العنوان الآثار التي يمكن تحقيقها من إقامة الحدود وتطبيقها
الكاتب الدكتور محمد حسين الذهبي
تاريخ النشر الثلاثاء 05-ديسمبر-1978
مشاهدات 62
نشر في العدد 422
نشر في الصفحة 8
الثلاثاء 05-ديسمبر-1978
مع يقيننا بأن تطبيق الحدود الشرعية كقطع اليد أو رجم الزاني قد لا يؤتي ثماره كاملة في غياب المناخ والوعى الإسلامي العام المتمثل بتحكيم الشريعة في جوانب المجتمع الأخرى الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وبث روح الإسلام وأخلاقه وتوجيهاته بين طبقات المجتمع، فإننا نقدر كل التقدير ذلك التوجه الطيب الذي أبدته الحكومة تجاه تحكيم قوانين الشريعة الإسلامية في قضية العقوبات.
كما أننا ننكر كل الإنكار تلك الحملة الشعواء التي شنتها بعض الصحف المحلية ضد مشروع قانون العقوبات الإسلامي، لأن تحكيم شرع الله في أرض إسلامية ليس مجال أخذ ورد، مع ذلك فإن «المجتمع» لا ترى بأسًا في ترسيخ الاتجاه نحو تحكيم الشريعة الإسلامية في قانون العقوبات عن طريق النقاش العلمي الهادئ بعيدًا عن التشنجات والعواطف والأهواء وذلك عن طريق عرض بحث جيد للمرحوم الدكتور محمد حسين الذهبي راجين من الله أن يكون لبنة في ترسيخ هذا الاتجاه الطيب وأن يعيد الموتورين على الشريعة إلى صوابهم والله الموفق.
الجزء الأول
يرى الدكتور الذهبي أن ثمة أمرين ضروريين يمهدان لإقامة الحدود كي تعطي ثمارها كاملة، وهما:
1 - تنشئة الفرد تنشئة صالحة من خلال تربيته تربية إسلامية حقة.
2 - تنظيم المجتمع على أسس إسلامية تحقق له تكافلًا اجتماعياً شاملًا، تصبح فيه الحقوق والواجبات متكافئة ومحققة لمضمون هذه الآية الجامعة ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ﴾ (سورة النحل: 90).
وحتى يمكننا الحديث عن آثار تطبيق الحدود وإقامتها نفترض أن المجتمع الذي ستطبق فيه، وفي بما اعتبرناه مقدمة ضرورية تجمل الطريق أمام هذا التطبيق معبدًا لانتوء فيه ولا أخاديد. ذلك أن الحدود وحدها لا تنشئ ولا تؤسس للمجتمع استقراره وأمنه، وإنما دورها يتمثل في الإسهام والحفاظ على أمنه و استقراره اللذين قاما أصلًا نتيجة لبنائه على أصول الإسلام ومبادئه.
نقول هذا لاعتبارات لا نملك إغفالها في هذا المقام، لأنها من الوضوح والقوة بحيث يصبح إغفالها نوعًا من الظلم للحقيقة، وتشويهًا لصورة الحدود وفلسفتها في النظام الإسلامي.
في مقدمة هذه الاعتبارات: إن تطبيق الحدود لا يسمح فيه بتفرقة أو استثناء ما! وحديث المخزومية وقصتها علم مرفوع أبدا يحمل شعار المساواة المطلقة أمام الجميع استثناء واحد كفيل بهدم كل الآثار التي يحققها في المجتمع إقامة شريعة الله وتنفيذ أحكامه. وأول ما يفتح أبواب الاستثناء والتمييز هو وجود تمايز طبقي اجتماعى تختنق فيه قيم الإسلام والمساواة بين الناس في مقدمتها. ثم يمضي الذهبي إلى القول:
..وحتي تتحقق عدالة الشارع الأعظم في موازنة الحد _وهو عقوبة تعتبر أغلظ ما يمكن في بابها_ مع الجناية المسببة له، لم يكتف عدل الله بقصره على الجناية الموجبة له في أغلظ صورها كذلك، وإنما ضم إلى ذلك إعفاء كل ما عساه يكون من ملابسات تتقاصر بالجناية عن بلوغ المدى الذي يجعل إقامة الحد على مرتكبها عدلًا مطلقًا لا يمكن التعقيب عليه.
وهنا يأتي دور الشبهات، ويصبح درء الحدود بها مصفاة لا يتبقى مع أعمالها إلا نماذج شاذة من الجرائم والمجرمين، لا مكان لرحمة بهم، ولا موضع لتلمس التخفيف عنهم.
إن التأمل في هذه الشروط يخيل إلينا أن التطابق بين ما يقع فعلًا من جرائم الناس، وبين ما يستوجب الحد بحسب هذه الشروط لا يكاد يحدث إلا في القليل النادر.
ولنأخذ حد الزنى مثلا لذلك: لقد اشترط لوجوب الحد شروط جعلت ثبوته عن غير طريق الاعتراف شبه مستحيل، وهل يظن بعاقل _يعرف عقوبة الزنى_ أن يقدم على مباشرتها دون تحفظ ولا احتياط، وإنما يباشر بنوع من المعالنة أو المجاهرة بحيث يمكن أن تقع عليه _خلال الفعل نفسه_ أعين أربعة من الرجال العدول مقبولي الشهادة؟
مثل هذا لو حدث فإنما يدل على تحد للمجتمع لا يقدم عليه إلا مختل أو فاجر لا يقيم للمجتمع وزنًا بكل ما فيه، ولذلك لم يكن مصادفة أن جميع وقائع حد الزنا على عهد النبوة _وهو عهد انتقال من الجاهلية وسفاحها إلى الإسلام وعفافه_ لم تتجاوز أصابع اليدين عدًا، وليس من بينها في ما نعلم واقعة واحدة لم يكن الاعتراف هو سبيلها الأوحد لكي تعرف وتثبت: اللهم إلا ما كان من قصة اليهوديين اللذين زنيا، فقد روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:- «أيتوني بأربعة منكم فجاء أربعة منهم فشهدوا عليهما بالزني فرجما» زاد المعاد ج ٣ ص ٤٤.
ثم يعرض الشيخ الذهبي لقصة «ماعز» اعترافه للرسول بالزنى، ويخرج منها ومن قصة الجهنية، بمسلك رسول الله صلى الله عليه وسلم مع المعترفين، ويتمثل في الآتي:
1 - توجيه إلى الاستتار بستر الله، والتوجه إليه بالاستغفار والتوبة.
2 - إعراض عن سماع الإقرار، وتعريض للمعترف بأن لديه عنه مندوحة.
3 - تلمس للشبهات درءًا للحد.
4 - إقامة للحد حين لم ييق من إقامته بد، وحين يصبح التراخي فيه، تفريطًا في حق الله وحق المجتمع.
5 - حماية إنسانية المعترف، ورد اعتباره كاملًا إليه، والثناء على إيمانه الذي لولاه لما كان لأحد عليه من سبيل.
يبدو لنا من تحليل قصة «ماعز» بخاصة، وفلسفة الحدود بعامة، أن الزجر والردع عن ارتكاب الخطايا التي يعاقب عليها بهذه الحدود هو القصد الأساسي من تشريعها، ومن هنا كان التغليظ في ما تنطوي عليه من عنصر التخويف وللترهيب بالغًا غايته حتى يؤدي مهمته في منع الجريمة وسد الطريق إليها عن من تحدثه نفسه بإرتكابهما.
أما إذ وقعت الواقعة فأنت واجد ميلًا شديدًا _في تشريع الحدود_ إلى تضييق نطاق تطبيقها ما أمكن، وقد رأينا سعة الأبواب التي فتحت أمام المعترف بمواقعة ما يوجب حدًا عليه.
ومن يثبت عليه ذلك بالبينة ما شأنه هو الآخر؟ إن من التشدد في تكييف الجريمة، وتحديدها بشروط تجعلها لا تكاد تنطبق على ما يقع في الحياة فعلًا إلا في حالات نادرة شاذة!
هذا التشدد في تكييف الجريمة وضبطها، إلى جانب التشدد في الإثبات »يشترط في شهادات الحدود ما لا يشترط في شهادات العقود والمبايعات مثلًا».. إلى جانب تلمس الشبهات لدرء الحد رغم ثبوت الواقعة التي توجبه، كل أولئك مما يضيق نطاق التطبيق العملي للحدود.
ولعل من حكمة الله في ذلك _فوق رحمته بعباده_ إنها لو طبقت على نطاق واسع لفقدت هيبتها ولأصبحت مألوفة وعادية، وبالتالي تفقد وظيفتها الأولى: وظيفتها الوقائية في منع مقارنة هذه الخطايا، وعدم الاقتراب منها.
إن الحد في اللغة معناه المنع، وهو بمعنى قائم في الحدود الشرعي إذ هو مانع من معاودة الجاني لجنايته التي حد فيها، ومانع غيره من مقارفتها لما في الحد من عنصر زاجر وعقوبة بالغة. وفلسفة الحدود في النظام الإسلامي تقوم على مبدأ نفسي، وآخر اجتماعي، كلاهما يكمل الأخر، وكلاهما بعيد الأثر في تحقيق الحكمة والغاية من تشريع هذه الحدود.
وتحليل هذين المبدأين وكشف ما يكون من نتائجهما داخل الفرد، وعلى مستوى الجماعة، ويبين لنا كيف تحقق الحددود في إطارها الإسلامي العام استقرار المجتمع على نحو لا يتيحه أي نظام وضعي أو أي قانون من قوانين العقوبات في بلاد العالم المعاصر مع كل ما يدعى من تقدمها في دراسة الجريمة علمًا، وتقنين مواجهتها تشريعًا.
في الحلقة المقبلة إن شاء الله يشرح الدكتور محمد حسين الذهبي هذين المبدأين: النفسي والاجتماعي.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل