; رسَالة من مسلم جَديد | مجلة المجتمع

العنوان رسَالة من مسلم جَديد

الكاتب عرفات كامل العشي

تاريخ النشر الثلاثاء 21-فبراير-1984

مشاهدات 75

نشر في العدد 659

نشر في الصفحة 49

الثلاثاء 21-فبراير-1984

هذه ترجمة لرسالة وردت من مهتد جديد إلى الإسلام تتضمن أمورًا لا بد من الوقوف أمامها وتأملها جيدًا، يبدأ الأخ رسالته بقوله: 

لقد مضت ثلاثة أشهر على آخر حديث دار بيننا، وقد ذهبت إلى لندن وعدت بعد أن برئت من السرطان، لفترة معينة على الأقل. وقد سار كل شيء على ما يرام والحمد لله. 

ثم يتحدث عن بحوث أجراها عن الحركات الإسلامية في العالم فيقول: لقد أجريت أكبر قدر ممكن من البحوث بقدر ما تسمح به المعلومات التي توفرت لدي، وقد اكتشفت أن الحركة الإسلامية في العالم نشطة جدًا، ولو أراد المرء أن يقوم بأبحاث في هذا المجال فإنه بوسعه إصدار مؤلف ضخم عن الجماعات الإسلامية في كافة أنحاء العالم بما في ذلك المجموعات الصغيرة، وأعتقد أن من العبث أن أبدأ حركة إسلامية في الولايات المتحدة أو في أوروبا. فما تحتاج إليه هذه المجموعات هو مزيد من العاملين في ميدان الدعوة. وباختصار أعتقد أن على الجماعات الإسلامية والجامعات أن تقوم بإعداد المبشرين والدعاة- معذرة لاستعمال كلمة مبشرين، كما أن كلا من الأخ اشتياق أحمد وعبد الله يمكن الإفادة منهما كدعاة لأنهما مسلمان جيدان فيما أعتقد، ولكنهما لا يعرفان كيف يقدمان خدماتهما، فهناك حاجة إلى مكتب مركزي للدعوة، وربما كان مثل هذا المكتب موجودًا بالفعل في الوقت الحاضر، المهم أنني سأواصل بحوثي في هذا المجال الهام.

ولعل من المناسب هناك قبل أن نمضي في بسط رسالة هذا المسلم الجديد أن نعلق على الفقرة السابقة منها، فهي إذن رسالة من رجل أصيب بمرض السرطان، ويرى منه بصورة مؤقتة، كما أن الملفت للنظر أن كثيرًا من الذين يسلمون يحسبون -على فرض حسن النية في ذلك- أنهم بمجرد أن يعتنقوا الإسلام فقد أصبح من حقهم التصرف وكأنهم من كبار المفكرين المسلمين الذين لهم آراؤهم في مجال الدعوة والفكر الإسلامي، وقد يكون في ذلك جانب صحي يدل على حماس المهتدي الجديد لخدمة إسلامه والدعوة له، ولكن الخطورة الشديدة تكمن في أن هذا الأخ الجديد يفعل ذلك قبل أن ينضج فهمه للإسلام، فتظهر رواسب من أفكاره السابقة ضمن أبحاثه وتفكيره فالحماس مع نصف الفهم أو الجهل أمر خطير للغاية. 

أذكر أنني لقيت أنموذجًا من هذا النوع من المهتدين الجدد، رجل في الخمسين من عمره جاء من المكسيك وأخذ يدعو إلى وحدة الأديان ظانًا أن هذه هي دعوة الإسلام الحقة، وكان ضمن ما قاله إن مثل الأديان في سعيها للتقرب إلى الله كمثل أقوام مختلفين تسلقوا جبلًا من جهات عديدة حتى بلغوا القمة في النهاية، ثم علق بقوله: وليس المهم في كيفية الصعود أو طريقته وإنما المهم أن نصل إلى القمة وهي التقرب إلى الله.

وهذا فكر خطير حقًا. لأن الدعوة إلى توحيد الأديان دعوة ماكرة خبيثة يقف وراءها اليهود ليدخلوا في هذا الدين ما ليس منه، وقد ندد القرآن الكريم بمثل هذه المحاولة من قبل.

فلا مساومة إذن في الحق ولا مجال للتقارب على حساب الحق الصريح، فالحق والباطل لا يلتقيان أبدا.

كما أننا نلمس نبرة من اليأس والتشاؤم منذ مطلع الرسالة وذلك لإحساس مرسلها أنه معرض للإصابة بالسرطان من جديد في أية لحظة. اقرأ معي ما يقوله عن الحركة الإسلامية في أمريكا وأوروبا. إنه يقول: ولكن الحركة الإسلامية في أمريكا وأوروبا تحمل تشابهًا ضئيلًا بالإسلام كما هو مطبق أو مفهوم في أي بلد مسلم. وليس معنى ذلك أنها أفضل أو أسوأ وإنما معناه أنها مختلفة. والمختلف ليس بنفس القدر من الجودة على كل حال.

وهنا لا بد من تعليق سريع كذلك، فليس صحيحًا أن الحركة الإسلامية في أمريكا أو أوروبا مغايرة في تطبيقها وفهمها للإسلام لما عليه المسلمون في العالم الإسلامي، فالدعاة إلى الله في أمريكا أكثرهم من أبناء المسلمين المهاجرين، وهم يعرفون الإسلام تمامًا كما تلقوه في بلادهم الأم على مذهب أهل السنة والجماعة، ولكن إحقاقًا للحق أن هناك بعض الفئات المنتسبة إلى الإسلام في أمريكا أو أوروبا تصدر منها انحرافات فكرية.

ولكن هذه الانحرافات بدأت تصحح بجهود العاملين المخلصين، والتصحيح لا يتم بين عشية وضحاها، بل يحتاج إلى وقت كافٍ حتى يحل محله في الفكر والواقع سواء.

نعود إلى رسالة المسلم الجديد الذي يمضي في رسالته قائلًا: إنني أشعر بالإثم لأنني أفهم الإسلام بصورة تغاير كثيرًا، فهم كثير من المسلمين الذين أكن لهم كل إعجاب، فلا يعجبني على الإطلاق تصرف كثير من المسلمين. لقد أصبحت مسلمًا بفضل قراءاتي لا بسبب ما شاهدته في المجتمع المسلم. وأعتقد أن أداء آلاف الركعات من الصلاة أو أداء مناسك الحج أو صيام أيام وأسابيع كل ذلك لا يساوي شيئًا أمام المعاملة السيئة للناس. فالناس اليوم- يعني المسلمين- قساة تجاه بعضهم بعضًا. وهل من قيمة لآلاف الخطوات إلى المساجد حين نجد هذا المشاء إلى المسجد يدفع الناس ويخرجهم عن طريقهم؟

وهذا هو أخطر جزء من الرسالة في نظري، فنحن كمسلمين مدعوون دائمًا أن نكون قدوة حسنة أمام الناس، وأن ندعوهم إلى الإسلام بأعمالنا قبل أقوالنا. وإن يرى الناس قرآنا يطبق بينهم قبل أن يتلى، لذلك فالمسلم يدعو ربه قائلا: «اللهم لا تجعلنا فتنة للذين كفروا، إلا أن الصورة ليست بالقتامة التي يصورها هذا الأخ».

 فهناك الكثير من المسلمين الذين يطبقون الإسلام في واقع الحياة، وهم في ازدياد والحمد الله، والمدرسة القرآنية تخرج لنا في كل مكان نماذج طيبة كل يوم من هؤلاء، ومع اعترافنا بوجود النماذج الأخرى التي تصد الناس عن دينهم نقول إن المسألة لا تتم بسرعة ولا بد من مرور زمن حتى تتغير الأحوال إلى الأفضل. 

ولا يسعني إلا أن أوافق مع الأخ إن الدين هو حسن الخلق، وإن خير الناس أنفعهم للناس كما علمنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

ويمضي الأخ الجديد في رسالته قائلا: 
هل تصدمك هذه الأفكار؟ أمل أن لا يكون الأمر كذلك. فأنا لا أملك إلا أن أكون ثمرة حضارة تركز على السلوك أكثر من اهتمامها بالطقوس والنوايا.

علينا أن نعمل ولو قليلًا كل يوم. والعمل مخيب للأمل، فكل تصرف شخصي أجده نتيجة لسلوك مسلم يملك السلطة ويتصرف بطريقة غير إسلامية نحو مسلم آخر. لقد بدأت أحس أن الإنسانية عبارة عن تجربة فاشلة. قال لي صديق منذ سنوات مضت إنه لو كانت لديه صلاحية لرش العالم برذاذ منظم للنسل، وأعطى الإنسانية جيلًا جديدًا يحقق لها ذاتها. وكما قال قسيس كاثوليكي: إن الدنيا هي المكان الذي أرسل إليه سكان الكواكب الأخرى كافة المجانين الذين لا أمل في شفائهم.

لا يا أخي، ليس الأمر بهذا السوء، بل لا بد من التفاؤل. وكما قال أحد المخلصين: علينا أن نشعل شمعة بدلا من أن نلعن الظلام. ورحلة الألف ميل تبدأ بخطوة. والمسلمون اليوم بخير والحمد لله، وما عليهم إلا أن يمضوا في الطريق الصحيح. ويكفي أن نجد هذا الأخ المسلم نفسه يقول عن نفسه: لابد إنني في حالة نفسية عفنة هذه الليلة.

حتى تعرف السبب الذي دفعه إلى هذا التشاؤم. 

هذا نموذج من تفكير المسلم جديد نعرضه هنا للعبرة والعظة والله الموفق لكل خير. 

الرابط المختصر :