العنوان الزمنيون
الكاتب د. إيمان الشوبكي
تاريخ النشر السبت 01-أغسطس-2015
مشاهدات 61
نشر في العدد 2086
نشر في الصفحة 74
السبت 01-أغسطس-2015
"الإنسان المستقبلي" يسهل عليه حل المشكلات لكنه يكون مهموماً بالقادم
"اللحظيون" أناس يعيشون اللحظة ويرغبون في الاستمتاع بها وأخطر ما يواجه هؤلاء عدم التخطيط للمستقبل
"الماضيون" يبدون حكماء لكنهم يخافون المغامرة ولا يتقدمون خطوة إلا بحسابات كثيرة تجنباً للإخفاق
كانا ينتظرانني بالمكتب، دخلت عليهما قائلة: لقد تأخرت قليلاً عن موعدكما.
قال: لا عليك، لكل منا ظروفه.
قالت: ولقد وصلنا اعتذارك وتأخرك عن الحضور بعض الوقت.
قلت: لقد كنت مع إحدى صديقاتي في أزمة وطال بي الوقت معها حتى أقنعها بما أحدثكم عنه اليوم.
قال: أزمة! مشكلة! هكذا من أول اللقاء؟ وفي آخره ماذا سيكون إذاً؟
قالت ضاحكة: العبرة بالنهاية فلا تتعجل.
قلت: نعم فعلاً العبرة بالنهايات والنتائج التي يحصدها الإنسان من كل موقف يمر به ولا يقف عنده كثيراً، بل يقف على نتائجه التي تشكل حصناً له من الوقوع في مثله ثانية.
قالت: لكن الإنسان لا يستطيع تخطي الماضي بسهولة، بل تؤلمه لحظاته جداً، ولا يستطيع التخلص من آثاره وتبعاته إلا بعد طول وقت.
قلت: أنتِ وحدك من تستطيعين أن تتخلصي من أدران الماضي، ولو حاول أحد حمل أعباء أو أي أثر مؤلم عنك ما استطاع.
قال: كيف؟
قلت: أكثر ما يستطيعه أن يحفزك على انتزاعه بنفسك ويدفعك ويحمسك لطرده من داخلك، ولكي يبقى قرار التنفيذ الفعلي بيدك أنت وحدك.
الإرادة
قال: لكن يحتاج ذلك إلى إرادة.
قلت: بالتأكيد كل عمل أو سلوك نقوم به يحتاج منا إلى دافع أو محفز ثم إرادة ثم فعل بإذن الله.
قالت: لكن لماذا بعض الأمور تكون سلسة التنفيذ وبعضها ليس كذلك؟
قلت: لأن الناس يختلفون من حيث الإرادة؛ وبالتالي مستوى الفعل والاستمرار عليه.
قال: فقط؟
قلت: لا، بل في اتجاه التفكير نحو المستقبل أو الحاضر أو الماضي.
قالت: من أفضلهم؟
قلت: سؤال ليس سهلاً.
قال: دعينا نفهم ماذا يعني ذلك أولاً؟
قلت: لكل منا طريقة تفكير يترتب عليها اتخاذ القرار، فتفكير بعض منا يكون لحظياً، وبعض منا ماضياً، والبعض الآخر مستقبلياً.
الإنسان المستقبلي
قلت: قبل أن تكرر السؤال، نحن نحتاج الثلاثة كلاً في وقته وحسب الموقف، إلا أن الإنسان المستقبلي المفضل لأنه ينتقل في الأزمات أو المواقف إلى الخطوات المستقبلية المتمثلة في سؤال دائماً.. ماذا بعد؟
فيسهل عليه إن كانت مشكلة أن يحلها، وإن كانت أموراً عادية كالمستقبل دائماً أمام عينيه، لكن هذا الشخص يعاني دائماً الخوف من المستقبل، ويجهد نفسه في التخطيط وفي كيفية تحقيقه، بل ويكون مهموماً بالقادم دائماً، فالنظرة والخطاب المستقبلي يغلب على حواراته.
اللحظيون
أما اللحظيون، فهم أناس يعيشون اللحظة، ويرغبون في الاستمتاع بها وبوقتهم، فجل اهتمامهم كيف يستغل وقته في إمتاع نفسه ومن معه، وإن لم يجاره من حوله ينفرد بنفسه باحثاً عن بديل يشاركه اللحظة ويفهمه ويقدر طريقة تفكيره ومعيشته، لكن أخطر ما يواجه هؤلاء عدم التخطيط للمستقبل طويلاً، فهو يعيش اللحظة بكل تفاصيلها، بكل ما يملك، حتى لو يؤدي ذلك لإفلاسه أو خسارة أي شيء حتى وظيفته، المهم أن يعيش اللحظة، أينما وجدها وجد المتعة وسعادة الدنيا، ثم إنه متقلب المزاج؛ في لحظة يعيش الألم وفي لحظة يعيش السعادة، يظل يبحث عن استمتاع جديد دائماً في حياته وفي عمله الذي يحبه ويجد نفسه فيه، فيتعب من أجله ويخطط له طالما أنه يحقق له شعور المتعة والسعادة؛ لذلك تجدهم أكثر ما يتنقلون من عمل إلى عمل، ومن وظيفة إلى وظيفة مع أنه بارع، لكن فجأة يترك المكان بدون سبب وجيه أحياناً، فهم لا يحبون الحزن ولا الكلام في الماضي المؤلم، مع أنهم يخزنونه في عقلهم الباطن، لكن لا يريدون تذكره أبداً، يلقونه وراء ظهورهم ولا حتى يتعلمون منه، وهذه مشكلة على عكس الماضيين الذين يتعظون من كل تجارب مرت بهم.
الماضيون
فالماضيون لا ينسجمون إلا مع الذكريات الأليمة والمفرحة، وإن كانت الأليمة لآثارها الباقية هي من تطغي على أحاديثهم الخاصة، لو فتح قلبه يتحدث عما عانى في حياته وأيامه، مع أن الآخرين قد يكونون أكثر منه ألماً، لكنه يضخِّمها ويتعايش معها، ليس من أجل التعلم منها وتجنب الوقوع فيها فحسب، فكل ما يمثل ذكرى فهو مقدس عندهم، يحتفظون بكل ما يتعلق بالتواريخ والأحداث والهدايا والمواقف، فهو موسوعة أحداث تاريخية.
ويبدو هؤلاء أنهم حكماء، إلا أن بعضهم يخافون المغامرة، ولا يتقدمون خطوة فيما هم عليه إلا بحسابات كثيرة تجنباً للإخفاق، هم ليسوا مغامرين كاللحظيين، لكن حياتهم أمان نوعاً ما؛ لأنه لا يكرر الخطأ؛ لأن الماضي بتجاربه يحذره والأحزان دائماً تؤلمه.
قاطعةً كلامي قائلة: هل نمتما، أم تفاجأتما من الكلام؟
قالت: أنا أخذت أطبق كل ما ذكرته على أشخاص، وأتابع معك خطوة بخطوة تطبيقاً عليهم حتى أصل للنهاية، وبالفعل مر بي شريط الآن بهذه الشخصيات الثلاثة.
قاطعها: وأنا كذلك، لكن هناك التباساً بسيطاً عليَّ في إيجاد الشخصيات الثلاثة بالضبط، ولقد استطعت أن أحدد نفسي منهم.
قلت: نعم؛ لأن بعض الأشخاص يحملون سمات هذا مع ذاك، فتختلط السمات لتخرج مزيجاً.
المستقبل.. والشخصيات الثلاثة
قال: لكن ألا تفرض الأمور نفسها على الإنسان أن يفكر في المستقبل رغماً عنه؟
قلت: نعم، كلامك صواب، لكن الماضيين يجرهم دائماً الماضي للحديث فيه، كأسباب المشكلة أو الأزمة ومَن وراءها؟ ولماذا؟ ومن؟ وأين؟ كلها علامات استفهام ترهقه وتستغرق جل تفكيره، ويخرج من الماضي لحل المشكلة أو التصرف في الموقف، ثم يعود سريعاً للماضي وأسبابه، ومن المتسبب.. ولو.. وكان.. والمفروض أنه.. وهكذا.
أما المستقبلي فلا يمكث كثيراً في هذه المنطقة المعتمة المظلمة، فمعظم تفكيره في كيف يخرج من الأزمة؟ وماذا يجب عمله الآن؟ وما الخطوات؟ وإلى ماذا سيؤدي فيما بعد؟ وهكذا.
قالت: وأين اللحظيون من ذلك؟
قلت مازحة: واضح أنك منهم، لا يبحث ولا ينبش في الماضي كثيراً؛ لذلك هو لا يحب العتاب والحساب ممن حوله أو منه لهم، فهو يلجأ للحل السريع الذي يحقق زوال هذا الحزن بأي شكل وبسرعة، بغض النظر عن تبعات ذلك أو ماذا سيؤول إليه الحل، وهو والحظ معه إن أصاب كان خيراً، وإن لم يصب فينتقل لحل ما ورط نفسه فيه بحل آخر قد يورطه أيضاً أو العكس يزيل الأثر وتحل المشكلة.
قال: وما العمل إذاً يا دكتورة؟
قلت: ما ذكرته لكما، وعلى كل منكما أن يحدد من أي صنف هو حتى يتوخى الحذر من هشاشة ما به معالجاً له ومعذراً من حوله إذا لاموه في شيء، ولا يعتبره انتقاداً أو كرهاً أو عدم قبول، وليدعم أركان شخصيته للاستفادة منها جيداً، وليعلم كل زوجين تصنيف الطرف الآخر حتى يتفقا على معالجة هذه النقاط مع بعضهما بعضاً، وليتجنبا الوقوع في خلافات كثيرة جداً بسبب المنطقة الزمنية في التفكير هذه، وهي إما المعتمة (الماضيون)، أو المضيئة (المستقبليون)، وأخيراً البراقة (اللحظيون).
وإلى لقاء آخر في تصنيف آخر نضعه لشخصياتنا كالخريطة نهتدي بها في تعاملاتنا مع الآخرين لنصل لتواصل أفضل وحياة أسعد.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل