدام ومعاونته وتمكينه من أن يظهر في صورة الزعيم الوطني المعادي لإسرائيل، ولا نذكر أننا نفضله عن الإيرانيين الآن لأن له اتجاهًا علمانيًا..

قال أحدنا: معنى ذلك أنكم لا تريدون التعاون مع من يعارضون الاتجاه العلماني الكمالي أو البعثي من النظم العربية أو الإسلامية، ومن يسير على هذا النهج الذي يؤيده الاتجاه الإسلامي.

إننا لسنا نحن الذين نرفض التعاون مع هؤلاء بل هم الذين يرفضون التعاون معنا ويتهربون من الاعتراف بإسرائيل ويؤيدون المقاومة الإسلامية ضد إسرائيل التي تهدف لتدميرنا، فكيف نتعاون معهم إذا كانوا هم يصرون على معاداتنا؟

قال صاحبنا: أنت إذن واثق بأن العلمانيين واللادينيين أقل عداء لكم ممن يشجعون الاتجاه الإسلامي؟

قال: بلا شك.. إننا لا نتردد في التحالف معكم إذا كانت لنا مصلحة في ذلك. فأمريكا ساعدت الجهاد الأفغاني عندما كان يقاوم الغزو الروسي لأفغانستان لأن الخطر الروسي كان يهدد العالم كله، لكن بعد انهيار الاتحاد السوفيتي فإن روسيا الاتحادية أصبحت حليفة لنا الآن، فلم تعد لنا مصلحة في مساعدة الأفغانيين، وعليهم أن يواجهوا مشاكلهم وحدهم وسترى ما يفعلون. وكل ما فعلوه للآن هو الصراع فيما بينهم على السلطة -حتى ينصرف الشعب عنهم ويتجه إلى من يستطيعون التعاون مع أمريكا ومعنا- وأمريكا تعتقد أن لها الحق في ذلك لأنها عاونتهم في مقاومة الجيوش السوفيتية. فلماذا لا يستمر التعاون؟

ولا ننسى أننا وكلاء الأمريكان، فمن يتعاون معها لابد أن يتعاون معنا، وأول شرط من شروط التعاون هو ألا ينساقوا في طريق المزايدات الأصولية التي ساروا عليها في مرحلة المقاومة الثورية ضد الشيوعيين. إنهم يجب أن يعرفوا أن المرحلة الحالية هي مرحلة تعمير البلاد التي خربتها الحرب وتنمية اقتصادها لإطعام الشعب وتعويضه عن تضحياته في هذه المقاومة البطولية. صحيح أن المزايدات العقائدية والأصولية كانت مفيدة وضرورية لإشعال نار المقاومة باسم الجهاد الإسلامي، لكنها الآن تضرهم وتبعدهم عن التعاون مع من ساعدهم أثناء الحرب. إنهم إذا لم يفهموا ذلك فإن غيرهم سيفهمه جيدًا وسوف يتجه الشعب إليهم ويؤيدهم في سياسة التقارب مع أمريكا والتعاون معها.

ونحن وكلاؤها كما قلت.. ومن أهم شروط هذا التعاون في نظرنا.. ألا يتدخلوا في شؤون جمهوريات آسيا الوسطى وألا يؤيدوا من يعارضون حكامها الشيوعيين السابقين الذين يتعاونون معنا؛ لأنهم الآن في صفنا ولم يعودوا شيوعيين كما كانوا من قبل. إن أكثر ما يمكن أن يصلوا إليه هو أنهم لادينيون أو علمانيون، وهذا في صالحنا هنا.

قال أحدنا: معنى ذلك أن العلمانيين واللادينيين في العالم العربي الإسلامي كله هم حلفاء لكم كذلك.

قال: بلا شك.. صحيح أن بعضهم يتبعون سياسة المزايدة في عدائهم لنا لكنها مزايدات كلامية لا تزعجنا كما يزعجنا الذين يشجعون المقاومة الإسلامية ضد إسرائيل في الأراضي المحتلة. إن العلمانيين سواء كانوا من القوميين أو الاشتراكيين أو الشيوعيين السابقين في كل مكان هم حلفاؤنا في المدى الطويل. وسوف يزداد تقربهم منا وتحالفهم معنا عندما ينمو التيار الإسلامي ويطالب بحقه في ممارسة السلطة التي يتمتعون بها الآن في كثير من البلاد ولا يريدون التخلي عنها، عند ذلك لن يجدوا لهم حليفًا غيرنا.. ونكون جبهة موسعة ضد الإسلاميين خصوصًا أن إيران من مصلحتها أن تساعدهم ولو كانت مساعدة شفوية أو كلامية.

ونحن نخوف الحكومات في البلاد السنية من أي تعاون مع إيران ونوقع العداوة بينهم وبين إيران حتى يضطروا إلى أن ينضموا إلينا وبذلك نكون جبهة لإنقاذ العالم من الأصوليين الذين يمثلون الخطر الإسلامي الذي يهدد بقاء إسرائيل.. إن القضاء على هذا الخطر سيكون هدفًا مشتركًا لنا ولكم ومقاومته لصالحنا وصالحكم، ونأمل ألا تتهمونا بأننا الذين نغذي العداوة بين السنة والشيعة، فإنكم أنتم الذين أوجدتم العداء بين الشيعة والسنة طوال عهود تاريخكم منذ عهد الأمويين والعباسيين والعثمانيين، ولكنكم دائمًا تلقون مسؤولية عيوبكم وأخطائكم على أعدائكم.. وإذا كنت تريد أن تبرئ الأصوليين فقل لي يا سيدي: من الذي يقتل المسلمين الآن في كابول، ويهدد مستقبل أفغانستان؟ هل هم العلمانيون أم الأصوليون؟

وجم صاحبنا وهو يتململ لأنه ليس لديه جواب يشرفه ونظر إلينا واحدًا بعد الآخر فلم يبدر من واحد منا ما يشير إلى رغبته في أن يجيب على هذا السؤال المحير، فأشار إلينا إلى أن نقف عند هذا الحد لأن موعد السفر قد أوشك أن يفاجئنا!

والآن آمل من أحد من أساطين التيار الإسلامي إن كان لديه جواب عن هذا السؤال أن يسعفنا به لنكون على استعداد للجواب عنه في مقابلاتنا التالية مع الشياطين!


اقرأ أيضًا:

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2

4364

الثلاثاء 24-مارس-1970

فلسطين