العنوان ملوك الآخرة (10).. الرسول ﷺ يجسد الصفة
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر السبت 06-يونيو-2009
مشاهدات 60
نشر في العدد 1855
نشر في الصفحة 59
السبت 06-يونيو-2009
تناولنا في المقال السابق صفة اللين بأقسامها الثلاثة لين القول، ولين القلب، ولين المعاملة، ونذكر في هذا المقال شخصية الرسول الذي جسد صفة التواضع أيما تجسيد.
«آكل كما يأكل العبد»
هكذا يقول الرسول عن نفسه اكل كما يأكل العبد، وأجلس كما يجلس العبد ، إنه يمارس التواضع، ويمارس الانكسار بين يدي الله تعالى، ويخضع لله تعالى متذكرا أنه عبد حقيقي لله تعالى كما أنها ممارسة عملية للشكر على هذه النعم، ولا يميز نفسه على الآخرين، فهو الأصيل، وهو الرسول، وهو أحب الخلق إلى الله، وهو القائد ، ومع ذلك يقول أكل كما يأكل العبد .. الحديث يقول الإمام ابن القيم ، وكان لا يأكل متكنا والاتكاء على ثلاثة أنواع، أولهم الاتكاء على الجنب والثاني التربع والثالث الاتكاء على إحدى يديه، وأكله بالأخرى وكل مذموم (1).
اللهم أحيني مسكينا
روى الترمذي عن النبي قوله اللهم أحيني مسكينا وأمتني مسكينا واحشرني في زمرة المساكين يوم القيامة (٣) ، يقول الإمام المناوي . إنه لم يسأل مسكنة ترجع للقلة، بل إلى الإخبات والتواضع (1)، هكذا كان يتمنى أن يعيش، وأن يحشر يوم القيامة، ولو أراد الغنى والثراء لكان ذلك في متناول يديه، فقد خيره الله أن يكون ملكا له زهرة الدنيا، أو الآخرة، فاختار الآخرة ولو شاء لطلب من الله أن تتحول جبال مكة، بل جبال العالم ذهبا وماسا وما رد الله طلبه وما رد دعاءه، ولكنه فضل الآخرة، وفضل الرفيق الأعلى، وفضل أن يكون مسكينا في الدنيا، بل طلب من الله تعالى أن يحشره معهم يوم القيامة، وذلك الأمرين:
الأول: أنه يعلم مال المتكبرين يوم القيامة، حيث يقول :« يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر في صور الرجال يغشاهم الذل من كل مكان، يساقون إلى سجن في جهنم يسمى بولس»، تعلوهم نار الأنيار، يسقون من عصارة أهل النار طينة الخبال «٥»،قهو أخشى الناس من الله أن يكون مصيره مع هؤلاء المتكبرين.
الثاني: يقينه أن هذه الدعوة لن تصل إلى القلوب إلا إذا نزل الداعية إلى الناس وتواضع لهم، واحتك بهم، ومنحهم حبه الحقيقي، وأشعرهم شفقته واهتمامه وصبر على أذاهم، وقلة صبرهم، وجهلهم. بل إنه رفض المدح والثناء، مع أنه يستحقه فقال فيما رواه البخاري لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبد، فقولوا عبد الله ورسوله «٦»
غرف الجنة لمن ألان الكلام
هكذا كان الرسول يربي صحابته على المثال العملي الذي يجسده بهذه الصفة، ثم يذكر لهم ما أعده الله لمن يملك صفة اللين حيث يقول: « إن في الجنة غرفاً يرى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها، فقال الصحابي الجليل أبو موسى الأشعري : لمن هي يا رسول الله ؟ قال : لمن ألان الكلام، وأطعم الطعام، وبات لله قائما والناس نيام «٧».
فكانت الصفة الأولى التي استحق بها ملوك الآخرة هذه الغرف هي: «اللين»وليس هذا فحسب، بل إن الله سبحانه وتعالى تكريما لملوك الآخرة فإنه حرم النار على من يتصف بهذه الصفات.
فقال الرسول صلى الله عليه وسلم : حرم على النار كل هين، لين، سهل، قريب من الناس «٨». هل يوجد أعظم من هذا التكريم لمن اختار صفة الهون» مبتغيا بها وجه الله تعالى، وترك عن قدرة التجهم، والعبوس والخشونة، والاعتزال، والقسوة، والعبارات الجارحة، والتجريح واختار بدلا منها التواضع، واللين والرفق ليؤصل فيه صفات عباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا ؟
ويقتربون من الناس، ويختلطون بهم بغية دعوتهم إلى الله، وتقريبهم إليه متمنين أن ينالوا وسام الشرف الإلهي ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾ ( فصلت:٣٣) سائلين المولى أن يكونوا ممن يشملهم حديث تحريم النار على من اتصف بهذه الصفات.
---------------------------------------
الهوامش
(1) رواه أبو يعلى وصححه الألباني «ص. ج. ص «٧»
(2) زاد المعاد ١٤٨/١ . ط. مؤسسة الرسالة.
(3) رواه الطبراني وصححه الألباني (ص ج ص ١٢٦١)
(4) فيض القدير ۱۰۲/۲ ط. دار المعرفة.
(5) رواه الإمام أحمد، وحسنه الألباني«ص ج ص ٨٠٤٠»
(6) .متفق عليه.
(۷) رواه الإمام أحمد وابن حبان والترمذي وصححه الألباني «ص ج ص ۲۱۲۳۹»
(۸) رواه أحمد، وصححه الألباني «ص ج ص ٣١٣٥»
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل