العنوان السياسة الأمريكية تجاه القدس
الكاتب د. أحمد يوسف عباس
تاريخ النشر الثلاثاء 02-مارس-1999
مشاهدات 67
نشر في العدد 1340
نشر في الصفحة 38
الثلاثاء 02-مارس-1999
- لأول مرة في تاريخ القضية يعلن رئيس أمريكي عام 1993 م أن الأراضي التي احتلتها إسرائيل عام 1967 م أراضٍ متنازع عليها وليست محتلة.
- ظلت الولايات المتحدة تتبع سياستين تجاه القدس.. إحداها معلنة تنسجم مع الشرعية الدولية.. وأخرى فعلية يسودها الغموض وتتفق مع الطرح الصهيوني.
- السمة الواضحة في سياسات واشنطن تجاه المجموع العربي والإسلامي هي الإستخفاف بالرغم من إدراكها أن ذلك لا يحترم مصالحها الإستراتيجية بالمنطقة.
تشهد عملية تهويد القدس تناغمًا واضحًا بين التصعيد الحاصل في إسرائيل وما يجري على المستويين الرسمي والإعلامي في الولايات المتحدة، فاستمرار تنفيذ إجراءات تهويد المدينة ومحاولة قلع معالمها التاريخية والعربية والإسلامية على يد حكومة نتنياهو يقابلها في واشنطن تنسيق مدروس يأخذ منحى أبعد من الدفاع عن تلك الإجراءات وأخطر منها بكثير.
فقد أصبحت المعركة مفتوحة على كل الأصعدة، في القدس تقوم السلطات الإسرائيلية بعملية التهويد وفرض الأمر الواقع بقوة السلاح غير مهتمة بما صدر، وقد يصدر من قرارات إدانة أجمعت عليها دول العالم، وفي الولايات المتحدة- وهي الدولة الوحيدة التي خرجت عن الإجماع الدولي في قرارات الإدانة تلك- يقوم مؤيدو إسرائيل وأصدقاؤها سواء في الكونجرس أو في الإعلام بأدوارهم في تلك المعركة.
إن من المحزن رؤية واشنطن وهي تدعي حرصها على عملية السلام، إلا أنها في الوقت نفسه ترسل أكثر من إشارة لإسرائيل للمضي قدمًا في مشروعاتها الاستيطانية بالقدس الشرقية، ففي الوقت الذي كانت تتعالى فيه نداءات الشجب والاستنكار العربي والدولي لسياسات حكومة نتنياهو، وعدم التزامها بنصوص ما يسمى باتفاق السلام، كان وزير الدفاع الأمريكي وليم كوهين يطالب الكونجرس بمبلغ 1800 مليون دولار على شكل هبات لتمويل برامج عسكرية لإسرائيل، بهدف الإبقاء على تفوقها النوعي على دول المنطقة، ووصف الوزير الأمريكي إسرائيل في معرض تبريره لتقديم المساعدات العسكرية لها بأنها «واحة الديمقراطية في هذه المنطقة المضطربة، وحليفة الولايات المتحدة منذ أمد طويل»، وقال: «نحن ملتزمون بأمنها ورخائها التزامًا راسخًا»!.
والذي يتابع هذا الكم الهائل من المغالطات والتناقضات في الخطاب والفعل الأمريكيين تلاحقه مجموعة من التساؤلات الحائرة، والتي لا تجد لها بصدق إجابات مقنعة في خريطة التحركات السياسية العربية السائرة باتجاه التطبيع الرسمي مع إسرائيل.
فماذا يعني الموقف الأمريكي المعارض بشدة لاتخاذ أي قرارات دولية بإدانة إسرائيل في الوقت الذي تبدي فيه واشنطن امتعاضها لسياسات حكومة نتنياهو الاستيطانية بالقدس الشرقية؟!
وهل يمكن القول بعد تكرار الفيتو الأمريكي أن واشنطن تحظى بأي مصداقية في ادعائها بأنها الراعي الأمين لعملية السلام؟!
وهل يقبل الفلسطينيون- وهم يشهدون تعاطف المجتمع الدولي معهم- بمنطق أمريكا المتحيز جدًّا لإسرائيل، والقاضي بإلزامهم بالجلوس فقط مع الإسرائيليين، فيما يتعامل الطرف الإسرائيلي معهم بعقلية القهر، وسياسة الإملاءات، وأسلوب الجرافات؟
وهل بالإمكان التصديق بأن واشنطن تلعب دورًا غير دور «الخصم والحكم» ذلك الدور الذي يرسمه الساسة «الصهاينة» في الخارجية الأمريكية، ويمارسون به ضغوطًا مجحفة على الطرف الفلسطيني؟
وحتى يتسنى لنا فهم حقيقة الموقف الأمريكي من قضية القدس، لا بد لنا من مراجعة سريعة لاتجاهات السياسة الأمريكية عبر المراحل التاريخية المختلفة، والتي كانت تعكس- دائمًا- تحيزًا واضحًا لصالح إسرائيل وخططها الإستراتيجية لتهويد المدينة المقدسة.
الوضع القانوني
منذ منتصف القرن التاسع عشر، دأب منظرو الحركة الصهيونية على التأكيد لليهود- في مختلف أنحاء العالم- بأن هدف الصهيونية هو احتلال القدس وجعلها عاصمة لإسرائيل.. وعندما عرضت المشكلة الفلسطينية على هيئة الأمم المتحدة سنة 1947 م شغلت القدس حيزًا بارزًا منها، ففي قرار التقسيم رقم 181 الصادر في شهر نوفمبر من العام نفسه هناك نص على أن تدويل القدس هو أفضل وسيلة لحماية جميع المصالح الدينية بالمدينة المقدسة.. ولكن مع نشوب حرب 1948 م ضغطت القوات الإسرائيلية باتجاه القدس، واستطاعت تحقيق نصف الحلم الصهيوني، إذ احتلت 66,2 % من المساحة الكلية لمدينة القدس، ولكن البلدة القديمة وما فيها من مقدسات ظلت في أيدي العرب.. وأعلنت إسرائيل القسم الذي احتلته قواتها- أي القدس الغربية- عاصمة لها، أما القسم الشرقي من المدينة فقد ضمه الأردن، إلا أن المجتمع الدولي لم يعترف لا بإعلان القدس الغربية عاصمة لإسرائيل، ولا بإعلان أردني مماثل صدر بشأن القدس الشرقية سنة 1960 م، واستمرت الأمم المتحدة على تأكيدها للقرار 181 القاضي بتدويل القدس.. وكانت الولايات المتحدة قد رفضت الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، وظلت عند موقفها السابق المؤيد لمبدأ التدويل، إلا أن النظرة الأمريكية لقضية التدويل لم تدم طويلًا، إذ سرعان ما قامت إدارة ترومان بمعارضة هذا القرار لأسباب انتخابية.. وادعت بأن مضامينه ليست عملية بسبب غياب القوة التنفيذية القادرة على فرضه.
وفي سنة 1953 م نقلت إسرائيل مركز وزارة الخارجية من تل أبيب إلى القدس، ورأى إيزنهاور هذه الخطوة عملًا استفزازيًا، لذلك أبلغ طاقم السفارة بألا يطبق قرار الانتقال، ولكن بعد عام ونصف العام قام السفير الأمريكي بتقديم أوراق اعتماده في القدس، منهيًا بذلك قرار الإدارة السابق وظلت السياسة الأمريكية طيلة 19 سنة من 1948 م وحتى قبل حرب 1967 م مع «تدويل القدس»، إلا أن التعبيرات السياسية بقيت تتخبط أحيانًا كثيرة في تناقضات واضحة تبعًا لمزاجية الرئيس الأمريكي ووزير خارجيته آنذاك، ويمكن القول- بكل بساطة- إن سياسة واشنطن تحولت من تأييد الشرعية- ظاهريًّا- في الفترة (1948 – 1966 م) إلى العمل لتعطيلها بعد هزيمة سنة 1967 م، واحتلال ما كان باقيًا من القدس.
ولا شك في أن الفترة التي أعقبت حرب الأيام الستة من 1967 وحتى سنة 1992 م قد اتسمت بكثير من الغموض والتباين في المواقف الأمريكية تجاه القدس.. حيث إن واشنطن كانت تحرص ألا تثير مواقفها المنحازة للسياسة الإسرائيلية استفزازًا عربيًّا وإسلاميًّا تجاهها، وكانت تسعى للظهور بشكل المدافع عن الشرعية الدولية، إلا أن هذه السياسة لم تمنعها أحيانًا من اتخاذ مواقف تبدو فيها الدولة الوحيدة في العالم التي تدافع عن سياسات إسرائيل العدوانية بالمناطق المحتلة، فعندما قامت حكومة رابين- بعد انطلاقة «عملية السلام» في مدريد 1991 م- بالإعلان عن مصادرة 53 هكتارًا من أراضي القدس الشرقية لإقامة مجمع سكني لليهود ومركز للشرطة، آثار قرار المصادرة الرأي العام العالمي، ودفع العرب للتحرك، واتضح هذا التجاوب جليًّا عند مناقشة القضية في مجلس الأمن، حيث تبنت مشروع القرار- الذي كان معتدلًا- أربع عشرة دولة من دول مجلس الأمن، إلا أن الولايات المتحدة استخدمت حق النقض «الفيتو» لإيقاف العمل بالقرار.
وحسب اتفاق أوسلو الذي تمت المصادقة عليه في واشنطن سنة 1993 م، وبحضور الرئيس بيل كلينتون بقيت القدس من قضايا مفاوضات الوضع النهائي، وحسب الجدول الزمني للاتفاق فإن الحكم الذاتي- في غزة وأريحا- هو المرحلة الأولى للحكم الذاتي الفلسطيني، أما وضع القدس فسوف يبحث مستقبلًا مع مفاوضات الحل الدائم.
ويمكن القول- بكل بساطة- إن سياسة الولايات المتحدة قد تحولت من تأييد الشرعية الدولية- النسبي- في فترة 1948 م- 1992 م، إلى التنظير لشرعية جديدة قائمة على الطرح الإسرائيلي في عهد الرئيس كلينتون، ولكن الأصح أن الولايات المتحدة كانت تتبع سياستين في الوقت نفسه، سياسة معلنة رمزية تنسجم مع الشرعية الدولية، وسياسة فعلية يسودها الغموض، وتتفق عمليًّا مع الطرح الإسرائيلي، وقد أدت سياسة الغموض إلى تمهيد الطريق في اتجاه العلنية التي اتبعتها إدارة كلينتون، حيث تم تعليق الشرعية الدولية، وإيداع قرارات الأمم المتحدة في «المتحف السياسي»، بل إن مادلين أولبرايت- السفيرة الأمريكية السابقة لدى الأمم المتحدة، ووزيرة الخارجية الحالية- بدأت تصف تلك القرارات بأنها «تجاوزتها الأحداث»، لأنها «مثار للنزاع»، بينما سبق لسلفها جيمس بيكر، أن قدم للفلسطينيين رسالة تطمينات، تنص على «ضرورة عدم تقسيم القدس مرة ثانية»، وإقرار وضعها من خلال المفاوضات بعيدًا عن أرضية قرارات الأمم المتحدة، ما دامت عملية السلام مستمرة.
وربما كانت أهم خطوة قامت بها إدارة كلينتون لتكريس سياسة أمريكية متطابقة مع السياسة الإسرائيلية تجاه القدس، بعيدًا عن الإبهام والغموض، هي ورقة إعلان المبادئ الأمريكية التي صدرت بتاريخ 3 من يونيو 1993م، إذ تضمنت الورقة بيانًا صريحًا ينشر لأول مرة في تاريخ الولايات المتحدة، يعتبر أن الأراضي التي احتلتها إسرائيل منذ عام 1967م، هي أراضٍ متنازع عليها، وقد تم استبدال تعبير الرئيسين رونالد ريجان وجورج بوش بأن الاستيطان «عقبة أمام السلام» إلى مجرد «عامل تعقيد» في عهد الرئيس كلينتون!
أما أوضح موقف أمريكي بشأن القدس، فقد حدث عندما طلبت إدارة الرئيس بوش تأكيدات من إسرائيل بعدم استخدام ضمانات القروض الأمريكية في الاستيطان في الأراضي المحتلة، وإلا يتم خصم هذه المبالغ من القروض، ومع أن الولايات المتحدة امتنعت عن تقديم ضمانات قروض سنة 1991 م، كعقاب لإسرائيل على ما قامت به من عملیات استيطانية على أراضي الضفة الغربية، إلا أنه عندما حدث تغيير سياسي في صيف 1992 م بإسرائيل، وجاء رابين إلى الحكم خلفًا لشامير، تمت المصادقة على ضمانات القروض، وظل السؤال عما إذا كانت ستفرض أي عقوبات على البناء في القدس بدون جواب واضح.
الكونجرس.. وضغوط اللوبي الصهيوني
بتاريخ 9 من مايو 1995 م، قدم السيناتور روبرت دول، والنائب نيوت جنجريتش مشروعين عن قرار متطابقين في النص إلى الكونجرس، دعوا الإدارة إلى الشروع في أعمال البناء التمهيدية في موقف السفارة الجديد في القدس قبل نهاية سنة 1996 م، والالتزام بفتحها في موعد أقصاه 31 من مايو 1999 م، تحت طائلة تخفيض مخصصات البناء لوزارة الخارجية في العالم كله للسنتين الماليتين 1997 م / 1998 م، و 1998 م / 1999 م.
وبتاريخ 23 من أكتوبر 1995 م، أقر قانون نقل السفارة بعد إدخال تعديل عليه بطلب من الإدارة الأمريكية، ويقضي التعديل بتعليق مفعول القانون لفترات متتالية من ستة أشهر بطلب من رئيس الجمهورية إذا ما رأى أن مصلحة الأمن القومي الأمريكي تستدعي ذلك.
ومن الملاحظ أنه قد سبق للكونجرس عرض موضوع نقل السفارة من تل أبيب إلى القدس في عهد ريجان، إلا أن مشروع القرار واجه صعوبات جمة، ولم يتجاوز- لفشله- مرحلة النقاش على مستوى اللجان- واليوم- وفي عهد كلينتون يوافق مجلس الشيوخ وبغالبية ساحقة «93 صوتًا مقابل 5 أصوات»، وقد تضمن القرار اعتبار مدينة القدس مركزًا روحيًّا للديانة اليهودية، وأنها يجب أن تبقى غير مقسمة، كما ينبغي أن يتم الاعتراف بها عاصمة لإسرائيل!
وقد تضمن قرار الكونجرس تأكيدًا على ضرورة إقامة السفارة بالقدس، على أن يخصص مبلغ 25 مليون دولار للسنة المالية 1996 م، و 75 مليون دولار للسنة المالية 1997 م، لتغطية كلفة البناء، ويجب أن يقدم وزير الخارجية تقريرًا إلى الكونجرس كل ستة أشهر عن عملية سير عملية التنفيذ، وبعد التصويت بأغلبية مطلقة على هذا القرار، قال دول «الجمهوري»: إن هذا «يوم تاريخي» للكونجرس الأمريكي، اليوم الذي يعني أن سفارة الولايات المتحدة في القدس ستصبح أمرًا واقعًا، أما زميله «الديمقراطي» دانييل مونيهان فقد قال: إن مجلس الشيوخ يستعد لتصحيح سخافة قائمة منذ نصف قرن!
وفي يونيو 1996 م أعاد مجلس النواب «بأغلبية 406 ضد 17 صوتًا» تكرار قرار مجلس الشيوخ السابق، وأعلن مثله أن القدس «العاصمة الأبدية لدولة إسرائيل»، وحض إدارة كلينتون على تخصيص مبلغ 100 مليون دولار لتغطية كلفة بناء السفارة الأمريكية في القدس، وبالتأكيد فإن وقوف الإدارة ضد قرار الكونجرس الأخير بشأن نقل السفارة أمر يلقى الترحاب، لكن هذا الموقف يشير إلى أن قضية النقل هي مسألة وقت فحسب.
والمشكلة في نقل السفارة- حسب تعبير د. وليد الخالدي- أنها التعبير الفعلي للاعتراف، وأخذًا في الاعتبار إصرار واشنطن على قدس «موحدة» يبقى السؤال الأهم: بأي قدس ستعترف واشنطن؟ القدس الغربية أم القدس الغربية مضافًا إليها بلدية القدس «الأردنية سابقًا»، أم القدس الغربية مضافًا إليها بلدية «القدس الأردنية» سابقًا بالإضافة إلى حدود القدس الشرقية البلدية الموسعة، أم يضاف إلى ذلك كله الطوق الواسع من المستوطنات خارج البلدية في الضفة الغربية؟
عندما استعملت الولايات المتحدة مفهوم القدس غير المقسمة أول مرة، كان هذا المفهوم منسجمًا مع إصرار الولايات المتحدة على تطبيق قوانين الاحتلال بالحرب ومعاهدة جنيف، فهل ما زالت الحال على ما كانت عليه، أم أن دعم واشنطن اليوم لــ «وحدة» القدس يرمي من خلال التعمية إلى التغطية على تخليها عن موقفها المبدئي السابق؟
وأنا أقول «عبر التعمية» لأن واشنطن والعالم كله على علم بأن الوحدة الوحيدة القائمة بين شطري القدس اليوم قد جاء- مع الاختلاف في الظروف- عبر الضم العسكري على غرار ما فعله هتلر بتشيكوسلوفاكيا عشية الحرب العالمية الثانية.
إن المجرم الرئيس في هذا التعتيم من جانب الولايات المتحدة هو الكونجرس، الذي يسلك كأنه يمتلك تفويضًا سماويًّا للتصرف في مستقبل القدس دون الإلتفات إلى مشاعر مئات الملايين من المسلمين في جميع أرجاء العالم.. ويجري التعاطي مع المسألة وكأنها مادة أخرى مدرجة في جدول أعمال الكونجرس الداخلي، لكنها ليست ككل المواد الأخرى من هذا القبيل، إذ هي لا تمنح حتى مجاملة عقد جلسة لمناقشة عامة بشأنها.. وهكذا.
وفيما يتعلق بالقدس، فالعملية الديمقراطية في الولايات المتحدة معلقة، والمحاسبة العلنية تطرح جانبًا، وما يبقى لدينا هو سياسة تحاك خلسة في دهاليز الكونجرس، في مسألة تلامس هيبة أمريكا وصدقيتها عالميًّا، والتي إذا لم تجد لها حلًا، ففي إمكانها فعلًا أن تنذر بصدام الحضارات الذي يتنبأ به البعض.
ومما لا شك فيه أن إسرائيل عبر اللوبي الصهيوني، والقدرات الهائلة ماليًّا وتنظيميًّا للجالية اليهودية بالولايات المتحدة قد استطاعت أن تجعل «المستقبل السياسي» لأي عضو بالكونجرس مرهونًا بتحقيق مصالح إسرائيل وتأييد مواقفها السياسية المختلفة، وقد عبر صراحة عن ذلك عضو الكونجرس جيم موران، حيث أشار إلى أن رجال الكونجرس إن عارضوا مصلحة العرب بأصواتهم وقراراتهم فهم لا يخشون شيئًا، بينما قد يخشون الكثير من مخالفة ما يريده اللوبي الصهيوني لما لهذا الأخير من أثر على دعمهم ماديًّا وانتخابيًا لتحقيق مصالحهم السياسية.
خيارات الحل
منذ أن بدأت العملية السلمية والأفكار لم تنقطع حول خيارات الحل للمدينة المقدسة.. وقد تناولت هذه الأفكار العديد من الرؤى والاقتراحات التي يقع بعضها في إطار التأمل المعقول والواقع المقبول، والبعض الآخر لا يجسد حلًّا، ولكنه يحمل بذور تفجير لمشاكل أخرى ولو بعد حين.
ويمكن تتبع هذه الأفكار التي حظيت باهتمامات واسعة من المناقشة والحوار داخل بعض الدوائر الأمريكية الرسمية، وفي أروقة العديد من المحافل الأكاديمية والمراكز البحثية حيث تناولت مستقبل المدينة المقدسة من زاوية أن حل القضية الفلسطينية وإنهاء حالة الصراع العربي- الإسرائيلي إنما يأتي من خلال قيام دولة فلسطينية مستقلة أو كونفيدرالية فلسطينية- أردنية، أو فيدرالية- إسرائيلية- أردنية- فلسطينية، ويتم النظر للقدس- في ظل هذه التصورات- على أنها بشكل أو آخر الإشكال الأهم الذي يحتاج إلى معالجة خاصة قد تتفاوت فيها الرؤية بين حالة وحالة.
ففي حالة الدولة الفلسطينية المستقلة- مثلًا- تكون القدس الشرقية هي عاصمة هذه الدولة، أما في حالة الكونفيدرالية الفلسطينية- الأردنية فسوف تحظى القدس بشأن سياسي وديني متميز، وستكون أبوابها مفتوحة لجميع الطوائف الدينية.
وأي شكل من هذه الأشكال سيظل مرهونًا بحقيقة الاستقلال الفلسطيني وتطوره من وضعية الاستقلال المنقوص «الحكم الذاتي» إلى «حلم» الدولة ذات السيادة.
ويمكن استعراض بعض الأفكار دون الدخول في التفاصيل لمجرد معرفة ما يدور داخل أوعية التفكير الغربي سواء جاءت هذه الأفكار على ألسنة مفكرين وسياسيين عرب ومسلمين أو يهود و نصارى قاسمهم المشترك أنهم يعيشون بالولايات المتحدة، ويتداولون الحديث عن هذه الأفكار والمقترحات داخل الأروقة السياسية والأكاديمية والإعلامية الغربية:
1- عاصمتان في قدس غير مجزأة:
وهذا الاقتراح تقدم به السيد عدنان أبو عودة- الباحث حاليًا بمركز الدراسات الإستراتيجية والدولية (CSIS)-، وقد تم نشر هذا الاقتراح فيدورية «الشؤون الخارجية» سنة 1992 م.
وقد تضمنت مقاربة «أبو عودة» نظرة للمدينة باعتبارها منطقة يمكن تقسيمها إلى ثلاثة أجزاء... يقول أبو عودة إن من حسن حظ مشكلة القدس أن المدينة ثلاثة أسماء: القدس بالعربية، ويروشالايم بالعبرية، وجيروزاليم بالنسبة إلى باقي دول العالم، ويرى أن جيروزاليم هي المدينة المقدسة فعلًا والموجودة داخل السور القديم، والتي لن تعتبر ملكًا لأي دولة أو أي دين، بل ملكًا للعالم أجمع، ولأتباع الديانات الثلاث، وهكذا لن تبسط أي دولة سيادتها السياسية عليها.
ويرى «أبو عودة» أن العلمين الإسرائيلي والفلسطيني يمكن أن يرفعا على القدس ویروشالايم، أما جيروزاليم فستبقي من دون أعلام، لأن الأماكن المقدسة ستبقى رمزًا لقدسية المدينة ولأهميتها الروحية، ويمكن أن تدار من قبل مجلس يمثل أعلى سلطة في الأديان الثلاثة، وكل من هذه السلطات ستكون مسؤولة عن الإشراف والحفاظ على الأماكن المقدسة الخاصة بها، وتشارك على قدم المساواة في إدارة المدينة «جيروزاليم»... وفيما يتعلق بالهوية السياسية، فإن العرب سيكونون مواطنين فلسطينيين ويصوتون لمؤسساتهم الوطنية، واليهود إسرائيليون ويصوتون- كما هو حاصل حاليًا- في انتخاباتهم الوطنية، أما تفاصيل إدارة المدينة الروحية- جيروزاليم- فستترك للمفاوضات، وبخصوص المستوطنات اليهودية في القدس، فإنها ستخضع لنفس الحل الذي يتم التوصل إليه للمستوطنات الأخرى في الأراضي المحتلة.
2- دولة ثنائية القومية عاصمتها القدس:
وهو خيار ورد في سياق بحوث ومقابلات مع شخصيات أمريكية ذات أصول فلسطينية أمثال د. محمد ربيع، والدكتور إدوارد سعيد، وآخرين باعتباره الخيار الأفضل من وهم دولة فلسطينية منقوصة الاستقلال والسيادة، كما أنه سيمنح الفلسطينيين حق التنقل والإقامة على كامل التراب الفلسطيني.. وتمضي في الاتجاه نفسه الأفكار التي قدمها نورمان كورلاند والدكتور إسحاق هيسمان حول الاتحاد الفيدرالي للأرض المقدسة "(Holyland Federation"
3- دولتان وسيادة مشتركة على المدينة:
وهو اقتراح تقدم به المحامي «جون وايتبيك» الخبير في الشؤون الدولية وأسماء"(Jerusalem as Condominum" وينطلق من فرضية ضرورة إقناع الرأي العام الإسرائيلي بمكانة المدينة المقدسة لحياة كل من الإسرائيليين والفلسطينيين، وأيضًا بمركزيتها لكل المؤمنين من أصحاب ديانة التوحيد في العالم سواء أكانوا يهودًا أو نصاري أو مسلمين.. ولذلك، فإن المدينة لا بد من أن تخضع لمبدأ المشاركة، وأن النظر إلى المسألة من باب أن الغالب يأخذ كل شيء سيؤدي- حتمًا- إلى خسارة الجميع، وإن من الأسلم النظر إلى المسألة بطريقة أن نكسب معًا وإلا فإن الخسارة ستلحق بالإسرائيليين والفلسطينيين معًا.
ویرى وايتبيك أن السيادة على المدينة المقدسة لما لها من دلالات رمزية ونفسية «وجدانية» ودينية لدى الجميع، فسيتم التفاهم على سيادة مشتركة لقدس غير مقسمة، على أن تناط إدارتها البلدية الجهات إسرائيلية- فلسطينية تتحرك صلاحيات كل منها في مناطق الأغلبية لها.. وهناك- بالطبع- تفصیلات موسعة حول المتعلقات السياسية والدينية لكل منهما.
وحيث إن اتجاهات الرأي في الغرب بشكل عام- حتى اللحظة- تتعاطى الحديث عن إمكان قيام دولة فلسطينية مستقلة، فإن تناول أفكار حولالقدس في ظل الكونفيدرالية أو الفيدرالية يصبح غير ذي جدوى.
لا شك في أن هناك أطرافًا عربية وإسلامية تطرح بقوة خيار إسلامية القدس وعروبتها باعتبار أن الإسلام شكل عبر التاريخ عنصر استقرار للمدينة المقدسة، ولأن المسلمين- حسب رأي البروفيسور إسماعيل الفاروقي- يتعبدون لله بحب موسى وعيسى، ويشهد تاريخ المدينة المقدسة للمسلمين بأنهم أحسنوا الوفادة والجوار لغيرهم من اليهود والنصارى.
وهذا الرأي يجد له تأييدًا بين بعض القطاعات النصرانية في الغرب.
اللوبي الصهيوني.. ومعركة التهويد
إن المتابع لتطورات سياسة واشنطن تجاه القدس يجد أن إسرائيل قد استطاعت وبنجاح إدارة معركتها لكسب التأييد الأمريكي لسياساتها الاستيطانية بالمدينة المقدسة، وإبطال فاعلية القرارات الدولية المتعلقة بالوضع القانوني للقدس باعتبارها مدينة محتلة، وأن التهويد القائم على قدم وساق فيها إنما هو مخالف لاتفاقية جنيف الرابعة، وتعد صارخ على هيبة المنظمة الدولية وقراراتها التي تدين ذلك.
وربما يرجع هذا النجاح لجهود الجالية اليهودية وإمكاناتها المالية والإعلامية الضخمة التي استطاعت عبر لجان العمل السياسي (PACS)جمع ملايين الدولارات لإنجاح مرشحي الكونجرس المؤيدين لإسرائيل.. وقد استطاعت هذه اللجان توفير مبلغ 14 مليون دولار لدعم هؤلاء المرشحين في انتخابات 1994 م، وقد تجاوزت الأموال التي جمعوها لتمويل انتخابات الرئاسة والكونجرس عام 1996 م هذه المبالغ بكثير.
ويشير ريتشارد كيرتس مؤلف كتاب «لجان العمل السياسي الخفية» إلى أن اللجان المؤيدة لإسرائيل هي أكبر مساهم انتخابي مالي بين كل كتل المصالح على المسرح السياسي الأمريكي، ويوضح كيرتس أن معظم «لجان العمل السياسي» المؤيدة لإسرائيل أسسها أعضاء مجلس إدارة «إيباك» وهي اللجنة الأمريكية- الإسرائيلية للعلاقات العامة، والتي تعد أكبر أجهزة «اللوبي» الإسرائيلي ومركزها واشنطن.. وإذا أضفنا لما سبق قدرات الجالية على تفعيل الأصوات اليهودية وتوظيفها سياسيًّا- حيث إن أبناء الجالية اليهودية يشتركون في الانتخابات بنسبة 90 %، في حين أن نسبة بقية الأمريكيين لا تتجاوز مشاركتهم 47%، يتضح لنا أهمية الصوت اليهودي في أي معركة انتخابية سواء على مستوى الرئاسة أو الكونجرس.. وإذا أخذنا بعين الاعتبار هذه الحسابات لدى مرشحي الرئاسة والكونجرس لسنة 2000 م، فإن «أجندة القدس» ستكون عرضة للمزايدات السياسية، وسيكون مطلب التأييد لجعل القدس «العاصمة الأبدية لإسرائيل» ورقة الرهان لكسب أصوات الجالية اليهودية، ودعم لجان العمل السياسي المؤيدة لإسرائيل.. وحيث إن أكثر المؤشرات تتجه إلى أن «ال جور» المعروف بتأييده المطلق لإسرائيل سيكون هو الأوفر حظًا في انتخابات الرئاسة القادمة سنة 2000 م، فإن مشروع تهويد القدس الذي حققته إسرائيل- نسبيًا- على الأرض «سيتم» إنجازه سياسيًّا في عهد الإدارة الديمقراطية القادمة.
خاتمة وتعقيب
إن السمة الواضحة الآن في سياسات واشنطن تجاه «المجموع» العربي والإسلامي هي الاستخفاف وعدم المبالاة، بالرغم من إدراك الإدارة الأمريكية أن هذا الأسلوب من التعامل لا يخدم مستقبل علاقاتها ومصالحها الإستراتيجية بالمنطقة، وقد عبر كلينتون عن قلقه إزاء رد الفعل في العالمين العربي والإسلامي، وقال: «كنت واعيًا تمامًا للطريقة التي سينظر فيها إلى الولايات المتحدة من قبل شعوب العالم العربي بسبب الفيتو الأمريكي ضد القرار الخاص بالقدس»، ولكنه أضاف: «ولكننا استخدمنا الفيتو مع اعتراضنا على القرار الإسرائيلي».
إن الغصة التي تورمت بها حلوقنا أننا كنا ولازلنا عاجزين عن اتخاذ موقف موحد تجاه سياسات إسرائيل العدوانية، والتي ما كان لها أن تتمرد بهذا الشكل الوقح لولا الدعم الأمريكي السافر لها على كل المستويات السياسية والعسكرية والاقتصادية، والذي أشار إليه فرانسس لوينبرج في صحيفة «واشنطن تايمز» قائلًا: «إنه لولا الأموال الأمريكية التي تتدفق بغزارة على إسرائيل، لكانت أعلنت إفلاسها منذ زمن.. تلك الأموال التي تبلغ عشرة مليارات دولار سنويًا، وتمثل 20 % من الميزانية العامة للدولة العبرية».
المطلوب هو تعزيز التضامن العربي، وإصلاح ذات البين بين شعوب ودول المنطقة، وأن تضع القوى العربية والإسلامية والوطنية جهودها ووقودها في خندق الدفاع عن إسلامية القدس وعروبتها، والعمل الجاد لوقف عمليات التطبيع مع العدو الصهيوني، والحفاظ على نهج المقاومة والفعل الجهادي المقاوم للاحتلال الإسرائيلي، لكسر واجهات سياسة الاستيطان والغطرسة الإسرائيلية، وتوجيه رسالة واضحة إلى واشنطن بأن مصالحها الإستراتيجية بالمنطقة تتطلب انتهاج سياسات عادلة ومواقف متوازنة.
إن سياسة الانبطاح والهرولة والتدافع في اتجاه تطبيع العلاقات مع إسرائيل قد جعلت من العرب أمة تهون على الناس، وقد سبق أن قال سفاح صبرا وشاتيلا أرييل شارون: «إن الأحذية الثقيلة هي التي تصنع التاريخ، وإن العالم لا يأبه بالمذبوحين والضعفاء»، كتعبير على أن القوة هي التي تفرض الأمر الواقع، وإن إسرائيل ستفرض وجودها بالقوة والإكراه، وإن النداءات المتحشرجة للمنظمات الدولية لا تجدي مع الصلف الإسرائيلي.
إن تقليب النظر في حقائق السير الذاتية للشعوب والأمم تكفي للتأكيد على أن الحق إذا لم يجد له رجالًا مخلصين، وقوة تحمله وتحميه يضيع ولا يجد من يبكيه.
إن حال أمتنا إذا بقي على ما هو عليه من الفرقة والتشرذم، فإن إسرائيل ستظل ترتع وتتوسع دون رادع لها، وستظل كنانة الهيبة لأمتنا العظيمة فارغة إلا من بقايا نصال منفردة، لا ترد عاديًا، ولا تدفع باغيًا، ولا تبعث الرعب في قلب أحد من بني إسرائيل.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل