العنوان المدرسة الصولتية : أولى المدارس النظامية في الجزيرة العربية
الكاتب إيمان عباس
تاريخ النشر السبت 10-أغسطس-2002
مشاهدات 50
نشر في العدد 1513
نشر في الصفحة 44
السبت 10-أغسطس-2002
تعتبر المدرسة الصولتية من أولى المدارس الأهلية النظامية التي نشأت في مكة المكرمة والجزيرة العربية عمومًا، وهي ترتبط باسم مؤسسها الشيخ «رحمة الله الكيرواني الهندي» (۱۸۱۷- ١٨٩١م / ١٢٣٣ - ١٣٠٨هـ) الذي فكر في أن يفتح مدرسة نظامية وخصوصًا للطلاب الوافدين إلى أرض الحرم ولسكان الحرم الشريف، بعد أن وجد أن النظام التعليمي في أم القرى يحتاج إلى تنظيم جديد في مناهجه وأساليبه وإدارته لتواجه التحديات الجديدة في المجتمع الإسلامي.
بدأ الشيخ «رحمة الله» التدريس بمدرسة ابتدائية في مكة المكرمة في بيت أحمد خان الهندي الذي كان يملك مالًا وفيرًا ويقدم للمدرسة ما تحتاجه، حتى كان رمضان من سنة ( ١٢٩٠هـ / ۱۸۷۳) إذ قدمت إلى مكة السيدة الهندية صولت النساء "بيغم" ومعناها السيدة التي لا يصيبها الغم، وهي من مدينة كلكتا. وكانت تملك ثروة هائلة مع حب للعطاء والإنفاق الخدمة العلم والعلماء وكان في نيتها أداء فريضة الحج ثم بناء رباط في مكة للحجاج والمعتمرين على عادة أهل الإحسان والخير!، ولكن بعد مشاورات مع الشيخ رحمة الله الهندي اقترح عليها أمرًا آخر بقوله: «إن مكة ليست بحاجة إلى رباط، ففيها أربطة كثيرة ولكنها بحاجة ماسة إلى مدرسة نظامية أو جامعة تتكفل بتعليم أبناء المهاجرين من كل العالم الإسلامي ومن أرض الحرم» فوافقت السيدة صولت بيغم على الاقتراح وفوضت أمر تأسيس هذا الوقف التعليمي للشيخ.
قام الشيخ رحمة الله بشراء أرض بحي «الخَندَريسة» بمحلة الباب بجوار الحرم ووضع بنفسه أساس البناء، وكانت السيدة صَولت تراقب بنفسها أعمال البناء وتحمد الله على ما وفقها لهذا العمل الدائم نفعه والجاري فيضه، غير أن مشروع المدرسة تعرض لعوائق وصعوبات فتوقف البناء ثم أسست من جديد وبدأ العمل مرة أخرى بها بتاريخ محرم الحرام ١٢٩١٠ هـ / ١٨٧٤، لذلك يحسب عمرها من هذا التاريخ فهو التاريخ الحقيقي لتأسيسها.
وفي يوم الأربعاء ۱۲ شعبان ۱۳۹۱ هـ كان بدء التدريس في أول مدرسة نظامية على أرض الحرم، وحضر حفل الافتتاح علماء مكة المكرمة وطلاب العلم وجمع غفير من الناس وسميت بالمدرسة الصولتية كذكرى لتلك المرأة المحسنة المحبة للخير من أرض الهند.
أهداف المدرسة
كان الشيخ رحمة الله من علماء الهند الكبار ومن رجالات الإسلام العظام وواحدًا من علماء الحرم المكي الشريف، وهو صاحب كتاب «إظهار الحق» الشهير في مناظرته للمُنصر المشهور فندر، والذي رد فيه وفي غيره على ادعاءات النصارى في عقائدهم، وقد رأى ما يعانيه التعليم في أرض الحرم في ذلك الوقت من إشكالات وصعوبات، لذلك كانت له تطلعات مستقبلية فوضع أهدافًا لمدرسته أهمها:
أولًا: تعليم أبناء الوافدين والمهاجرين إلى مكة وأهل الحرم وغيرهم وتوفير الرعاية الكاملة لهم من المأكل والمشرب والمسكن والملبس والأدوات الدراسية، وبهذا يحمل عن الطالب هم مصاريف حياته العلمية.
ثانيًا: التدريب الفني والصناعي للطلبة ليكسبوا مهنة بعد التخرج في المدرسة وبذلك يبتعدون عن الفقر والذل، بهدف أن يكون العالم حرًا لا يخضع لأي تأثير في فتاواه وآرائه، كما كانت سنة الكثير من علمائنا الأعلام الصالحين.
ثالثًا: تخريج علماء يحسنون تلاوة القرآن ونطق اللغة العربية إلى جانب العلوم الأخرى من العرب وغير العرب، ثم يرجعون إلى بلادهم ليقوموا بواجبهم الرئيسي كدعاة ومعلمين.
لم يكن الشيخ «رحمة الله» منعزلًا عما يدور حوله، فقد كان عارفًا بالسياسة الدولية العالمية في القرن الرابع عشر الهجري/التاسع عشر الميلادي وما تشهده من صراعات من أجل السيطرة على العالم الإسلامي من خلال إثارة الصراعات القومية والإقليمية والدعوات المتعددة الصالحة منها والطالحة لأجل تفتيت دولة الخلافة وإسقاطها، وعُرف عن الشيخ فهمه ووعيه لما تحتاجه الأمة من أجل الحفاظ على هويتها وأداء رسالتها التربوية والتعليمية والدعوية، لذلك وضع للمدرسة رؤى خاصة بعيدة المدى تختلف عن بقية المدارس في ذلك الوقت.. وأهمها:
1. يجب على كل طالب ومدرس الابتعاد عن المسائل الخلافية والأمور المعقدة وتجنب العصبيات القومية والعرقية ودواعي الفرقة بين المسلمين.
2. على كل مدرس وطالب ألا يشارك أو يشتغل بالشؤون السياسية أثناء دراسته أو عمله بالمدرسة، وبهذا جنب المدرسة كثيرًا من المشكلات والفتن، وقد مدح هذا العمل الشيخ محمد علي، يرحمه الله مؤسس دار العلوم - ندوة العلماء في «لكنؤ» بالهند - فقال: «كان من حظ المدرسة الصولتية، لإخلاص مؤسسها، أن مدرسيها وطلابها مبتعدون تمامًا عن آفات العصر وبلاياه وليس فيهم إفراط ولا تفريط وهم لا يريدون أن يزجوا بأنفسهم في أي جدل أو نزاع، وهم لا يحكمون بكفر أي مسلم ولا بفسوقه، تاركين الحكم لله وهذا من فضل الله عليهم فإن تجنب البلية في عصر الفتن سعادة وفلاح».
لذلك عندما زار الشيخ «رحمة الله الكيرواني» إسطنبول في عهد السلطان عبد الحميد الثاني سنة ۱۳۰۱ هـ / ۱۸۸۳ م قرر السلطان منح المدرسة هبة سنوية لأجل إعانة من فيها من المدرسين والطلبة في أداء رسالتهم التعليمية والدعوية، وعلى الرغم من مكانة السلطان فإن الشيخ اعتذر عن عدم قبول الهبة بقوله: «هناك كثير من المحسنين من الهند والعالم الإسلامي ممن يتكفلون بالمدرسة فهي غير محتاجة للمال»، وهدف الشيخ من هذا أن تبقى المدرسة بعيدة عن عالم السياسة، مستقلة في قرارها ومناهجها وعملها، وقد فهم السلطان عبد الحميد الثاني ذلك فلم يرد أن يوقع المدرسة في مشكلات مستقبلية تمنع استمرارها في سياستها الدعوية التي تنسجم مع مشروعه الجامعة الإسلامية، لتوحيد الأمة ضد التحديات.
صعوبات واجهت المدرسة
في ثورة الهند الكبرى عام ١٨٥٧ م أسهم الشيخ رحمة الله في قيادة الجهاد في الهند ضد الإنجليز، لكن المسلمين هزموا بسبب خيانة بعض أبناء الهند لهم، واستولى الإنجليز على الهند بعد معارك طاحنة، فترك الشيخ الهند وهاجر إلى الحجاز، وعندما قام بتأسيس المدرسة الصولتية لم تنس بريطانيا الشيخ باعتباره من - وجهة نظرها - قائدًا من قواد الثورة الهندية، لذلك حاولت القنصلية البريطانية إغلاق المدرسة الصولتية فقامت بترويج إشاعات مختلفة وكثيرة منها ما يحوم حول زعم «إن هذه المدرسة تشكل حركة أجنبية داخل الدولة العثمانية - وأرض الحرم - لأنها تمول من أموال المتبرعين بالهند وأن المدرسة تسير ضد سياسة الدولة العثمانية في الحفاظ على وحدة المسلمين وتعمل لهدم الخلافة العثمانية».
لكن هذه الدعايات لم تفلح في شيء لقوة وثبات وعزم الشيخ والمتبرعين للمشروع الحضاري التعليمي وكذلك لفهم وسعة إدراك السلطان عبد العزيز - ثم السلطان عبد الحميد الذي تولى الخلافة بعده - الحقيقة الصراع الفكري والحضاري بين الأمة الإسلامية وأعدائها فبقيت المدرسة مشروعًا شامخًا يؤدي رسالته حتى بعد وفاة الشيخ «رحمة الله» ( ۱۳۰۸هـ / ۱۸۹۱ م ). وقد زار الملك عبد العزيز بن سعود المدرسة عام ١٢٤٤هـ / ١٩٢٥م وقال عنها: «المدرسة الصولتية هي الجامع الأزهر في بلادي».
أبنية المدرسة الصولتية
1. تضم المدرسة أول بناء تاريخي لها ويشمل البناء خمس قاعات و ٣ بيوت وفناء واسعًا ومرافق أخرى، وقد قام الشيخ بنفسه برسم مخططها.
2. دار الإقامة وهو بناء مستقل بناه الرئيس مير واجت حسين الهندي ويتسع لخمسين طالبًا.
3. مسجد المدرسة وهو تحفة رائعة للفن المعماري الهندي، بدأ الشيخ بناءه عام ١٣٠١هـ وانتهى العمل منه عام ١٣٠٤ هـ، وكانت أسسه قد بنيت بحجارة دار الكتب المكية التي هدمت لتوسيع الحرم واستصدر والي الحجاز قرارًا من السلطان ببيع حجارتها بالمزاد العلني ولكن الشيخ نصحه بالتوقف عن ذلك لأن هذه الحجارة طاهرة وقد تستعمل في أغراض لا تليق بها، واقترح عليه بيعها له بمبلغ ألف وخمسمائة روبية هندية لتكون أساسًا لمسجد المدرسة الصولتية فوافق الوالي على ذلك، ولما لم يكن في مكة آنذاك مهندسون بارعون أرسل الشيخ إلى الهند يطلب متخصصين فاستجاب بعضهم وانتهوا من العمل عام ١٣٠٤هـ ولا يزال المسجد قائمًا بقبابه البديعة.
منهج المدرسة الصولتية ونظامها
اشترطت المدرسة على الطلاب والمدرسين الابتعاد عن المسائل الخلافية وعدم الاشتغال بالشؤون السياسية أثناء الدراسة أو العمل فيها
كان عدد طلاب المدرسة في عهد مؤسسها يتراوح ما بين ١٥٠ إلى ۲۰۰ طالب وعدد مدرسيها حوالي عشرة، وكان التعليم فيها يتألف من أربع مراحل، يدرس الطالب في المراحل الثلاث الأولى منها لمدة أربع سنوات، وكانت تعرف بالأقسام وهي التحضيري والابتدائي والثانوي والتكميلي ومدة الدراسة في الأخير سنتان.
ويدرس الطالب في المراحل جميعًا أكثر من ٣٠ مادة وهي القرآن الكريم تجويدًا وحفظًا وتفسيرًا، الحديث التوحيد والعقائد الفقه الحنفي الفقه الشافعي، أصول الحديث، أصول الفقه، الفرائض والمواريث، الأخلاق، التاريخ الإسلامي، المعاني والبيان والبديع، الأدب، المنطق وعلم الكلام والفلسفة الإسلامية، الحكمة، السيرة النبوية، النحو والصرف، الهيئة، الميقات «حساب المواقيت» الجبر والمقابلة، المساحة، الحساب، الهندسة، العروض والقوافي، والخطوط والإملاء، المناظرة، الفلك.
وقد اتسم نظام المدرسة بخاصية المرونة من ناحية الفترة الزمنية التي ينبغي للطالب أن يتم دراسته خلالها، فالنابه من الطلاب قد يكمل الدراسة خلال ٨ سنوات فيما يسمح لغيره بالاستمرار لمدة 10 سنوات أو أكثر، ويتبع نظام تدريس الفرق، حيث تنظم دروس خاصة لكل طالب أو مجموعة من الطلبة الراغبين والنابهين في اختصاص معين دون غيرهم بالإضافة إلى اشتراكهم في الدروس العامة ضمن المرحلة التي يمرون بها، وبذلك يتخرج الطالب وقد ألم بالكثير مما يحتاجه ليستمر في طريقه العلمي فيتبحر في بعضها مع اطلاعه على المهم من العلوم الأخرى المرتبطة بما هو بارز فيه وليكون المتخرج «رجلًا تام الأدوات علمًا وأدبًا».
كما كان يتم تكرار الامتحانات الشهرية للطلبة لتركيز فهم وحفظ المادة عند الطالب وهذه إحدى العلامات التي تشير إلى تميز المدرسة بطابع نموذج تدريس علماء وأساتذة الهند الذين كان لهم وجود واضح فيها، وبعد أن توفي الشيخ الهندي- يرحمه الله- كان مدير المدرسة الذي خلفه يسافر سنويًا إلى مقر جمعية ندوة العلماء بالهند ليطلع على المستجدات العلمية لديهم والمؤلفات الصادرة عنهم ليضيفها إلى منهج المدرسة، وكانت إدارة المدرسة حريصة على إدخال المواد الحديثة في منهجها ضمانًا للارتقاء المستمر لشأنها بإدخال الإصلاحات على مناهجها ونظم تدريسها، لتظل معلمًا علميًا في أم القرى، وقد تم معادلة شهادتها بمستوى المدارس الثانوية السعودية عام ١٩٦٤م / ١٣٨٤ هـ ليتأهل المتخرج فيها للالتحاق بالجامعات السعودية أو بجامعة الأزهر.
قامت المدرسة بخدمات عظيمة لخدمة العلم ونشره وتخرج فيها الآلاف من العلماء الذين عادوا إلى بلادهم في إندونيسيا وملايو والهند وغيرها من بلاد الإسلام، فكان منهم العلماء والمدرسون والقضاة ورجال الدولة والكتاب والدعاة... حملوا رسالتها السامية في أقاصي العالم الإسلامي.
أهم المراجع
1. محمد سليم بن محمد سعيد، أكبر مجاهد في التاريخ: الشيخ رحمة الله الهندي، عربه د. أحمد حجازي السقا، مكتبة الكليات الأزهرية، القاهرة، ۱۹۷۷ ط۱.
2. د. محمد عبد القادر خليل، المناظرة الكبرى بين الشيخ رحمة الله الهندي، والقسيس فندر، تحقيق وتعليق، دار ابن تيمية للتوزيع والنشر، الرياض، ١٩٨٥.
3. د. محمد عبد الرحمن الشامخ، التعليم في مكة والمدينة آخر العهد العثماني، دار العلوم للطباعة والنشر، ١٩٨٥ ط۱.
4. محمد لبيب البتنوني، الرحلة الحجازية، ط۱، مطبعة مدرسة والدة عباس الأول بالقاهرة ١٩١١م.
5. عبد الحي الحسيني، نزهة الخواطر وبهجة المسامع والنواظر، نور محمد. كارخانه تجارت كتب كراتشي، ١٩٧٦م / ١٣٩٦هـ.
6. عبد الله عبد المجيد بغدادي، الانطلاقة التعليمية في المملكة العربية السعودية، الجزء الأول دار الشروق ط٣، جدة، ١٩٨٥-١٤٠٦هـ.
7. د. عبد العزيز عبد الله السنبل، نظام التعليم في المملكة العربية السعودية، دار الخريجين للنشر والتوزيع، جامعة الملك سعود، ١٤١٢هـ / ١٩٩٢.
(باحثة متفرغة في التاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية1)