; الإسلام والكونجرس «55».. التقرير النهائي | مجلة المجتمع

العنوان الإسلام والكونجرس «55».. التقرير النهائي

الكاتب أحمد إبراهيم خضر

تاريخ النشر الثلاثاء 10-يوليو-1990

مشاهدات 68

نشر في العدد 973

نشر في الصفحة 50

الثلاثاء 10-يوليو-1990

تقرير الكونجرس حول الأصولية الإسلامية

وصلنا في الحلقات الماضية إلى عرض وبيان وتحليل كل ما جاء في اجتماعات ومذكرات وملاحق اللجنة الفرعية لشؤون أوروبا والشرق الأوسط التابعة للجنة الشؤون الخارجية بالكونجرس في دورتها التاسعة والتسعين، أثناء مناقشتها لما يعرف بقضية الأصولية الإسلامية والتطرف الإسلامي التي بدأت اجتماعاتها ظهر يوم 24 يونيو 1985، وانتهت عصر يوم الإثنين 30 سبتمبر 1985.

ولم نجد في مضابط الجلسات والمذكرات المرفقة بها تقريرًا نهائيًا أو توصيات مرفوعة إلى اللجنة الأصلية، ولهذا فقد قمنا بوضع هذا التقرير «من عندنا»، مفترضين أن لجنة أخرى قد شُكلت لصياغته تتكون من الأساتذة والخبراء ورجال الكونجرس الذين ناقشوا القضية ورفعته إلى لجنة الشؤون الخارجية. ويمثل هذا التقرير خلاصة آراء ومناقشات كل من تحدثوا وناقشوا القضية. وقد قسمنا التقرير إلى ثلاثة أقسام يتناول القسم الأول الأساسيات العامة في قضية ما يسمى بالأصولية الإسلامية، ويتناول القسم الثاني موضوع التنظيمات الإسلامية، أما القسم الثالث فقد خصصناه للاقتراحات والتوصيات.


أولًا: أساسيات عامة

لم تشغل الحركات الإسلامية وتنظيماتها الحكومة الأمريكية والشعب الأمريكي ورجال الكونجرس إلا بعد هذه الأحداث الإرهابية التي تسببت في قتل واختطاف العديد من الأمريكيين بالإضافة إلى الاعتداء على المواقع الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط. وقد ولّدت هذه الأحداث صورة مبسطة وسلبية في الولايات المتحدة عن الإسلام والمسلمين خاصة وأنه لم تكن هناك معلومات متوافرة وحقيقية عن هذه القضايا أمام المسؤولين والساسة الأمريكيين، ولهذا فقد خصصت استماعات هذه اللجنة لكشف الحقائق المتعلقة بالإسلام والحركات الأصولية الإسلامية والتطرف الإسلامي. وقد توصلت اللجنة إلى الأساسيات العامة الآتية:

  • أولًا: أن الإسلام جزء من ثقافة الشرق الأوسط والمناطق الإسلامية الأخرى وهو دين توحيدي له مصداقية عند المسلمين الذين يستخدمونه كوسيلة للفعل والتظاهر السياسي، ولهذا يجب عدم الحكم عليه في ضوء ما يجري من أحداث إرهابية، ولا يعني وجود الولايات المتحدة أو سياستها في منطقة ما أو بلد ما كراهية شاملة لها ولا يؤدي ذلك بالضرورة إلى ضرب مصالحها، ويجب أن يوضع ذلك في الاعتبار عند وجود تصور مؤداه أن الإسلام معادٍ لأمريكا.
  • ثانيًا: أن ما يلاحظ الآن على امتداد العالم الإسلامي ما هو إلا تجديد للإسلام في كل من الحياة العامة والشخصية للمسلمين وإعادة تأكيد لهويتهم الثقافية يتمثل في ممارسة الشعائر الدينية والتركيز على قيم الأسرة والأخلاق ومن ثم تأسيس مجتمع إسلامي. وهذا يتطلب بدوره تحولًا اجتماعيًا وفرديًا يتحقق بإيجاد حكومة إسلامية حقيقية تعمل بأسلوب تدريجي على تحقيق تغيرات فعالة من أسفل تقوم في جوهرها على تطبيق الشريعة الإسلامية.
  • ثالثًا: أن الإسلام قد ظهر كملاذ للمسلمين وكإيديولوجية ذات مصداقية بسبب الفراغ الذي ظهر بوضوح في الأيديولوجيات العلمانية وفي وسط بيئة سياسية تستخدم القمع ومحاطة بالفساد وبعدم العدالة. واستخدم المسلمون الإسلام ليس فقط كشعار معادٍ لحكوماتهم وإنما كبديل غير ملوث السمعة في جو يحكمه الفشل والفساد اللذان أصبحا سمة الحياة السياسية في العصر الحديث. وقد جذبت الأصولية الإسلامية الجماهير بمجرد أن عايشت هذه التغيرات العصرية وحاولت أن تحتفظ بطرق الحياة التي اعتادت عليها فوجدت في هذه الأصولية وعدًا بمنهج يتقي خطر تأثير الممارسات الغربية، ولهذه الأسباب تمسكت التنظيمات الأصولية بقوة مع بحث جماهير المسلمين عن حلول للمشكلات الحديثة.
  • رابعًا: بالرغم من أن الثورة الإيرانية قد فقدت بريقها في عيون الجماهير المسلمة التي لم تجد لهذه الثورة تجسيدًا اجتماعيًا وسياسيًا كانت تتوقعه، فإن قيامها في حد ذاته كان برهانًا ملموسًا ودرسًا واضحًا للذي يمكن أن يفعله المسلمون إذا ما تمسكوا بدينهم وأكدت لهم هذه الصورة أنه بإمكانهم هزيمة الغرب عبر قناة الإسلام فقط وليس عبر قنوات القومية والتغريب والمفاهيم الحديثة الأخرى. وقد عَرَّت هذه الثورة قيادات الأنظمة الحاكمة أمام شعوبها وأثبتت لهم أن قادتهم غير قادرين وغير مُعَدّين لمواجهة أعداء الإسلام وأنهم كانوا متحالفين مع هؤلاء الأعداء الذين أذلوا الإسلام والمسلمين لسنين طويلة.
  • خامسًا: إن الفهم الأمريكي للصحوة الإسلامية كان بطيئًا بسبب ما فُطِمَ عليه الأمريكيون من فصل للدين عن الدولة وهو مبدأ لا يعترف به الإسلاميون الذين يرون أن الإسلام طريقة حياة شاملة وأن الدين مرتبط بالسياسة والمجتمع. لم يتصور الأمريكيون أن هناك نموذجًا سياسيًا أو ثقافيًا يربط بين الدين والدولة بل اعتقدوا أن مثل هذه النماذج إن كانت قائمة فهي نماذج عتيقة وبالية. وهناك عامل آخر ساهم في بطء الفهم الأمريكي للصحوة الإسلامية وهو أنهم قد نظروا إليها من منظور قومي وتصوروا أنها ستغرق في بحر القوميات إلا أن الأحداث أثبتت عكس ذلك.
  • سادسًا: إن هذه الصحوة الإسلامية لم تتخذ بعد اتجاهًا عنيفًا، ولهذا يجب التمييز بين البعث الإسلامي والمتطرفين إسلاميًا. إن غالبية المسلمين تسعى إلى تأكيد هويتها الإسلامية إلا أن هناك أقلية متطرفة تحاول فرض وجهة نظرها من خلال وسائل متشددة ودكتاتورية. هذه الأقلية هي التي تهدد المصالح الأمريكية في صورة مباشرة قد تكون بالاعتداء على المواقع والأفراد الأمريكيين أو بتهديد القادة المسلمين الموالين للولايات المتحدة.
  • سابعًا: ليست الأصولية الإسلامية كيانًا واحدًا ولكنها خليط متعدد الأوجه من الأحزاب والمجتمعات ذات أهداف وبرامج ودوافع تخص كل منها. ونحن لا نشهد طوفانًا ضخمًا يَلهمه الدين عبر الشرق الأوسط لأن هناك القليل الذي تشترك فيه هذه الحركات الإسلامية بالرغم من ادعاءاتها بأنها تتجمع حول الإسلام. وتشترك جميعها في الإحساس بفشل الأنظمة السياسية والاقتصادية والاجتماعية القائمة وفي رفض الغرب والبحث عن هوية ومصداقية في الإسلام الذي يمدهم بإيديولوجية متكاملة مكتفية ذاتيًا سواء على مستوى الدولة أو مستوى المجتمع وأنها بديل صادق عن القومية والعلمانية والرأسمالية.
  • ثامنًا: ليست للاختلافات في المذاهب أو الموقع أي تأثير هام على وجهات نظر الأصوليين فبالرغم من أنهم يعيشون في مناطق مختلفة من العالم في غرب إفريقيا والشرق الأوسط ووسط آسيا وجنوب شرقها فإنهم يسعون إلى تحقيق نفس الأهداف وهي تطبيق الشريعة المستندة إلى القرآن والسنة بما فيها نظام الحدود والضرائب والدرجة الثانية لغير المسلمين والحرب ضد غير المسلمين وتحقيق الانسجام بين الحكومات الإسلامية وفي النهاية وحدة كل المسلمين تحت إمرة حاكم واحد. والاختلافات بينهم مركزة في مسألة الالتزام، بعضهم يعيش بطريقة عادية ويسير بأفكاره بأسلوب علمي والبعض الآخر تستغرقه النظرة إلى المجتمع في ظل المبادئ الإسلامية، وهؤلاء الأخيرون ثائرون ولن يسمحوا لحكوماتهم بالبقاء طويلًا، فهم يهاجمون سياستها لأنها لا تتطابق مع الشريعة ويرجعون فشل هذه السياسة وما تعانيه البلاد من فقر وهزائم عسكرية وعدم عدالة وعدم مساواة وانحلال خلقي إلى بُعد الدولة عن منهج الله ويصرون على تحقيق أهدافهم ويستخدمون العنف بصورة غير متوالية.
  • تاسعًا: لن يخرج الأصوليون من الساحة وسيبقى تشددهم حيًا بسبب هذه العوامل الممتزجة مع بعضها البعض مثل التناقضات الاجتماعية السائدة في بلادهم وفساد نُظم الحكم القائمة وركود عملية السلام مع إسرائيل وتصرفات إسرائيل وتأييد الولايات المتحدة لها.
  • عاشرًا: سوف تستمر هذه الأصولية معنا لفترة طويلة من الزمن وسوف تستمر بقوة في صياغتها لسياسة الشرق الأوسط مؤثرة على تعاملاتنا مع المسلمين، وهي بصفة عامة ظاهرة مستمرة ذات طبيعة دائرية تظهر وتختفي وتدور من سكون إلى حركة بفواصل زمنية من خمسة عشر إلى عشرين عامًا. ولا تعني فترة السكون التوقف الفعال للإسلام كقوة دينية سياسية. ويعيد هذا البعث إظهار نفسه بصورة أشد مما هي عليه مما يهدد استقرار النظام القائم ويتحدى حلفاء هذا النظام في الخارج.
  • حادي عشر: لا يمكن حصر المد الإسلامي داخل حدود معينة لأن أي نجاح يحققه المسلمون في بلد ما يتردد صداه في كل دول العالم الإسلامي من المغرب إلى ماليزيا إلى الفلبين وحتى في الاتحاد السوفييتي.
  • ثاني عشر: يعادي الأصوليون الولايات المتحدة بسبب ضمانها لوجود وحدود وأمن إسرائيل. ولا يعني حل المشكلة الفلسطينية حل مشاكل الأصوليين مع الولايات المتحدة كما لا يمكن للولايات المتحدة أن تبيع إسرائيل برضا الأصوليين لأن هذا الرضا لن يتحقق أبدًا فقائمة شكواهم غير محددة وتمتد إلى ما يقوم عليه المجتمع الأمريكي من قيم، وطالما أننا لا نستطيع أن نغير من طبيعة مجتمعنا وقيمنا فإننا سنظل مبغوضين منهم حتى لو عملنا على استرضائهم بتغيير سياستنا تجاه إسرائيل والقضية عند الأصوليين ليست حدود إسرائيل وإنما وجود إسرائيل. وتعني القدس عند المسلمين الكثير وهم لا يفهمون وضعها في ضوء مبدأ سيادة الدولة كما يعرفه الغرب في القانون الدولي. إن القانون الإسلامي لا يعترف بذلك وما يفهمه المسلمون هو أن هناك دولة أجنبية ودينًا آخر يسيطر سيطرة كاملة على القدس وهذا أمر غير مقبول لديهم تمامًا.

يتبع.

 

الرابط المختصر :