; النسخة الحديثة من النظام العالمي | مجلة المجتمع

العنوان النسخة الحديثة من النظام العالمي

الكاتب ثاقب أعوان

تاريخ النشر السبت 13-أكتوبر-2001

مشاهدات 66

نشر في العدد 1472

نشر في الصفحة 26

السبت 13-أكتوبر-2001

الحرب على «الإرهاب» مثل «الحـرب الباردة» وكشمير المحطة الثانية بعد طـالبان

هبطت القوات الأمريكية على أراضي طاجكستان وأوزبكستان ولأول مرة تسمح الحكومة الهندية بهبوط الطائرات الأمريكية على أراضيها، كما أن التحالف الشمالي المعارض في أفغانستان الذي لم يكن محل اهتمام الولايات المتحدة يعرض خدماته على الجيش الأمريكي!.

قبل خمسة أسابيع كانت تلك التطورات تبدو غير محتملة، بل مستحيلة، لكن بعد الحادي عشر من سبتمبر، تغير العالم الدبلوماسي فالدول الحليفة للولايات المتحدة تغيرت والأولويات الدبلوماسية للإدارة الأمريكية تحولت بالكامل. وبعبارة بسيطة الحرب ضد ما يسمونه «الإرهاب»، هي الحرب الباردة، وبهذا فإن الحرب على «الإرهاب» أصبحت المبدأ الأساسي الذي تنصب حوله وفجأة كل الجوانب الأخرى للدبلوماسية الأمريكية. 

منذ عقود لم يكن هناك مثل ذلك المبدأ المحرك، أو على الأقل لم يكن هناك ما يمكن بلورته بسهولة، فجورج بوش الأب نطق بالنظام العالمي الجديد لكن لم تكن لديه أية سياسة القولية ذلك النظام، وكلينتون على الجانب الآخر كان يملك سياسة محددة، لكنه أفتقد الأسلوب. 

الفصيح للتعبير عنه وكان في بعض الأوقات يشار إلى منهجه بمصطلح «بناء الوطن»، كما يمكن وصف سياسته بوضوح أكثر عبر مصطلح ترقية الديموقراطية حول العالم أجمع في الصين وروسيا والسودان وكل الدول المتمردة.

وبسرعة فائقة تركت كل صيحات تنمية الديموقراطية وتخلت أمريكا عن سياسات حقوق الإنسان، وتوقفت عن التشكي للدول غير الديموقراطية بسبب إجراءاتها القمعية. 

ويتكلم الرئيس بوش عن الحرب على الإرهاب ذات المدى العالمي، والذي يعنيه هنا هو الإرهاب الذي يستهدف أمريكا.

هذه الحرب لن تكون ضد الجيش الجمهوري الايرلندي، ولا ضد التأميل. ومع أن بعض الناس قد يجد هذ الأمر نفاقًا أيضًا، لكنه ليس من نوع النفاق الذي يزعج الأمريكان أو يجعلهم يمانعونه الحرب على الإرهاب مثل الحرب الباردة إرشادات سريعة وسهلة لاختيار الحلفاء والأعداء ومرة أخرى أمريكا مضطرة الدعم السفاحين للقتال ضد مناوئيهم فالرئيس بوش وافق مسبقًا على الحرب الروسية ضد الشيشان، وقبل أسابيع فقط كانت دول البلطيق هي التالية على القائمة للانضمام إلى حلف الناتو، لكن كولن باول أعلمهم بطريقة غير مباشرة بضرورة تحسين العلاقات مع روسيا. وفجأة ضاع عقد كامل من الدبلوماسية في ليلة وضحاها، وبهذا تتوقع تغيرًا مستقبليًا في سياسة الولايات المتحدة في جنوب آسيا وأوروبا والصين وحتى الشرق الأوسط يقول الصحفي «ابن ابليوم» في مقالة بجريدة تليجراف «ذهبت الشيوعية ولم يعد الناس خائفين من غزو الجيش الأحمر، فلديهم الآن فرصة النظر إلى الرأسمالية. لكنهم في الحقيقة لا يحبونها فالكثير من الناس لا يريدون شركات أهلية، ولا قطاعًا خاصًا، ولا احتكار الشركات الكبرى في نظرنا فإن المد بدأ يتقلص ليس على الطريقة الشيوعية الصريحة وإنما على الطريقة المعادية للرأسمالية، وأصبح الآن من السهل رفع قضية ضد الرأسمالية وسيتجاوب الناس فورًا لأنهم لا يشعرون بالأمن والراحة والسعادة..»

وبعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر برزت مرة أخرى قضية العدالة في المحافل الأمريكية، مع إعلان الرئيس بوش أنه يريد مثول بن لادن أمام العدالة حيًا أم ميتًا، وفي قوله هذا يتجاهل بوش حقيقة استحالة مثول أحد أمام العدالة وهو ميت، فالمثول أمام العدالة يعني إحضار المتهم أمام المحكمة لمواجهة التهم الموجهة إليه، ويعني أيضًا دعم القضية بأدلة مقنعة، وما لم تقدم الأدلة إلى المحكمة فالحكم يجب أن يبقى محفوظًا.

تعامل الإدارة الأمريكية مازال مختلفًا عما ذكرناه فالرئيس بوش أعطى الإشارة الخضراء للهجوم على أفغانستان بعد استكمال الاستعدادات، أما توني بلير فتراه أكثر حماسًا من بوش الضرب افغانستان وكأن الكارثة قد وقعت على الأراضي البريطانية! أما باكستان فقد تحولت الأنظار إليها بعد الحادثة، وبرغم أن الحكومة الباكستانية أكدت التعاون الكامل مع واشنطن إلا أن النظام الحاكم في إسلام آباد يواجه معارضة داخلية كبيرة.

الجنرال مشرف من جانبه أعلن مرارًا أن التعاون مع الولايات المتحدة سيكون في إطار الشرعية الدولية عبر قرارات مجلس الأمن، وأنه لا تنازل عن مصالح باكستان الوطنية العليا التي اعتبرها في ثلاثة أمور رئيسة:

- السيادة الوطنية للبلاد.

- البرنامج النووي والصاروخي

- قضية كشمير.

وبالنسبة للسيادة الوطنية فلا خلاف بين الطرفين، أما البرنامج النووي فتغض الولايات المتحدة حاليًا الطرف عنه، نظرًا لتغير الأولويات، وكشمير هي الوحيدة التي قد تعرقل انضمام باكستان إلى التحالف الدولي لسببين:

 الأول: تداعيات القضية الكشميرية وتشعباتها الكثيرة والمقلقة مثل مشكلة الجماعات المسلحة ومراكزها التدريبية، وكذا دعم باكستان لتلك الأنشطة. 

الثاني: علاقة الهند بالقضية، الأمر الذي يضفي عليها كثيرًا من الحساسية، فالهند تدفع العالم وخاصة الولايات المتحدة إلى إعلان باكستان دولة ترعى الإرهاب وتدعم المتمردين، لكن الولايات المتحدة من جانبها تريد استخدام باكستان في الحرب ضد الإرهاب، ومن جانب آخر تسعى إلى إعطاء الهند دورًا قياديًا في المنطقة. ويبدو أن الإدارة الأمريكية كعادتها تلعب على الحبلين وربما يكون الطرف الكاسب هو الهند لأسباب دينية واقتصادية وجيوبولتيكية . صحيفة واشنطن تايمز الشائعة نشرت تقريرًا يفيد أن محاولات بوش لبناء تحالف دولي ضد الشبكات الإرهابية قد تعرقلت بسبب قضية كشمير التي كانت غير متوقعة أن تبرز حاليًا وهناك شعور متزايد بأن الحملة الأمريكية ضد أفغانستان سيكون لها أكبر الأثر على كشمير. 

جورج بركويج الخبير في شؤون جنوب آسيا يقول: الصحافة الأمريكية تجاهلت أمر کشمير على نطاق واسع، لكن الهند وباكستان في خلاف شديد حول كيفية إمكانية دمج کشمير في المهمة العالمية لمكافحة الإرهاب، وقد أوردت تقارير صحفية أن الولايات المتحدة أكدت للهند خلال زيارة وزير خارجيتها جسوت سنع مؤخرًا لواشنطن إدراكها للقلق الهندي حول كشمير والجماعات الانفصالية. ومما أعطى الموضوع دفعة قوية حادث انفجار البرلمان المركزي لولاية جامو وكشمير المحتلة الذي أسفر عن خسائر بشرية كبيرة، حيث اتهمت الهند المجموعات الجهادية بأنها وراء العملية وأنه يجب أن يوضع حد لذلك، حينها تعهدت إدارة بوش بالتعامل مع المسلحين الكشميريين في المرحلة الثانية من مهمتها ضد الإرهاب، الأمر الذي سيضع النظام الحاكم في إسلام آباد في امتحان آخر وربما في مأزق آخر.

الرابط المختصر :